مقالات

د.محمد حبش- عزيزتي هيلاري…عشاء في البيت الأبيض… 2/2/2007

عزيزتي هيلاري

للمرة الثانية أتلقى دعوتك لحضور الصلاة الوطنية في أمريكا، التي يشارك فيها تقليدياً الرئيس الأمريكي منذ خمسة وخمسين عاماً بدون انقطاع، في إرادة واضحة لا تخلو من الرغبة بأن يكون للدين دور أكبر في قيادة السياسة، ومحاولة إدخال الروح والقيم إلى البيت الأبيض التي تشعرين فيما أعتقد أنه صار خاوياً تماماً من الروح.
لقد تلقيت رسالتك في العام الماضي وكنتِ فيها أحد الشيوخ الأمريكيين الموقعين على الدعوة، وتلقيتها اليوم وأنت على رأس المجموعة البرلمانية التي تختار الضيوف من سائر أرجاء الأرض وقد وقعها باسمك السناتور عمانويل كليفر وجو دافوس للمشاركة في هذا العيد الأمريكي المتميز، فمبروك لك هذه الترقية الجديدة.
بالتأكيد فإن نفسي تراودني أن أسافر هذه المرة إلى الولايات المتحدة بدعوة منك، خاصة أنك قد أعلنت رسمياً أنك بدأت السباق إلى البيت الأبيض وإذا لم يخب ظني فأنت أوفر المرشحين حظاً للوصول إلى البيت الأبيض، وأنا أشاركك الرأي أنه قد حان الوقت لتجلس سيدة في البيت الأبيض، كما أن زميلتك نانسي بيلوسي قد جلست على منصة مجلس الشيوخ الأمريكي قبل أسابيع في إرهاص آخر يبشر بسياسة أنثوية في بلاد العم سام، وهو أمر نفرح به فلعل النساء أرق قلوباً وألين أفئدة لفهم معاناتنا وعذاباتنا من الأمريكيين.
ليس لنا أن نتدخل في خيارات الشعب الأمريكي إنه بكل تأكيد أحق باختياراته، وأدرى بمصالحه، ولكن السياسة الأمريكية من وجهة نظري ليس فقط تمارس الظلم ضد العرب والمسلمين بل إنها لا تحقق المصالح العليا للشعب الأمريكي نفسه، وهي تهتم فقط بمصالح الشعب المختار الأثير إلى قلب الرب! والذي لا يزال يعاني من وهج المحرقة، ويبدو أن لا كفارة للمحرقة النازية إلا إحراق العالم كله، على حد قول بوش لقد بدأنا للتو الحرب الصليبية الجديدة، وهي الحرب التي أدرك الأمريكيون أنه يقودها على منطق شمشون الجبار علي وعلى أعدائي!!.
عزيزتي هيلاري
كم أتمنى أن أكون في حفلك هذا، فأنا معجب بتماسكك الفريد حين فضح العالم عبث زوجك الشقي واستهتاره، فقسمات وجهك كانت آنئذ أقسى عليه من محاكمة الكونغرس، ومن جانب آخر فأنا شخصياً من أشد المتحمسين للدفاع عن المشترك الإنساني، ولا أخفيك أنني أشعر بمشترك كثير مع القيم الأمريكية التي نصت عليها وثيقة الاستقلال، وكتبها توماس جيفرسون على ضريحه، ولا زلت أذكر زيارتي لضريحه على ضفة نهر واشنطن، وقلت مراراً إنني قرأت هناك أقرب الكلام سمتاً وهدياً بكلام الأنبياء!
وحين أقرأ كفاح ابراهام لينكولن الموصول بصرخة سبارتاكوس فإنني أشعر تماماً بأن الذي يتدفق من بين شفتي هذا العجوز الشاحب هو روح السيد المسيح الذي قال علناً مملكتي ليست من هذا العالم، الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون الكذبة، إن أبي جعل بيته منارة للعالم ولكنكم جعلتم بيته مغارة لصوص.
ولكن سيدتي هل تعتقدين أن اجتماعنا على المائدة البيضاوية سيجعلنا أقرب إلى تنفيذ أحلام جيفرسون ولينكولن، وهل سأتمكن هناك من أن أنقل لأصدقائك من الطبقة المخملية في أمريكا عناء الناس هنا وعذاباتهم التي سببتها سياسة بلادكم الخرقاء في الشرق الأوسط؟
إنني سعيد أن أسمع تصريحاتك الصارمة ضد سياسة بوش، وتصريحك الناري أن على بوش أن يأخذ معه الملف العراقي بالكامل قبل أن يرحل من البيت الأبيض، وهو مطلب صحيح آمل أنه يشير إلى توجه حقيقي في سياسة البيت الأبيض الأمريكية.
عزيزتي
أشعر بالحرج أن ردي عليك في العام الماضي كان سمجاً وقاسياً، وليس من اللائق أن يكتب المرء على صفحات الجرائد رفضاً علنياً وقاسياً على دعوة كهذه، وحين سألتني السفارة الأمريكية في دمشق عن معنى نشر ردي على دعوتك في الصحف كنت واضحاً أنني لن أجلس إلى مائدة تدار عليها الكؤوس لمحاربة بلادي!!.
