مقالات

د.محمد حبش- مناسك ومنافع……. نحو تجديد فقه الحج 12/1/2007

لا بد أولاً من الإشادة بفتوى الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية الذي أفتى بجواز جمع الرمي كله في يوم واحد، ومع أن هذا الأمر معروف في مذهب الشافعية من قبل، ولكن صدور ذلك عن المرجعية السعودية التي تلتزم خياراً صارماً على مذهب الظاهرية يعتبر أمراً جديداً وخطوة نحو التجديد، ربما تكون مقدمة لتطوير الوعي الفقهي لدى فقهاء السعودية الذين طالما اعتبروا تعدد مذاهب الفقهاء خطأ منفلتاً مصادماً للكتاب والسنة.
ومع أن هذه الفتوى صدرت متأخرة جداً بعد أن صرنا ضحكة للأمم، وبعد أن تعودنا في كل عام على سقوط مئات القتلى في تدافع الرجم نتيجة إصرار الإخوة السعوديين على وجوب الرمي عند الزوال، ولكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي، ومع أن الفتوى متأخرة ، ولكنها تغريني على كل حال للعودة إلى الكتابة في أمر أشرت إليه من قبل وهو رسالة التجديد في الحج، وتطوير أدائه بما يتوافق مع مقاصده الشريفة.
أما المناسك فإني لا أفكر من قريب ولا من بعيد أن أقتحم ساحتها، وأنا أعتقد أن مناسك الحج تعيش في عصرها الذهبي، وهي لا تحتاج لأدنى تطوير، فالحرم اليوم يتلألأ كأنه قطعة قمر، وأجواء الجلال والجمال فيه تأخذ بالألباب ويخطف الأبصار وتشرق بها القلوب، ولا أعتقد أن بإمكاننا أن نضيف شيئاً إلى روح العبادة الأعلى الذي يتجلى في الحرم الشريف، ولا يوجد حتى في الخيال مشهد أجمل من مشهد الحرم الشريف بتوسعاته المختلفة كما أنجزته اليد السعودية الخبيرة الماهرة، ومن جانب آخر فإن إصرار الإخوة السعوديين على عدم التزيد في أمر المناسك واعتبار كل زيادة بدعة منكرة هو أمر إيجابي، وقد أدى دوراً طيباً في منع تفرق المسلمين في أمر النسك، وعلى الرغم من انتشار تقاليد متعددة في العالم الإسلامي كالأوراد التي تكون يعد الصلاة والتزيد في الأذان والابتهالات والمناجاة الجماعية وغير ذلك، فقد ظل الحرم الشريف بعيداً عن ذلك كله يقتصر على الصحيح مما ورد في السنن الشريفة.
ومع أن تنظيم المشاعر في المدن المقدسة هو شأن السعوديين ولكن أعتقد أن كل مسلم مأمور أن يقدم رؤيته ولعل ذلك يقع في مسمع القبول لأصحاب القرار في شأن الحج.
منى، هي الأرض التي اختار الله أن تكون منزل الحجيج الأعظم خلال الأيام الأربعة من العيد حيث يجتمع فيها نحو أربعة ملايين حاج لمدة أربعة أيام، وهي أيام سياحة بامتياز، قال النبي الأكرم  أيام منى أيام أكل وشرب وبعال وذكر لله تعالى،حيث يحرم في هذه الأيام الصيام ويتعين فيها بسط الموائد السخية واجتماع الفقراء والأغنياء على موائد الخير، ولياليها ليالي حب ووصال وتبادل الخبرات بين شعوب الأمة الإسلامية في الموسم الكريم، وهو ما عبر عنه شاعر الشوق كثير عزة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهاري رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا باطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح
وهكذا فقد ظلت ذكريات منى تنطبع في خيال الحاج عبر التاريخ بأجمل ذكريات الأنس والدفء والحنين، حيث لا يوجد في منى أي من المناسك القاسية، فالرمي الذي يؤديه الحاج كان خلال التاريخ مسألة دقائق، ولا يشترط له وضوء لا طقس ولا طهارة، ولا يوجد في منى مسجد حرام منصوص على مزيد فضل فيه الأمر الذي يجعل وقت الحجاج يمضي في الخيام دون أن تكون هناك وظيفة شعائرية محددة، الأمر الذي جعل منى أعذب أيام الأنس والسمر والفرح، وأكثر مواسم عقد الصداقات والتحالفات والمبادلات التجارية وهو ما كان يجري في الجاهلية تحت أسماء أسواق المجنة وعكاظ وذي المجاز، وكان ذلك حرياً أن يتطور على الأيام فتصبح مكة أهم منتجع سياحي على وجه الأرض.
