مقالات

د.محمد حبش- أردوغان وأربكان وأشياء أخرى 28/7/2007

أربكان وأردوغان صورة متكاملة لتركيا الحديثة التي نجحت في تحقيق المواءمة الناجحة بين ثوابت الدين ولغة العصر، تمكن الأول من فك الشيفرة العلمانية الصارمة للثائر المتمرد اتاتورك ووضعها في قاعدة بيانات، وتمكن الثاني من تحويلها إلى مشروع وطني يختاره غالبية الشعب التركي يصل أمجاد آل عثمان بطموح الشعب التركي الواثق بالمسقبل، بحيث يتناغم مشروعه الوطني مع أصوات مؤذنيه العذبة الصادحة على المآذن التركية الجميلة بلسان عربي مبين.

كان أردوغان تلميذاً للمعلم الكبير نجم الدين أربكان الذي تمكن خلال تاريخ طويل من بناء قاعدة جماهيرية واسعة تعتمد في تركيا الخطاب الإسلامي رأساً لقيادة المشروع الإصلاحي، وبالفعل فقد تمكن أربكان من تحقيق سلسلة من الانتصارات السياسية جعلت العالم ينتظر بترقب الإسلام الجديد القادم على مراكب العلمانية.
كان كفاح أربكان عظيماً وباسلاَ وقد دخل السجن من أجل أفكاره الإصلاحية التي قاومها العسكر العلماني بضراوة وأتم عدداً من المحكوميات بمنعه من العمل السياسي لسنين طويلة، ومع ذلك فقد ظل يبشر بالأيام القادمة للإسلام في تركيا.

النقطة التي كان يحتاجها اربكان هي فقط الإيمان بحركة التاريخ، فالمؤسس رمز كبير ولكنه لا يستطيع أن يبقى دائماً في قيادة الحركة، وعليه أن يفسح الطريق بشكل عقلاني للجيل القادم، وممارسة الدور الذي يمكن أن يقدمه لخدمة أمته وطنه.
حين سمعنا لأول مرة اسم أردوغان لم يقع في الخاطر غير أنه امتداد لعطاء المعلم اربكان، ولم يسمع أحد عن خلاف بين الرجلين وظللنا نعتقد لشهور أن الرجلين على أتم وفاق وأنه لا بد من شيء من الخلاف الظاهر إذا أردنا للمشروع الإسلامي العلماني أن ينجح.

الصورة توضحت أخيراً حين تم الإعلان عن نتائج الانتخابات النهائية الأخيرة وظهر أن أربكان كان منافساً مباشرا في حلبة الانتخابات وأنه حصل فقط على 2 % فقط من الأصوات في حين أن أردوغان ابن المدرسة الأربكانية حصل على الأغلبية المريحة وهي تتجاوز عشرين ضعف ما حصله معلمه أربكان وتمكنه من الحكم بكفاءة واقتدار وتكرس دور تركيا منصة متقدمة للحوار بين الإسلام والغرب.
لم أكن أحب أن أسمع أربكان وهو يتحدث لدى إعلان النتائج الأخيرة التي منحته موقعأً متأخراً للغاية، ، فقد بدا اربكان متوتراً وتحدث هذه المرة بوضوح عن تلميذه العاق اردوغان ووصفه بقوله: لقد فارق القيم التي قامت عليها الحركة الإسلامية!!!

سيهتم الإعلام لأيام محدودة بهذا التصريح وأظن ان السيد أردوغان لن يرد بشيء، وبعد ذلك سيمضي المشهد التركي على ما هو عليه وسيدرك العالم أن تركيا الحديثة ليست في وارد العودة إلى عصر شيخ الطريقة والمريد، وأنها لم تعد تؤمن بأن خطأ الشيخ خير من صواب المريد، وأن العالم تجاوز منطق لا تعترض فتنطرد، وأن الإسلام يحترم الرجل الحر والكلمة الحرة مهما كان الخلاف ظاهراً، وأن الوطن لا يجوز أن تتم قيادته على أساس ثقافة الطريقة الصوفية.

أربكان وأردوغان على الرغم من الخلاف الظاهر بينهما هما مشروع واحد، ليس لتركيا الحديثة فقط بل للعالم الإسلامي الذي عانى طويلاً من رسم صورته بريشة حركات العنف المتطرفة، وهما الجواب الأقرب لكل من أراد أن يتحدث عن الإسلام الواقعي القادر على بناء الحياة، وتحقيق آمال الناس.

Related posts

حملة: إلا رسول الله

drmohammad

د. محمد الحبش- تكبيرات العيد.. قراءة في الرسالة الاجتماعية للعيد 19/10/2007

drmohammad

إخاء الأديان

drmohammad

Leave a Comment