Uncategorized

رثاء الشيخ أحمد كفتارو/نشرت21/6/2010

                         رثاء الشيخ كفتارو                      

آخر الوصية

 

كان صوتها حزيناً شاحباً وهو يحمل لي على الهاتف في البرازيل، نبأ رحيل جدها الشيخ أحمد كفتارو… هكذا قالت لي زوجتي أسماء والحزن يعتصر فؤادها، وأتبعت بكلمة حشرجت منها المدامع: .. أغمض عينيه.. ودعنا بالرضا والدعاء ورحل.. انتهى كل شيء  !!

كم وددت أيتها الغالية أن يحملني إليك سجاف من الغيب من الأرض البعيدة التي كنت فيها على حدود الباراغواي في فوز إي ديكواساو حيث تقيم جالية سورية كريمة نموذجية، كنت قد مضيت إليها في إطار المؤتمر السنوي الذي تعقده الجالية في البرازيل كل عام، وكنت قد وقفت إلى جانب جدك الشيخ في مشفى دار الشفاء قبل السفر أخبرته بعزمي على السفر، وغنمت دعاءه واستغفاره ولم يكن في الخاطر أبداً أن يكون ذلك آخر عهدي به من الدنيا!!

كيف رحلت أيها الشيخ الجليل…ولما تنته الحكاية بعد.. لقد كان هناك كلام كثير أحبت أن أسمعه منك، وكان من الواجب أن يسمعه منك محبوك وإخوانك.

لم أجد شيئاً أفعله وأنا محتبس في أقصى الأرض عن المشاركة في تشييع الرجل الذي رسم لي ملامح فكري ورسالتي، لم تكن بالطبع مطابقة لرؤيته، فالزمان والمكان والإمكان كلها شروط موضوعية لإدراك الحقيقة ورحم الله القائل:

رب قوم في طواف       حول ذي حسن يدق

يتجلى في اختلاف          وهو في الواقع حق

إنه أول خطاب من المؤسسة الدينية في الوطن يتحدث عن حوار الأديان وإخاء الناس، وينشط لأجله في كل مكان في العالم، يدفعه لذلك قول النبي الكريم الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها، وتمكن برسالته هذه من أن يدخل سائر معابد الأرض، وتحدث في كنائس وصوامع وهياكل، ودخل معبد السيخ وهيكل الأوموتو ورسالته واحدة يؤذن بها في كل أفق، الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

لقد لقي من أجل رسالته هذه عناء كبيراً ولكنه كان ينهج ما ينهجه عن بصيرة ويقين، ودافع عن خياره بكل بسالة وشجاعة، وحين عصفت به أمواج التعصب كان رباناً ماهراً أدار السفينة بكل اقتدار، وتمكن من الإفلات من كثير من المآزق التي وجدنا أنفسنا نقع بها، دون أن نتمكن من الخلاص الذي كان يحمله.

 

قالت لي: أشعر بأن كلاماً كثيراً كان في ضميره، ولم تساعده على النطق به شفتاه، لم نشبع منه، كنت أتمنى المزيد من حديثه وكلامه، والمزيد من أشواقه وآماله..

قلت لها أيتها العزيزة، ومتى كتب الخلد لأحد حتى يكتب لجدك؟ ومتى كان الكلام يقتصر على مصنع الشفتين، إن الكلام لفي الفؤاد وإنما   جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

ما الذي كانت ترصده عيناه من آفاق لم تبلغها جوارحه، كان محبوه يعلمون جيداً أن آماله التي كان يرسمها لمجد الإسلام كانت في الحقيقة شيئاً يفيض به يقينه وإن لم يكن في الأفق المشهود ما يقنع ببلوغ هذا الرجاء.

آفاقه التي كانت ترتسم في ملامح عينيه كانت تنبعث من يقين حق بأن الإسلام مجد الأمة وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وأن الأمة لا ينبغي أن تستجدي مجدها على موائد الغرباء، إنه يمكننا أن ننبعث من أفق الذات، وهي كلمته التي قالها لزواره حين ودعوه في زيارته الأولى لأمريكا يوم نصحه أحد أصدقائه بنـزع العمامة ولبس الزي الإفرنجي مجاراة للغربيين، حتى يكون ذلك سبب قبولهم للإسلام، يومها توجه بنظرة مستهجنة لذلك السائل وقال: ويحك.. ولماذا أكتم هويتي؟ أنا صاحب رؤية ورسالة، أنا لا أستورد مجدي من أزيائهم، أنا في فؤادي جذوتي وتوقدي.

بوسعك أيتها العزيزة أن تقرئي بقية كلماته التي أوشت بها عيناه في وصية إقبال لولده جاويد:

أبني لحن الذات في أعماقنا             باق يدل على خلود حياته
أبني ليل الشعب ليس يضيئه            إلا تصليه بشعلة ذاتـه
أبني صن بالحب وجهك عاليا         ما في زمانك من يصون حياءه
إياك أن يأتي لقبري زائر              ويقول لي جاويد يبذل ماه
أبني ليس بني إلا من روى             بوصيتي هذي جميع بلاده

لقد مضى إلى لقاء الحق، وها أنا أذكر أيامه الكبيرة، بما كان يتعاهدنا من فصول التربية والرحم والرعاية، في مواضع حنانه وفي مواضع قسوته، وهو خيار لم يكن يأتي دائماً على وفق ما نتمنى، ولكنه أيتها العزيزة شأن الحياة، وإرادة الله.

إنها الحقيقة التي ينبغي أن يسمعها أبناؤه ومحبوه، وخاصة أنت أيتها العزيزة الحزينة، التي فطر الحزن فؤادك، وأنت من حبه لست بذات مطمع أو مغنم، إنها علاقة الروح والقلب والرحم، ربما كانت كلماته هذه أقرب المشاهد إلى عينيه وهو يودع الدنيا، وفيها كان يقول ما قاله الرشيد في احتضاره:

قال الرشيد لابنه يوصيه ها أنذا احتضرت

ستمر بعدي أنت في هذا الطريق كما مررت

أبني إن الموت نور في عيون المؤمنين

والنور هذا لا تشاهده عيون الكافرين

 

Related posts

تأسيس المجلس الأعلى لحقوق الإنسان في سوريا 2016

drmohammad

ثقافة الكراهية وأثرها القاتل/مقالة نشرت عام 2010

drmohammad

1000 يوم في مجلس الشعب

drmohammad

1 comment

Leave a Comment