Uncategorized

الدكتور محمد حبش- إلغاء التربية الدينية 14/8/2016

Image default

حول نقاشات مجلس الشعب

هل يحتاج شعبنا السوري لمزيد من الاذلال والاستفزاز عبر الحديث عن انهاء التربية الدينية من المدارس؟
طرح اعضاء في مجلس الشعب السوري اقتراحاً يقضي بإلغاء مادة التربية الإسلامية واستبدالها بمادة الأخلاق، تكرس نهاية لدور الدين في الحياة وتأهيلاً للمواطن السوري للدخول إلى عالم الحداثة.
فهل تنطلق مطالبة كهذه من حاجات الناس الحقيقية؟ وهل لها ما يبررها في ظروف الحرب التي يعيشها السوريون والتي تدمر بشكل متتابع سائر قيم التوحد الوطني وتنشئ مجتمع الاصطفاف والكراهية والتدابر.
وفي البداية فأنا لا أعتقد أن إلغاء المادة يشكل حاجة للاستبداد، فقد نجح الاستبداد نجاحا باهراً في تطويع هذه المادة وزاحم فيها كلام الله بكلام (القائد الخالد)، وأصبح يقدم للطالب صورتين متقابلتين من النص المقدس، لا يجرؤ اي معلم ان يمس اياً منهما، وهي إضافة بالغة الأهمية للمستبد ولا أعتقد ان من صالحه أن يتخلى عنها في ظروف كهذه.
ربما كانت هذه المقدمة لا تسرُّ أصدقاءنا الذين تعودوا أن يقرؤوا كل حراك في سياق مؤامرة، وأن يبحثوا عن الخلفيات العميقة في كل اقتراح، ويمكنني القول ان تسعين بالمائة من شعبنا لا يصدقون أن نائباً يمكنه أن يطرح مطلباً ما في مجلس الشعب دون وحي من جهة مخابراتية، ولكن تجربتي الشخصية تجعلني أؤكد ان هذا يحصل باستمرار، خاصة في الجوانب الخدمية والاجتماعية.
على كل حال وبعيداً عن التفاصيل الشخصانية فإنني لا أنازع في أن السلببيات التي تحيط بمادة التربية الدينية كثيرة، ونخدع عقولنا اذا تصورنا أن درس التربية الدينية يؤدي واجبه التربوي، وأنه لا يحمل أضراراً جانبية كثيرة تجعل رسالته أقرب إلى نشر الكراهية منها إلى نشر الوئام.

