مقالات

الدكتور محمد حبش- المواطنة في الإسلام 2004

قراءة على هامش مؤتمر تطبيق الشريعة في نيجيريا

بمبادرة من جامعة أحمدو بيللو في نيجيريا انعقد مطلع الشهر الماضي مؤتمر دولي في أبوجا عاصمة نيجيريا للحديث عن القيم الإسلامية في الحياة المدنية، وهي القيم التي تغيب عادة في غمار الحماس الهائج المتجه إلى مقاومة المشروع الغربي في فرض قيم العولمة الطاغية على أنماط الحياة.
كانت مشاركتي في المؤتمر باسم مركز الدراسات الإسلامية مناسبة للحديث عن المواطنة في الإسلام، وفق هدي النصوص الشرعية، حيث يتلخص أكبر الأخطاء في موقف النيجيريين من تطبيق الشريعة في الخلط بين أحكام الأرض وأحكام السماء، ومحاولة جعل الأرض مسرحاً لتطبيق الأحكام التي يفترض أن تجري في السماء في الدار الآخرة، حيث يتولى الإنسان في الأرض دور الخالق في السماء من محاسبة الناس وفق معتقداتهم وهو ما يتناقض تماماً مع الموقف الذي طبقه الرسول الكريم في حكمه المدني.
وتعتبر مسألة المواطنة على رأس اهتمامات الباحثين في الشأن الإسلامي والسياسي في العالم، وذلك لأنها تعد شأناً محورياً في البناء الاجتماعي، وترسم المعايير التي يطبق بها مبدأ العدل والمساواة بين الناس، وهي تقدم نفسها حلاً جذرياً للمشاكل الناشئة من خلال منطق الاستعلاء القومي أو الثقافي أو العرقي، وهو الاستعلاء الذي يأتي عادة على رأس أسباب الحروب الأهلية الضارية.
ومع تطور المجتمع الإنساني فقد أصبحت الأفكار التي تطالب بنقاء العرق أو الإيديولوجييا مطالب غير واقعية في أي مكان من العالم، فقد تجاوز العالم عصر الكانتونات ودخل بقوة إلى عصر المصالح المشتركة والخيرات المتبادلة، وأصبحت قيم المواطنة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات تحظى بإجماع المجتمع البشري، وترسم ملامح العلاقات المتوازنة في القرية الكونية.
ولكن ما هو رصيد منطق المواطنة في التراث الإسلامي؟ وهل تشكل القيم الديمقراطية التي تنادي بالمواطنة أساساً للعيش المشترك انحرافاً عن هدي الإسلام؟
بدأ النبي  كفاحه في بناء الحياة في قراءة مختلفة للمشهد السياسي في الأرض فقد تطلع عليه السلام إلى العالم من حوله وكانت التجارب السابقة قد رسخت مبدأ الناس على دين ملوكها، وكان وصول ملك وثني إلى السلطة في أي مكان في الأرض إيذاناً بتحول المجتمع برمته إلى الوثنية وفق دين الملك، وكانت أي مخالفة لذلك تعني الحرب الأهلية والخوض في الدماء وعادة ما كان ذلك البطش ينتهي بانتصار الملك وسحق المخالف.
ولكن الرسول الكريم  بدأ كفاحه من أفق آخر ، فقد جاء بشريعة واضحة يؤكد كل سطر من سطورها مبدأ الحرية الدينية، وحق الإنسان في التفكير والتأمل إلى الغاية:
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.
في دستور المدينة الذي كتبه النبي الكريم  نصت العبارات الأولى على تحقيق شرط المواطنة الموضوعي الذي يخول كل من يحمل الوفاء للأرض أن يعيش فيها بغض النظر عن موقفه الديني، ومع أن اليهود كانوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا ، فإن النبي الكريم لم ير أن خلافهم معه في الدين يفسد حقهم وواجبهم في المواطنة في البلد التي يعيشون فيها، بل إن هذا المعنى نص عليه بوضوح دستور المدينة المنورة الذي كتبه النبي  للتأكيد على حق اليهود في العيش في الوطن الإسلامي طالما كانوا أوفياء لحقوق المواطنة المشروعة، وهذا الدستور يعتبر أول دستور مكتوب عرفه العرب، وهو يضمن الحقوق المشروعة للمواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، ومما ورد فيه:
هذا ما عاهد عليه محمد يثرب وأهلها ومن أقام بها من الناس:
إن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ؛ وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا ظالمين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ؛ (ومثل ذلك ليهود بني الحارث وساعدة وجشم والأوس وثعلبة) ؛ إلا من ظلم وأثم، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ؛ وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ؛ وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وإن النصر للمظلوم ؛ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ؛ وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ؛ وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم.

