مقالات

د. محمد الحبش- رسالة إلى وزارة الركاز 26/10/2007

سيكون عسيراً أن نتناول أمراً كهذا في قراءة شرعية, فمن المؤكد أن النصوص الشرعية من القرآن والسنة ليس فيها على الإطلاق كلمة مازوت ولا كلمة تهريب ولا كلمة نفط ولا حتى مكافحة, وكذلك كلمات الحكومة ووزارة المالية وجباية الضرائب والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والدعم الحكومي فهذه كلها مصطلحات غير موجودة على الإطلاق في القاموس الفقهي.
يبدو هذا السؤال البريء شارحاً لواحدة من أهم القضايا التي نواجهها كل يوم وهي انتظار النص الشرعي كتاباً أو سنة لبيان حكم المسألة, إذ لا يزال كثير من اللصوص ينتظرون النصوص التي تقول لهم إن الله حرم تهريب المازوت والبنزين وأعد للمهربين العذاب المهين حتى يصدقوا أو يمتنعوا عن تهريب المازوت, وهم بذلك يكررون سلوك بني إسرائيل المتعنت حين كانوا ينتظرون من السماء بيان كل شيء باسمه, وفي مسألة ذبح بقرة راحوا يسألون عن طولها وعرضها وعمرها ولونها ووصفها حتى غضب الله عليهم ثم قست قلوبهم فإذا هي كالحجارة أو أشد قسوة, وما ربك بغافل عما يعملون.‏
من وجهة نظري فإن القرآن الكريم إنما جاء أصلاً ليرتقي بالناس من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن, والشريعة تظهر أحكامها بعبارة النص وبإشارة النص وبدلالة النص وباقتضاء النص وبمنطوق النص وبمسكوت النص, وهي مسائل يعرفها علماء الأصول, بل إن التشريع لا يتوقف عند حدود النص بل أجمعت الأمة على التشريع بالإجماع والقياس وأضاف العلماء التشريع بالاستحسان والاستصلاح والعرف وغير ذلك من المصادر الشرعية التي قدمت من خلال الشريعة جواباً على كل مسألة, وهذه المصادر كلها يمكن اختصارها بكلمة واحدة وهي العقل, المصدر الأهم للشريعة.‏
المازوت أحد أشكال الطاقة ولم تكن له بالطبع أية أهمية في عصر الرسالة ولم يكن أصلاً وارداً السؤال عنه ولم يكن الناس قد عرفوه طاقة أو مادة حيوية بعد, وكان إذا ظهر في أرض تجنبها أهلها ورحلوا عنها حفاظاً على بيئة نظيفة لهم ولأنعامهم.‏
أول ما ينبغي تقريره في هذه المسألة هو أن الفقه الإسلامي قرر من عهد بعيد أن الركاز ملك الأمة بعمومها, ويجب على ولي الأمر أن ينفقه في مصالح الأمة وهو مشمول بقول الله تعالى: الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار.‏
والركاز هو أصل المسألة التي نتحاور فيها وقد سأل سائل رسول الله عن ذلك فقال: »العجماء جبار , والمعدن جبار , والبئر جبار , وفي الركاز الخمس « فقيل له: ما الركاز يا رسول الله ? فقال: الركاز هو ما خلقه الله في الأرض يوم خلقت, وهو يشمل سائر المعادن النفطية وغير النفطية مما تحتاجه الامة.‏
وبهذا المعنى فإن وزارة النفط والثروة المعدنية يمكن التعبير عنها في الفقه الإسلامي بكلمة واحدة وهي وزارة الركاز.‏
ولكن الفقهاء لم يتوقفوا عند تقرير وجوب الخمس في الركاز, أي الضريبة بواقع عشرين بالمائة بل إن طائفة من الفقهاء وعلى رأسهم المالكية ذهبوا إلى أن الركاز كله ملك للأمة, وحيثما أنتجته الأرض فقد وجب إنفاقه في مصالح الأمة جميعاً وإن كانوا قد نصوا على أن للواجد الخمس.‏
ولكن اختلافهم في زكاة الركاز هل هي الخمس أم الأربعة أخماس إنما كان قبل إحراز الركاز وإعادة تصنيعه فأي قيمة مضافة تنشأ على أصل الركاز تخرجه في الحكم من كونه ركازاً وينبغي هنا أن يعامل معاملة المال المحرز فالملكية هنا كاملة تامة لمن أحرزه واستخلصه وجمع الناس عليه.‏