ولكنني في الوقت نفسه أستغرب حقيقة موقف الاصدقاء الذين يريدون أن نستدبر الدين في الحياة على اساس ان هذا هو الاسلوب المناسب لدخول عصر الحداثة، وأنه من غير الممكن الجمع بين قيم الحداثة وقيم الدين.
إن محاصرة السلبيات التي تحيط بمادة التربية الدينية أمر ممكن، ولكن يجب الإشارة أيضاً إلى الجوانب الإيجابية التي لا تحصى في سياق تعزيز قيم الأخلاق والتعاون والبناء الوجداني التي يؤديها درس الديانة بامتياز وهي جوهر الهدف التربوي.
ويجب أن يعلم هؤلاء الأصدقاء أن حصة الدين هي مسؤولية تربوية ملزمة في معطم المدارس في أوربا وأمريكا وتشترط وزارة التربية على المدارس في الدول الاسكدنافية (فنلندا) تأمين أستاذ تربية دينية لكل أربع طلاب ينتمون إلى دين معترف به، وتعتبر المدرسة التي لا توفر معلم الدين للتلاميذ مسؤولة أمام الدولة عن هذا الانتهاك لمسؤولية التعليم.
في ألمانيا يشترطون معلم الدين لكل صف توفر فيه ثمانية طلاب، ونعمل الآن عبر فريق من الأكاديميين لتوفير مساق تعليمي خاص باستاذة الدين الاسلامي في ألمانيا، لزيادة تأهيلهم وتمكينهم من القيام بواجبهم في المحتع الألماني عبر تدريس الإسلام للطلبة وفق خيارات فقهاء التسامح والاعتدال، وقد سبقتنا الى تحقيق ذلك جامعة مونستر التي أعلنت عن إطلاق قسم خاص لتأهيل مدرسي التربية الاسلامية في المدارس الألمانية.
ربما كان الحال في فرنسا مختلفاً بعض الشيء بوصفها الدولة التي اختارت العلمانية اللائكية التي تصر على تحييد الدين تحييدا تاما في الحياة، ومن المحزن أن نقول إن هذه السياسات جاءت مستفزة ومؤلمة لجمهور من المسلمين يزيد عن سبعة ملايين فرنسي وقد أسس لتيار متطرف يرى في فرنسا عدوا للاسلام ويستبيح القتل والقتال في نيس وبات كلان وشارلي ابيدو وغيرها من الذكريات المريرة.
ومع ذلك كله فإن الدين في الغرب عموماً هو محض ثقافة وافدة، فقد جاء الرحيق الروحي من بلاد الشام، ويتبع الأوربيون والأمريكيون أنبياء من سوريا، وكتباً مقدسة نزلت في سوريا، وتعيش ذكريات الإيمان الملهمة في معابدهم وكنائسهم لمواعظ وقعت على ضفاف طبرية وفي جبل الطور وفي الناصرة وفي الخليل وفي كروم قانا والطريق المستقيم في دمشق وغيرها من الذكريات الدينية العميقة التي تجعل رباط الروح لكل مؤمن بالأديان السماوية مرتبطاً ومتصلاً بارض الشام الشريف اسلاميا ومسيحيا ويهوديا على أقل تقدير .
لا يعرف الأوروبي ولا الأمريكي أنبياء ألمان أو إسبان أو أمريكان، ولا يشير أبداً إلى أي كتاب ديني مقدس نزل في لندن أو باريس أو فيينا، إنهم يتحدثون عن الإيمان كنعمة قادمة من الشرق، وحتى كرسي روما في الفاتيكان فإنه لم يكتسب قداسته ومكانته الدولية والتاريخية إلا من كرسي بطرس الصياد الحوراني الطبراوي الذي صاحب السيد المسيح، أغلب الظن أن اسمه لم يكن هناك في طبرية بطرس ولا بيتر.. إنني أرجح أن يكون اسمه بدر وهذا هو الاحتمال الأكثر وافعية لاسم عربي لصياد عاش في الجولان السوري الجميل.
بدون أدنى مبالغة يمكن القول إن ثلاثة أرباع سكان الكوكب يشربون الروح من سوريا ويغردون الأغاني السورية القديمة باللسان الآرامي والسرياني الذي أشرق به السيد المسيح على الناطرين بإحسان في لوح السماء.
ومع أن الإيمان الإسلامي قد ولد في مكة والمدينة ولكن أخلد أيام إشراقاته هي أيام سورية خالصة فقد كانت القدس هي رمز عروجه إلى السماء واستلامه نسك الصلاة المقدس، وتالياً كانت دمشق أول عاصمة للحضارة الإسلامية في العالم.
الأنبياء هناك حكماء ومعلمون جاؤوا من الحواضر البعيدة المسكونة بالأسرار، ولكنهم هنا في سوريا آباؤنا وجذورنا، ولا تلتقي الأنساب على شيء كما تلتقي على النسبة إلى إبراهيم وهو أبو الاسلام والمسيحية واليهودية والصابئة بلا منازع.
لا يمكن بالطبع تقديم مطالعة كهذه مستنداً تشريعياً لإقرار مادة التربية الدينية أو لإلغائها، حيث يجب أن تحكم هذه الغاية النظم التعلمية والتقاليد الأكاديمية ولكنها بكل تأكيد يجب أن تكون حاضرة في أي قرار نتخذه بشان الدين ثقافة أو تعلماً أو استبصاراً.
إن إلغاء مادة التربية الدينية لن يكون عامل توحد وتلاق بين السوريين، وسبكون سبباً آخر من أسباب الريبة والاصطفاف، واستبدال المقرر بمادة الأخلاق سيعني مباشرة التحول إلى النمط اللائكي الفرنسي الذي أجزم بيقين أنه غير مناسب لبلادنا على الإطلاق، ولكن المطلوب من وجهة نظري هو إعادة النظر في منهج التربية الدينية وتقديم كتاب موحد للسوريين يشتمل على القيم الدينية في الإسلام والمسيحية، بوصفهما ديانات السوريين وتعريف واف وشاف للرسالة الإسلامية بداية من سيرة الرسول الكريم واتصالاً بالمذاهب الإسلامية، وتعريف واف وشاف بالرسالة المسيحية وأهم أعلامها ورجالها، والوصايا المشتركة التي تحمل الطهر والهدى والرشاد والنور كما تقدم بها محمد والمسيح عليهما سلام الله ونوره.
بالطبع فإن المجال الصحيح للتخصص في العقيدة والعبادات هو المسجد والكنيسة أما المدرسة فيجب أن تهتم بالاتفاقي من المعارف والأخلاق وأن تعزز الاحترام والثقة المتبادلة بين سائر أبناء الشعب الواحد.
سيواجه هذا الاقتراح هجوماً مماثلاً لاقتراح مادة الأخلاق، وسيعتقد البعض ان التحول إلى مادة الأخلاق أقل كلفة وأكثر منطقية، وأنا لا أشارك هذا الرأي وأعتقد أن اطلاع المواطن السوري على الدينين الكريمين واجب تربوي، وبالقدر نفسه وجوب إطلاع الطالب على المذاهب الإسلامية الكريمة التي نشأت خلال التاريخ الإسلامي واتبعها السوريون وإظهار ما فيها من حسن ونور.
إنه من وجهة نظري تكريس لقيم القرآن الكريم وتصديق ما بين يديه من التوراة والإنجيل، والحكمة، وهو تعزيز لصلة الجميع بالخالق الواحد وإحياء دور سوريا كمصدر رئيس للأديان في العالم وموئل للإشراق الروحي عبر التاريخ.

Related posts

د. محمد حبش- رحيل مؤرخ السيرة…2016/11/27

drmohammad

الدكتور محمد حبش-إقبال …. هاتوا من تراث الآباء .. الجذوة لا الرماد!!

drmohammad

تارك الصلاة.د.محمد حبش 2016

drmohammad

Leave a Comment