إن قراءة هذا النص الدستوري يكشف لك إلى أي مدى قدّم الإسلام للمواطنين الحقوق المتساوية بغض النظر عن الانتماء الديني وذلك في عصر كان لا يعرف شيئاً من هذا التسامح.
ويجب التنويه أن اليهود في الواقع لم يكونوا في حالة تقارب ديني مع المسلمين كما هو شأن المسيحيين بل إن القرآن الكريم نص بوضوح : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى.
وكم وددنا لو أن اليهود وفوا بالعهد الذي كان بينهم وبين النبي الكريم إذن لقدموا للعالم أهم مشهد حقيقي من البر والود والديمقراطية ولكن للأسف فإن عددا من الأحداث التي نكث فيها اليهود بالعهد أدت إلى مواجهات متعددة ، ومع ذلك فإن عدداً من اليهود ظلوا في المدينة المنورة إلى وفاة النبي الكريم ومن أشهر الأحاديث في هذا السبيل أن النبي الكريم مات ودرعه مرهونة عند يهودي بصاع من شعير.
ويمكن أن نقرأ أيضاً في حياة النبي الكريم  موقفاً واضحاً في منح حقوق المواطنة التامة للناس من خلال الآية الكريمة: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون
ووفق هذه الآية فإن الموالاة والنصرة والتعاون مع غير المسلم ممكنة إذا هو كان من الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا وبمعنى آخر إذا لم يكن ذلك من أولئك الذين لا يحترمون المواطنة والمساواة.
ويجب البيان هنا أن هؤلاء الذين نزلت الآية الكريمة بالعدل والإحسان معهم ليسوا أهل الكتاب الذين جاء ديننا مصدقاً لما معهم، بل هم الوثنيون المشركون من قريش، الذين لا شك أبداً في كفرهم وفساد عقيدتهم، والآية نص في وجوب معاملتهم بالعدل والإحسان على الرغم من الاختلاف الواضح في الدين بين الفريقين.
وفي موقف آخر يمكن أن نقرأ موقف النبي الكريم في الوعي بمبدأ المواطنة من خلال صلح الحديبية، فقد عقد النبي عهده مع قريش على أساس سياسي لا على أساس ديني، وأقر بالموافقة على إيقاف التبشير بالإسلام في أرض مكة، بل وافق على رد من جاءه مسلماً من قريش إذا لم يكن قد حصل على موافقة عشيرته (من المشركين بالطبع)، ولكن أهم ما في العهد كان نصه على أن من شاء أن يدخل في حلف محمد وعهده دخل فيه ومن شاء أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل فيه، ودخلت خزاعة في عهد النبي الكريم، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، وهكذا فقد أصبح لخزاعة وهم وثنيون مشركون سائر الحقوق السياسية التي كان يتمتع بها أهل المدينة من المواطنة.
بل إن فتح مكة وهو أعظم فتح في تاريخ الإسلام إنما كان في الحقيقة انتصاراً لرجل وثني من قبيلة خزاعة وهو عمرو بن سالم الخزاعي الذي جاء إلى النبي  وقال في مشهد من أصحابه:
لا هم إني ناشـد محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالصعيد هجداً وقتلونا ركعاً وسجداً
فانصر هداك الله نصراً أرشدا
وكما هو معلوم في كتب السيرة فإن النبي الكريم سير جيشاً من عشرة آلاف مقاتل من أجل نصرة هذا المواطن الذي لم يكن حينذاك في الحقيقة إلا واحداً من عبدة الأوثان!!
إن هذه الشواهد من السيرة النبوية تقدم دليلاً واضحاً على الروح الديمقراطية التي أشاعها الإسلام في ثقافة المواطنة وهي ثقافة تمنح الإنسان حقه الدستوري والتشريعي في المواطنة بغض النظر عن الاختلاف في الدين.
إن الاعتقاد شأن الله سبحانه وقد نص القرآن بوضوح على ذلك في قول الله تعالى: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.
