Uncategorized

إيران… ثورة الشادور

لم تقم في الشرق الأوسط خلال القرن الماضي ثورة أكثر وضوحاً وصدقاً من الثورة الإيرانية في وجه الشاه، لقد كانت واضحة تماماً وكانت ثورة بكل ما تعنيه الكلمة، وحين اشتعلت شوارع إيران بالغضب الهادر لم يكن مع الثوار سلاح ولا رصاص، وخلال أشهر صاخبة تمكن الكاسيست أن يحشد الغضب الشعبي في إيران كلها من نيسابور إلى بندر عباس ومن قزوين إلى بلوشستان، وباتت البلاد كلها ثورة واحدة في وجه الطغيان الشاه، وأجبر الرصاص والجيش والقوات المسلحة على الخضوع لصوت الإنسان.

وتحققت المعجزة بالفعل ووجد الشاه نفسه مرغماً على الرحيل ليطوف في الأرض يبحث عن مأوى وقبر، وكعادة الأمريكيين فقد أغدقوا عليه الألقاب ولكنهم طلبوا منه بوقار مغادرة أرضهم لئلا يكون سبباً للمشاكل، ولم تكن له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً، وانتهى به المطاف في مصر.

واستفاق جيل كامل من الإيرانيين على واقع جديد، وبدا للإيراني انه قد صار في مكان آخر، وقد اختارته الأقدار ليكون هو الشعب السعيد الذي تتولاه عناية الله دون سائر الخلق، واقتنع الإيراني بخطاب السلطة والمرشد والمسجد بأن العالم تحكمه نظم مختلفة ديمقراطية وشمولية وملكية وتوتاليارية ولكن إيران وحدها يحكمها الله!!، هكذا بدا للإيراني الثائر، فهناك مركز هنا للوحي موصول بالإمام الحجة الغائب عجل الله فرجه الموصول بالأطهار من أئمة أهل البيت وهناك ولي فقيه يتلقى التعليمات المباشرة من الإمام الغائب الحجة وقد تحقق النصر الأول وباتت الأرض مستعدة لقدوم المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

للأسف فإن النظام الإيراني لم يتراجع خطوة عن هذا التصور الغيبي، وبدلاً من أن يعتبره غلواً من بعض الكهنة تبناه بالكامل، وصنع له يدين ورجلين، وباتت القناعة الرسمية للدولة والمؤسسات والمجتمع أن الحكم يتم بثيوقراطية إلهية، وأن المرشد محض مبلغ عن المعصوم، ولا مكان في قراره للخطأ بأي حال، وعلى الرغم من المؤسسات الديمقراطية التي أطلقها من برلمان ونقابات وأحزاب، ولكن قرار المرشد ظل فوق ذلك كله، بوصفه مبلغاً عن المعصوم.

لم تستطع السنوات الأربعين التي تلت قيام الثورة أن تحقق تغيراً ذا معنى في حياة الإيرانيين واصطدم الطموح العاطفي الهائج بصخرة الواقع فاستفاق أولاً على حرب مدمرة مع العراق سقط فيها مليون ضحية وتم تدمير اقتصاد البلاد بالكامل، واختارت إيران سياسة عدائية ضد الغرب، واعتبرت المتصالحين مع الحضارة الغربية أذناباً وأعوانا، وهكذا وجدت نفسها في عداوة مقيتة مع كل جيرانها، ولم يعد لها وجود ولا مشروعية إلا بالسيف، وتحول الإيراني في العالم إلى شخص مريب يرتبط ب أو بوجه خر بمشاريع خطيرة ومرعبة، واختار طموحاً أكثر غموضاً وريبة، فأعلن عن الإعداد للنووي وهو يهدد في الوقت نفسه دولاً كبرى وصغرى، وسيكون من الانتحار لهذه الدول أن تسمح له بالسلاح النووي وهو يهدد وجودها سراً وجهراً، وبسكل تلقائي وجد نفسه محاصراً محجوز الأرصدة في كل مكان، وباتت التنمية المحتاجة إلى المال الإيراني غير قادرة على الوصول إليه بسبب إعلان رسولي معصوم بأن أمريكا هي الشيطان الأكبر، وكذلك كل من يدور في فلكها، الأمر الذي جعلهم أعداء حتميين لنصف سكان الكوكب.