يذهب أبو حنيفة إلى أن الركاز يشمل ما وجد من دفين الجاهلية, أو ما استخرج من باطن الأرض من المعدن سواء كان جزءا منها, أو تكوّن فيها بفعل مؤثرات جيولوجية متنوعة, فيوجد على هيئة عروق ممتدة, فيقطع الجزء الخاص بالمعدن منها, ويصفى من خلال أجهزة معينة مما علق به من شوائب, ولا تخرج زكاته إلا بعد تصفيته, وقد أوجب فى الجميع الخُمس.‏
وهذا كله فيما لو ظهر النفط في أرض مملوكة لأفراد ولكن إن ظهر في أرض مملوكة للأمة فإن الأدلة الشرعية متضافرة أن النفط هو ملك للأمة وحين يقوم ولي الأمر بدعم هذا القطاع من مال الأمة ابتغاء توفيره للمساكين من أبناء الأمة فقد أصبحت رعايته ذمة لله في أعناق العباد, وأصبح الاعتداء إثماً وجريمة يعاقب عليها الله سبحانه.‏
والاعتداء على المال الخاص يسمى حال الخلسة سرقة , وحال العلانية غصباً, وإذا كان من غير حرز المثل فإنه يسمى نشلاً, وكلها أنواع من السرقة التي هي واحدة من أكبر الكبائر.‏
أما الاعتداء على المال العام فهو في معيار الشرع الغلول, قا ل تعالى: »ومن يغلل يأت بما غل به يوم القيامة«, وهو من الجرائم التي حذر النبي الكريم منها علانية ولعله من بين الجرائم القليلة التي وصف النبي فيها تفاصيل العقاب الأخروي الذي ينتظر الفاعلين فقال: والذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم غلولاً إلا جاء به يوم القيامة إن كان بقرة لها خوار أو بعيراً له رغاء أو شاة تيعر‏
من المؤكد أن النفط في مكامنه اليوم هو ملك للأمة, وحين تم استخراجه من باطن الأرض نشأت عليه قيمة مضافة جعلته أيضاً محلاً للتملك وسلعة للتبادل التام, وبعد تكريره وتأهيله أصبح لا خلاف على الإطلاق في أنه ملك الأمة بمجموعها, وهنا لا يملك حتى ولي الأمر أن يتصرف يه في غير مصالح الأمة جمعاء, فبأي وجه يمكن أن يباح لأولئك الذين يسوقونه في الداخل أو الخارج أن يزعموا أنهم يتصرفون فيما لهم به حق .‏
تقوم الدولة اليوم بدعم هذه المادة النفطية لتكون في متناول المواطن وهو موقف شرعي صحيح لرفع الحرج عن العباد, ويصح شرعاً أن تقوم الدولة بدعم هذه المادة من مصارف الزكاة نظراً لأنها تصنف في حياة الناس في باب الضرورات التي يلزم الأمة بمجموعها أن توفرها للأفراد, ولكن الضرورة تقدر بقدرها والحاجة بشروطها, فمن استغل ذلك فقد ارتكب جملة من المعاصي والآثام.‏
تهريب المازوت إثم من خمسة وجوه, فهو إثم لأنه اعتداء على مال محرز وقد قال الله تعالى( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون), وهو إثم لأنه اعتداء على المال العام وقد قال الله تعالى( ومن يغلل يأت بما غل به يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون), وتهريب المازوت إثم لأنه اعتداء على مال الفقير واليتيم الذي حمته لهم الدولة وقد قال الله تعالى( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا) وتهريب المازوت ظلم لأنه إخراج لأرزاق الناس من بلادهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المحتكر ملعون والجالب مرزوق), وتهريب المازوت إثم لأنه معصية ونبذ لما اتفق عليه المسلمون وقد اتفقت الأمة على حماية ثغورها وندبت أبناءها لهذا الواجب والمهرب يمارس الاعتداء عليهم وتعريض نفسه وغيره للمهالك وهذا كله حرام.‏
مع أن هذا المقال ليس ساحة فتاوى ولكنني أعتقد أن كل من قرأ النصوص الشرعية التي تضمنها المقال وأصر على ركوب مأثمه والاتجار بالحرام فليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.‏

Related posts

الفائض الحضاري ينتج فائضاً أخلاقياً

drmohammad

الحب في زمن الحرب

drmohammad

د. محمد حبش- ابن تيمية وابن عربي… حكاية من دمشق 12/1/2007

drmohammad

Leave a Comment