أما المواطنة فهي شأن أرضي يتعلق بعالم الشهود لا علاقة له بعالم الغيب، وقد تمكن النبي الكريم من بناء دولته وفيهم مختلفون عرقياً وثقافياً وطبقياً بل ودينياً إضافة إلى المنافقين الذين كانوا يعيشون معه وكان على بينة من نفاقهم ولكن لم يكن له أن يغمطهم من حقوقهم من شيء وإنما كان يحسن صحبتهم ويرعاهم ما داموا معه، وكانت القاعدة التي طبقها الرسول الكريم معهم: علينا بالظاهر والله يتولى السرائر.
وفي إطار القضاء فإن النبي الكريم حقق استقلال القضاء استقلالاً تاماً عندما نادى بالمساواة بين الناس في الشأن القضائي، وتمكن من التمييز بين موقعه كنبي يوحى إليه وبين موقعه كقائد زمني يحتكم الناس إليه، فقال: أيها الناس إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء ن حق أخيه فإنما هي قطعة نم النار فليأخذها أو ليدعها.
لقد تقبل تماماً أن يكون القضاء محل نقض واستئناف على الرغم من أن موقعه في النبوة يدعوه إلى الصرامة والحزم في خياره القضائي.
ووفق القرآن الكريم فإن النبي  رفعت إليه قضية مهمة ذات يوم يتهم فيها رجل من المسلمين اسمه طعمة بن أبيرق رجلاً من اليهود اسمه زيد بن السمين، وعندما هم النبي الكريم أن يصدق دعوى المسلم ضد اليهودي بدون بينات نزل قرآن كريم يتلى في بيان وجوب استقلال القضاء وتوفير فرص متكافئة للمواطنين في القضاء من تقديم الحجج والبينات، ووجوب الاستماع للخصمين وعدم التفريق بينهما مهما كان الاختلاف الديني، وأظن أن قراءة الآيات هنا كافٍ لمعرفة موقف الإسلام من حقوق المواطنة وشروطها.
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفُورًا رحيمًا {106} ولا تُجادل عن الذين يختانُون أنفُسهُم إن الله لا يُحب من كان خوانًا أثيمًا {107} يستخفُون من الناس ولا يستخفُون من الله وهُو معهُم إذ يُبيتُون ما لا يرضى من القول وكان اللهُ بما يعملُون مُحيطًا {108} هاأنتُم هـؤُلاء جادلتُم عنهُم في الحياة الدنيا فمن يُجادلُ الله عنهُم يوم القيامة أمن يكون عليهم وكيلاً؟.
وقدم عمر بن الخطاب نموذجاً فريداً في احترام حق المواطنة حين وصلته شكوى المواطن القبطي المسيحي القادم من مصر إلى المدينة ضد ابن عمرو بن العاص الذي كان حينذاك حاكماً على مصر، وعندما تحقق عمر من ظلامة القبطي أمر مباشرة بحضور الجاني وأبيه عمرو بن العاص وهو حاكم مصر، إلى المدينة وهي مسافة تبلغ نحو ألف ميل، وهناك أقام القصاص العادل ضده بحضور هيئة المحكمة، وقال بوضوح: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟
إن ما تتوجه إليه هذا المقال هو الانتصار بالأدلة للرأي القائل بأن حق الإنسان في المواطنة مكفول في الإسلام بغض النظر عن الخلفيات الدينية والتراثية للمواطن، وأن هذا المعنى يجب أن يتفق فيه الإصلاحيون والمحافظون على السواء وهم يشكلون السواد الأعظم من الناس، في مواجهة التيار الراديكالي الذي يشكل أقل من واحد بالمائة في العالم الإسلامي ولكنه للأسف يحظى بفرص إعلامية كبيرة نظراً لطبيعة الإثارة فيه ولوجود من هو راغب أن يصور الإسلام على أساس أنه الدين الذي يتجه إلى إجبار الناس على الدخول في الشريعة بقوة السيف، وهي حقيقة جزم المؤرخون والفقهاء ببطلانها وتهافتها، على الرغم أنها لا تزال تسكن في رغائب كثير من منظري الحركات الراديكالية ومناهجها في العالم الإسلامي.

Related posts

د.محمد حبش تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم 20/2/2009

drmohammad

د.محمد حبش- مكة أرض النور…. الأشواق والأذواق 29/12/2006

drmohammad

د.محمد حبش- ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بمناسبة يوم البيئة العالمي 6/6/2008

drmohammad

Leave a Comment