لا تشبه يقظة اليوم أي يقظة من قبل، فالسؤال الآن يوجهه الإيراني الثائر إلى تجربة الأربعين عاماً، التي اكتست قماط الغيب والعصمة والإمام الحجة، ولكنها لم تفلح في تحقيق شيء، ولا زال الإيراني في لعبة الأمم مجرد بيدق تائه مفعول به منصوب وقع عليه فعل الفاعل.

الشادور هو شعار الثورة الهائجة اليوم ولكنه ليس إلا محض عنوان لشعب ينتفض على منطق سقيم تقوده إليه قيادة قروسطية لا تعرف شيئا عن تغيرات الواقع، لقد استفاق الإيراني وهو يرى ثروة بلاده تتمزق في ألف سبيل، ينفق الناس في العالم على جيش بلادهم ولكن الإيراني مطالب أن ينفق على خمسة جيوش: جيش في العراق وآخر في سوريا وثالث في لبنان ورابع في اليمن وخامس في إيران، ومع أن فلسطين هي عنوان الكفاح كله ولكن هذه الجيوش لم تفلح ان تقترب من التراب الفلسطيني على الرغم من فيالق القدس وعواصف القدس وملاحم القدس  وشهداء القدس الذين ماتوا جميعاً في مكان آخر ولم يشاهدوا القدس إلا على الخرائط ولم تفلح القدس ان تشاهدهم في أي مكان.

الشادور عنوان لثورة غاضبة تقودها النساء، وبات إحراق الشادور أكثر الصور تعبيراً عن رفض نظام الحكومة الإلهية، على الرغم من أن الشادور تقليد اجتماعي راسخ ومستقر، لا تتخلى عنه حتى زعامة منطمة مجاهدي خلق المعارضة والمحاربة منذ خمسين عاماً، ولكنه هذه المرة أوضح رسالة يمكن أن توجهها النساء للاستبداد في إيران فهو يجرح عن عمد عنوان السلطة الكهنوتية الصارم، ويبدو أن لا شيء سيقنع الصبايا الغاضبات بوقف هذا الاندفاع الغاضب، وباتت الحرب على الشادور لوناً من الحرب على أصنام الثورة الكاذبة.

يحاول كثير من المراقبين أن يصوروا الثورة اليوم كفراً بالقيم الإسلامية، ويفرك العلمانيون أيديهم بشماتة وهم يرون محارق شادور النساء وعمائم الرجال، وترسم مخيلاتهم محارق القرآن والسنة، فيما يراها آخرون مؤامرة ماسونية للقضاء على الإسلام، وتشويه رموزه، ولكننني لا أرى فيها شيئا من ذلك إنها في العمق ثورة المرأة الحرة على الإكليروس وشروط الكهنوت البائسة التي تريد أن تحبس النساء في العصور الوسطى، وتمنع عنهم الحرية والأمل والحياة.

إن الفقه الإسلامي قادر أن يقدم بديلاً للمرأة المسلمة يتجاوز الشادور ويرفض الخضوع للعمامة، ويحافظ على قيم العفاف والحياء، ويؤسس لمجتمع جديد لا دور فيه للغاشم الاكليروسي الذي يفرض قناعاته وتصوراته عن الدين على الرجال والنساء.

النساء اليوم هن صوت الثورة وهن الصوت الأكثر وضوحاً وإقناعاً خلال أربعين عاماً من عمر النظام الإيراني، ولعل الله يزع بحناجر النساء ما لا يزع بخناجر الرجال، وهي صيحة ملهمة، وفي اليمن التي تعاني أيضاً من الطموح الإيراني الدموي فإن المرأة كانت الأكثر حضوراً في التاريخ ، ولم يسجل لليمن استقرار إلا في عهد الملكات الثلاثة من النساء بلقيس وأروى الصليحية وأسماء بنت شهاب، وهو الأمل الذي تطلقه اليوم مهسا أميني وما ارتبط بعنائها من عذابات النساء وثورتهن.

النساء أكثر إلهاماً وطموحاً، وتورة النساء أعمق غوراً وأبعد أثراً، وأرجى ألَّا يدخل الرصاص في صيحات الثورة، وهو الآلة السوداء المظلمة التي تحنق ثورات الحرية وتمنح المستبد ملعباً للبطش والظلم يمارس فيه نهمته وشهوته في الظلم والقهر.

Related posts

د.محمد حبش- الظاهرية والفقهاء…مقاربة تاريخية بين الأصولية والعلمانية

drmohammad

د.محمد حبش – خاص من جنيف

drmohammad

المواطنة في الإسلام/مقالة رائعة نشرت 6/8/2004

drmohammad