ولكن مع ازدحام الحجيج تحولت الإقامة في منى إلى قطعة عذاب، فالتزاحم الرهيب والانتشار الأفقي وغياب رسالة مقاصدية واضحة، كل ذلك جعل عناء منى مجرد عذاب يدخره الحاج ثواباً وطاعة، ويحتال عليه في أشكال من الإقامة تحقق شرط الفقيه ولكنها لا تحقق أياً من أهداف النسك الأعظم.
كان المفترض أن يمضي الوعي برسالة منى إلى بناء أكبر منتجع سياحي في العالم على تراب منى بحيث تقوم فيها متاحف وقاعات محاضرات وصالات عرض وقاعات مؤتمرات تعمل على مدى الأيام المباركة.
متاحف الإسلام الكبرى يمكن أن تكون هنا في حواشي منى، فالبلد الذي يجبى إليه من ثمرات كل شيء من حقه أن يجبى إليه من وثائق كل شيء وأن يتاح للناس الاطلاع على أوابد الإسلام الكبرى.
كم هو ضروري أن تقوم في أطراف منى بانوراما خاصة للمسألة العراقية ينظم فيها برامج مستمرة لقادة الشعب العراقي من علماء وحكماء، يشرحون قضاياهم للناس، وينعقد في كل يوم لقاءات بين علماء من السنة والشيعة لتوجيه رسائل مستمرة لوقف الفتنة وجمع الكلمة، وبالتالي لجمع أموال لمساعدة الشعب العراقي وتأمين من أرغمهم القهر على الفرار بأنفسهم وأموالهم من البطش الطائفي.
من الممكن أن يكون في الحج عدد من البانورامات المختلفة التي تشرح أهم أيام الإسلام كيوم أحد وبدر والخندق وحنين بحيث تكون زيارة تلك المواقع متصلة بالبيان التاريخي لتلك الآثار الإسلامية الكبرى.
كم هو رائع أن يقام في حواشي منى بانوراما فلسطين بحيث يتم إنشاء مجسم مصغر لفلسطين بجداولها ومدنها وقراها ومزارعها وأنهارها وبياراتها وشماغاتها وغتراتها، تذكرك بدير ياسين وبئر السبع وأم الفحم يكون فيها قاعات للمحاضرات يشارك فيها أعلام كبار من الحجاج الذين عاشوا الهم والقضية في الكفاح والعطاء يلتقيهم الناس ويسمعون منهم ويؤسسون لعلاقات تتصل على الأيام، ويكون ثمة عروض مستمرة تشرح للحاج واقع أمته وتاريخها حتى لا ننسى .
في جانب آخر من مكة يمكن أن نؤسس لما يشبه ديزني لاند العالم الإسلامي ، بحيث يتجول المرء في ساعات معدودة بين أبرز عواصم العالم الإسلامي التاريخية بحيث تكون الأجنحة على هيئة أجنحة مفتوحة تقدم فيها الأمم والشعوب تراثها ومعالمها على هيئة قطع تراثية منتخبة ، فيتاح للحاج أن يزور عدة عواصم ويتعرف إلى عدة ثقافات ويقتني أيضاً عدداًُ من المنتجات المختلفة في ساعات قليلة .
ولكن هل من المنطقي أن تقوم مرافق سياحية بهذه الأهمية على أرض لا يسكنها الناس إلا أربعة أيام كل سنة؟؟ وهم مشغولون بالنسك فيما تعود سائر العام قفراً يباباً؟
والواقع أن الأمر ليس كذلك فالعمرة لا تنقطع طيلة العام، ونسك العمرة يتم في ساعتين أو ثلاثة، ولكن فوائد الاعتمار لا تنقضي في ساعات بل يمكن أن تكون منى قصداً لكل زائر إلى الحرم، يزور فعالياتها، ويشهد ندواتها، ويتعرف إلى ضيوف الحرم من علماء وحكماء ومجاهدين وقادة سياسيين، وهو أمر لا يتوقف على مدار العام، وحين تقوم في منى مرافق حقيقية فلا أعتقد أن أحداً من المهتمين سيرهقه عبور سبعة كيلومترات للوصول إلى منى والمشاركة فيما يكون فيها من مرافق ومنافع.