لو كانت دعوتك الكريمة تشتمل على فقرة في البرنامج لأنقل معاناة بلادي من سياستكم الطائشة لركبت الطائرة من فوري إلى واشنطن، ولو كانت لي فرصة الصعود إلى منصة البيت الأبيض وحمل صور إنجازاتكم الكبيرة المضرجة بالموت والمعمدة بالدم في العراق وفلسطين ولبنان، وصور طائراتكم الأباتشي وهي تلقي حممها فوق رؤوس البلاد والعباد، لمضيت مع متطوعين كثير من أصحابي نقدم المشهد بعروض مختلفة، ولكن دعوتك الكريمة تقتصر كما رأيت على خطاب للرئيس وحفل عشاء فاخر، وتعلمين أنني غير مولع بخطابات الرئيس بوش الذي يطل بطلعته (الصبوحة) ووجهه الذي يقطر ذكاء وفهلوية على سائر الشاشات العربية منافساً لنجوم الفن والرياضة، ونسمعه صباح مساء يبشر بالجنة القادمة للشعب العراقي المذبوح، وتأخرت طويلاً حتى فهمت أن جنته الموعودة للشعب العراقي ليست في الأرض بل في السماء!!
أما حفل العشاء الذي يتم إعداده بإشراف السيد غاري وولترز طباخ البيت الأبيض، فأصارحك بأنني لست جائعاً، ونحن في سوريا نزرع ونأكل ونحمد الله، وأرضنا معطاءة، وأفضل أن آكل المليحي في غباغب على السحت الذي يصنعه طباخو البيت الأبيض بمهارات كاريبية ونيوزيلاندية.
ربما سيكون أسفي أن أفتقد كلمة الترحيب التي ستتحدث بها سيدة أمريكا القادمة، خاصة وأنها تتحدث قبل أن تولغ كفيها في دماء الشرق الأوسط، ولست أدري إن كنت قادرة بعد دخول البيت البيضاوي أن تحافظي على نظافة يديك من الدم الشرق أوسطي، وهو ما آمله لك بكل تأكيد وخوف.
عزيزتي
أصبح واضحاً كما قال بيكر وهاملتون: أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط كانت في ضلال مبين، ولكنني أشعر بأن سياستكم كديمقراطيين لم تكن أكثر إنصافاً لنا في شأن القهر ضد الفلسطينيين، ولا أظن للأسف أنكم قادرون على تخليص جنودكم وتخليص شعوب المنطقة من المحرقة العراقية، فقد قال حكيم الفطرة العربي: أخوت رمى حجر في بير، عشرين عاقل ما قدروا يطالعوه!!.
سيدتي
أفهم تماماً لماذا توجهون الدعوة إلى نائب إسلامي، فبعد عنائكم الطويل أدركتم أن الإسلام هنا هو ملح الأرض، وأن هذه الشعوب ليست راغبة بالمرة استبدال قيمها الإسلامية بالبخور العلماني، وغير موافقة أبداً على تحويل قبلتها من مكة إلى واشنطن، وبيع القدس بهوليود، وقد خدعكم خبراؤكم عندما قالوا لكم إن مواجهتكم مع الاستبداد العربي الإسلامي المتشدد، وحين يرحل فإن الشعوب تنتظركم بالورد، يتذكر جنودكم أن مواجهاتهم مع فدائيي صدام كانت نزهة حين واجهوا الشعب العراقي الغاضب بعيونه الزوراء يصرخ فيكم إذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما.
عزيزتي
سيخالفني أصدقاء كثير، ويقولون كان الحضور أولى من الاعتذار ولكن بأمانة أحب أن يسمع العالم والأمريكيون خاصة أن سوريا بلد شامخ، هنا تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها!! وحين تقرر أمريكا أن تحتكم إلى العقل، وتعتذر لسوريا وللعرب كما اعتذرت كندا لماهر عرار، فلن أتردد حينذاك أن آتي إلى مائدتكم، وسأكون سعيداً بدعوتكم إلى بلادي وحيت تحضرون يحضر واجبكم، ويعرف زوار هذا الشرق الساحر دائماً بشاشة العربي لضيوفه وتهلله لهم، ومعنى الخبز والملح والنجدة، والقهوة شهوة والحيل بالرغفان، نحن أبناء حاتم الطائي الذي قال: إن الحر لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب.
عزيزتي هيلاري:
أتمنى لحفلكم هذا النجاح، وآمل أن تأكلوا طعاماً طيباً، أما أنا فسأتابع لقاءكم على شاشة التلفزيون لئلا أقدم رسالة خاطئة، وأتمنى عندما تصلين إلى البيت الأبيض تحملين آمال الأمريكيين أن تعيدي قراءة هذه الرسالة مرة أخرى، وأن تمتلكي الشجاعة إياها لتقولي للعالم: لقد كانت إسرائيل تقودنا في الشرق الأوسط إلى ضلال مبين.

Related posts

د.محمد حبش- من أجل شام شريف 27/1/2006

drmohammad

د.محمد حبش- العيد على معبر رفح!! 12/12/2008

drmohammad

د. محمد الحبش- يوم ودعت دمشق آخر الكبار .. صادق حبنكة … رجل الإشراق والأذواق 9/11/2007

drmohammad

Leave a Comment