مقالات

الدكتور محمد حبش- أدب الاختلاف عند الدعاة إلى الله 7/7/2006

تعودت أن ألتقي بالقراء الكرام في صبيحة كل يوم جمعة على صفحات الثورة الغراء، ولكنني اليوم راغب ان أشرك أخي القارئ بالفائدة التي جنيتها خلال زيارة الأخ وزير الأوقاف الدكتور زياد الدين الأيوبي إلى جامع الزهراء حيث ألقى كلمة ضافية جامعة أعتقد أن كثيراً من تفاصيلها يقع في أهم ما يبحث عنه رجال الإصلاح والتنوير، وتكشف عن واحدة من أهم قواعد الاجتهاد وآداب المعرفة في الإسلام وبشكل خاص القاعدة الذهبية: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
ولم أشأ أن أنشر نص الكلمة الطيبة إلا بعد أن استأذنته ولم يبخل كعادته بما فيه فائدة وخير، وأحببت أن يطلع القراء الكرام على خطاب سوريا الديني، الذي يؤصل في الحقيقة لثقافة التسامح والاجتهاد، ويقدم رؤية حضارية للإسلام العظيم.
وقد حذفت من الكلمة بعض مارأيت أنه يتصف بالخصوصية أو الثناء ، وفيما يلي نص الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد صادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى من القول والعمل، أخذني أخي الدكتور الشيخ محمد الحبش في هذه الخطبة الجميلة اليوم وفي الصلاة خلفه أخذني إلى ساحتين اثنتين، في الخطبة كنت أستمع إليه كأني أستمع إلى أخي زهير الذي كان من أوائل الخطباء الشباب الذين وقفوا على المنابر وها أنا أقف اليوم لأستمع إلى هذا الصوت الذي فاق غيره والذي امتاز على غيره عطاءً وثقافةً وحباً وإيماناً، أخذني خلفه حيث عشت بصدق وأنا لا أنكر ولا أخبئ رأسي عشت في جامع أبي النور يوم كنا نصلي خلف سماحة المفتي العام للجمهورية الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله في صلاة الجمعة أو صلاة التراويح ثم نصلي خلف ذلك الصوت الشجي الجميل الذي فيه بحة والذي فيه من الشجى والذي فيه من الأنين ما يوصل القلب إلى الله تبارك وتعالى، فالله أسأل لك يا دكتور محمد التوفيق والسداد وأسأل أن يوفقنا لكل خير ولكل بركة.
الأمر الثاني: تحدثت يا أخي الكريم عن أمر هام يتعلق بتربية الأبناء والأطفال ثم تطرقت في آخر الخطبة إلى كتابٍِ يُوزع ويُطبع في منطقة الخليج أو بعض الدول العربية يتحدث عن الحب في الله والبغض في الله وليت أولئك الذين يكتبون يعرفون الحب فعلاً ويعرفون معنى الحب، ليتهم يعرفون أنهم بالحب انتصر المسلمون وأن بالحب فُتحت القلوب قبل البلدان وأن بالحب ساد أولئك الرجال الدعاة على كل من خالفهم، أنا لا أخفيكم يا أخوتي أني على خلاف في بعض الأفكار مع الشيخ محمد ولكن كما قدم وقال هذا الخلاف على بعض الأفكار لا يعني أن أكون عدواً له أو أن يكون عدواً لي أو أكون خصماً له أو يكون خصماً لي ولكن إذا كانت الحقيقة هي هدفنا وإذا كان الحق هو رائدنا فلا بد في نهاية المطاف أن نصل إلى موقعٍ نلتقي من خلاله أما إذا اختلفنا في فرعيات الفرعيات، وإذا ما اختلفنا في بعض مناهج الأسلوب فهذا لا يعني أبداً كما يتصور البعض أننا في خندق وأن الشيخ محمد في خندق آخر، بل نحن في خندق واحد معاً ندافع عن الوطن وعن المواطن وندافع عن هذه الأمة وعن دينها وعن عقيدتها بكل ما أوتينا من قوةٍ وبكل ما أوتينا من ثقافة وبكل ما أوتينا من رجولة.