إن الحج مناسك ومنافع ، وحيث تم أداء المناسك على الوجه الأتم فهل تم تحقيق الأمر ذاته على مستوى المنافع ؟
وفي القرآن الكريم : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وفيه أيضاً: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ، وهي نصوص واضحة في التوكيد على مقاصد الحج ومنافعه التي هي أكبر من مجرد أداء المناسك ، وواضحة الدلالة على أن الحج أكثر من طواف وسعي وحلق وجمار .
وفي حياة الرسول الكريم فإن أيام منى كانت حافلة بالعطاء، وخلال أيام منى أنجز النبي  بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، وكان الموسم دائماً أكثر فرصة له  لشرح مقاصد رسالة الإسٍلام.
إن الدعوة إلى إقحام هذه الأنشطة في الحج لا يشكل بحال من الأحوال تغييراً في المناسك المقدسة ولكنه إصلاح للمنافع المرافقة لسلوك الحج.
أعلم مسبقاً أن مثل هذه الأفكار ستهاجم بوصفها تسييساً للحج وهو ما تم في الماضي رفضه بغاية العنف ، ولكن هذا الاقتراح مبرأ من ذلك من وجهين اثنين:
الأول : إنني لا أطالب بإقحامه في المناسك بحال من الأحوال، وقد قدمت أن المناسك تعيش اليوم عصرها الذهبي وليس من المبرر إقحام أي شيء فيها ، وإنما هي أنشطة تدور في جوانب مكة والمدينة وليس في الحرمين الشريفين، وهنا أشير إلى أن الاجتهاد الفقهي قد لامس اليوم مسألة المناسك، وتم تحويل رمي الجمرات من طابق واحد إلى طوابق خمسة!! فإذا صح الاجتهاد والتجديد في المناسك فبأي وجه نمنعه في المنافع؟؟؟
الثاني : إن منافع الحج يجب أن تجتنب المسائل الخلافية، وهي تدور في مسائل الاتفاق، وهنا لن يكون لهذه النشاكات اتجاه سياسي ضيق بل ستعمل في حقل الوفاق الإٍلامي العام.
أليس من المدهش أن العرب على وثنيتها كانت تدرك أن الحج أكثر من مجرد لقاء عبادي، وكانت تقيم على هامش مناسك الحج (الوثني) أسواق عكاظ والمجنة وذي المجاز وهي أسواق أدبية واقتصادية وسياسية تعقد فيها الأحلاف وتحسم قضايا القبائل وتحمل الديات ويعرض فيها الأدب والفن، في حين أننا نفشل اليوم في تحويل طاقة الحج (التوحيدي) الجبارة إلى منافع حقيقية في الوحدة والإخاء؟ .

Related posts

مواطنون لا رعايا

drmohammad

هل يتقدم الخطاب الإسلامي؟

drmohammad

د.محمد حبش- زواج المسيار وأشياء أخرى 9/6/2006

drmohammad

Leave a Comment