هذه مشكلة البراء والولاء، أنا أسأل الآن عندما يأتينا طلاب إلى معهد الزهراء لتحفيظ القرآن الكريم هل فكّر الأساتذة والطلاب أين يذهبون بعد تلقيهم الدرس؟ هل هناك من محاولة لاحتواء هذا الطالب لا أسره واعتقاله، مشاكلنا في بعض المساجد أننا ندعو إلى أنفسنا ولا ندعو إلى الله وأننا نعلق الناس بأنفسنا قبل أن يتعلقوا بالله، ولا أدري من أين جاءت هذه الفكرة، ومن أين تسربت إلى مساجدنا لذلك تحولنا إلى جماعة فلان وجماعة فلان، فإذا كنا كلنا نؤمن برب واحد، وكلنا نؤمن بكتاب واحد، وكلنا نؤمن بنبيٍ واحد، وكلنا نتوجه إلى قبلةٍ واحدة، وكلنا نشهد شهادة واحدة فكيف أنا من جماعة فلان وأنا من جماعة فلان، هذا أمر فيه تقسيم وتقزيم للأمة.
أنا أطلب من الأخوة الأساتذة والمشرفين في هذا المعهد الكريم الزهراء والذي له باع طويل في تخريج حفظة كتاب الله، وكان الشيخ محمد فيما سبق مدير معاهد تحفيظ القرآن الكريم في وزارة الأوقاف وله يد كريمةٌ طيبة في تفعيل هذه المعاهد وفي تطويرها وفي انتشارها، أنا أريد أن نعرف أين يذهب هؤلاء الأبناء، وبمن يلتقون، وأن يكون الأستاذ هنا واعياً لكل وافد، نحن مشكلتنا هذه الطيبة الزائدة في مجتمعنا أوصلت شبابنا إلى الهلكة وأوصلت شبابنا إلى ما لا يحمد عقباه، هؤلاء الذين وقفوا قبل أسبوعين في مبنى قرب مبنى الإذاعة والتلفزيون وأرادوا أن يقوموا بعملٍ إجرامي هؤلاء أبناؤنا شئنا أم أبينا، هؤلاء لم يهبطوا على سوريا بالبارشوت، هؤلاء لم ينزلوا علينا من مكان من خارج هذا الكوكب الأرضي، بالعكس كانوا يجلسون في المساجد وكانوا يتلقون العلم في المساجد، وكانوا يحضرون دروس العلماء الطيبين في المساجد، لكن هؤلاء على ما يبدو لم يتم تحرير فكرهم وإنما كان هناك اعتقال لعقلهم وكان هناك اعتقال لشخصياتهم، عندما أرادوا أن يسألوا سؤالاً واحداً صُدّوا، وعندما أرادوا أن يسألوا سؤالاً واحداً رُفضوا، وتكرر السؤال وتكرر الصد إلى أن هجر هؤلاء ذلك المسجد وتوجهوا عبر قنوات، تحدث خطيبنا قبل قليل وقال هناك قنوات انترنيت، يعني لا داعي اليوم أن تكون عندك وسائل كثيرة جداً، بإمكانك أن تصادق من تشاء وأن تتحدث مع من تشاء وأن ترى فكر من تشاء ليس بحضوره وإنما أصبحت الأجهزة حاضرة، السلاح أمريكي، والفكر إرهابي تدميري، يريد أن يحول دمشق إلى بغداد اليوم، يريد أن نقتل بعضنا بعضاً، وأن ندمّر بعضنا بعضاً، وان نكفر بعضنا بعضاً، أنا لا أشك أن هناك ضغوط خارجية، العلماء والدعاة والقادة هم القادرون عن تفريغ هذه الشحن وبطريقة سليمة، قطعاً هناك آلام في العراق ،يتأثر بها شبابنا، هناك في فلسطين مجاعة وقتل للديمقراطية وللشرعية ولكل وجوه العمل السياسي في فلسطين، هناك قذف بالطيران للأطفال، هناك رأيتم الفتاة التي فقدت كل أهلها على الساحل الفلسطيني وتنادي أين أبي، هذا الشاب يتحرر في هذه اللحظات تتحرك مجاميع التكفير لتقول انظروا إلى ما يفعل اليهود بكم، إن مشايخكم لا يحضرونكم ليوم الفصل ولا ليوم المنازلة ولا ليوم القتال، خذوا السلاح انزلوا ابدؤوا بتدمير بلدكم أولاً وأشعلوا الفتنة في بلادكم أولاً ثم لكل حادثٍ حديث، والله لو أنهم وُجهوا لتحرير الجولان لقلنا والله يا أخي عمل جميل، عمل مبارك، أما أن يُوجهوا لفتنة في الداخل واقتتال في الداخل فهذا ما لا يقبله إنسان ولا يقبله شريف ولا يقبله عاقل.
لا يحمي البلد إلا الدين باختصار شديد، ولكن الدين الصحيح، ولا يحمي الوطن إلا الدين، ولكن الدين الذي خرج من كتاب الله ومن سنة رسول الله، ولا يجمع الشباب ويجمع قلوبهم على حب الوطن إلا الدين، ولكن الدين ليس في مفهومه التكفيري وليس في مفهومه التقزيمي وليس في مفهومه المذهبي.
زرت بإيران قبل أسبوعين وجلست فيها أسبوعاً كاملاً، انتقلت من مكان إلى مكان، وجلست مع الآيات الكبار هناك – يعني الشخصيات الدينية الكبيرة – وجلست مع الوزراء قلت يا إخواننا إن أردتم أن تنفتحوا على العالم العربي والإسلامي فلا تكونوا صورة عن الدول الأخرى التي جعلت الإسلام سلفياً، ادعوا إلى الله وادعوا إلى الإسلام بشكلٍ واضح، قضية المذاهب قضية شخصية، هذا يتعبد الله على مذهب أبي حنيفة وهذا على مذهب الإمام الشافعي وهذا على المذهب الجعفري، لا إشكال في ذلك، فهلا ثقفنا شبابنا في هذه المسألة حتى نهزم أشكال التطرف في عالمنا العربي والإسلامي، هذه مسؤوليتنا ومسؤولية الجميع، نحن علينا أن نقرب لا أن نبعد، علينا أن نوحد لا أن نفرق، نحن جميعاً أمة واحدة، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا.
ثم طلبوا مني أن يهتموا بمقابر آل البيت في الباب الصغير بدمشق، هذا شرف لنا، قلت لهم أهلاً وسهلاً ومرحباً، ولكن لي سؤال عندكم من الذي أوصل الإسلام إلى إيران آل البيت أم الصحابة، قالوا الصحابة، قلت بجوار آل البيت الصحابة، كيف لا نهتم بقبور الصحابة ونهتم بقبور آل البيت، فتم توقيع بروتوكول نظامي لترميم قبور آل البيت عليهم السلام – هكذا النص – وقبور الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
إذاً علينا اليوم أن نكون صفاً واحداً وأن نكون في صفٍ ممانع وأن نجمع قلوبنا وأن نتخلى عن بعض ما نختلف عليه لأن خلافاتنا تكون على قضايا جانبية وليست جوهرية وأن نوحد أسلوبنا وسلوكنا لنحمي جيلنا ونحمي أطفالنا.أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Related posts

د.محمد حبش- دماء في سامراء 3/3/2006

drmohammad

أبطال السلام في الإسلام

drmohammad

أحرار .. لا زنادقة

drmohammad

Leave a Comment