مقالات

د.محمد حبش- في سبيل التنوير 30-12-2005

 

ليس ما نطلقه اليوم في رسالة التنوير بدعاً من القول إنه شيء أطلقته الشام في الواقع قبل أكثر من قرن كامل، فقد انطلق هذا المشروع في المنطقة منذ أكثر من مائة عام مع صيحات الكواكبي وعبد الحميد الزهراوي في الشام، وتردد صداه عند محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد إقبال ومالك بن نبي وغيرهم من أعلام التنوير.

لقد كانت صيحاتهم في الواقع أكثر ما أقنع العالم بأن الإسلام رسالة حضارة وخير ونور، وأنه موقف وئام مع العالمين، يصدق ما بين يديه، ويتمم مكارم الأخلاق ويؤمن بالآخر ولا يلغيه، ولا يحتكر الخلاص ولا الجنة ولا الحقيقة، ولكن نجاحهم في تقديم صورة مشرقة للإسلام في العالم لم يمر دون عناء ومواجهة مع تيارات الهمود والرفض في الداخل المسكونة بأوهام المطلق والرافضة لكل تنوير.

وبكل أمانة فإن ما قاله المجددون الكبار قبل مائة عام لا نزال اليوم نجبن عن قوله بعد أن اختار تيار التقليد والهمود مواجهة رسالة التنوير بضراوة مستخدمين أعتى وسائل التهديد والبطش، وهي وسيلة التكفير والإخراج من الملة، وهي سبيل أريقت فيها دماء كثيرة في التاريخ، واتخذتها منابر آثمة تمائم تستمطر علها اللعنات الأمر الذي دفع كثيرين من رجال التنوير إلى إيثار السلامة وتجنب الخوض في معارك ضارية على منطق: الطاقة اللي يجيك منها الريح سدها واستريح!!

وللأمانة التاريخية فإنه يجب القول أن مشروع التنوير انطلق مع الرسالة الأولى التي جاء بها النبي الكريم عندما أطلق نداءه في وجه من قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

لم يتردد النبي الكريم في حمل ندائه للعالم خطاب رحمة وهدى ونور، وكان يعلم أنه حينذاك يسبح في

عكس التيار وكانت حربه بشكل مباشر ضد طبقة الإكليروس الوثني الذين رأوا في الإسلام قضاء على امتيازاتهم، وراحوا ينفخون في كير التعصب الديني لمواجهة صيحات الاجتهاد والتنوير التي حملها الرسول الكريم.

مراراً فاوضوه وأرادوه على أن يتخلى عن خياره الرسالي مقابل أن ينال ما يشاء من مجد الدنيا وزخارفها ولكنه كان يأبى ذلك ويتمسك بالحق الذي نذر نفسه لأجله

كيف كان شكل الجزيرة العربية لو أن النبي الكريم أجابهم إلى ما طلبوه من أمر، واكتفى بمجد عاجل مع راحة في البال وتركهم يمارسون أوهامهم؟؟

إنها الرسالة ومن عرف الحق عز عليه أن يراه مهضوماً، ولا يمكن لرسالة جاءت لتغير وجه العالم أن ترضى بهمود الناس وهوانهم في مواجهة الحقيقة.

عندما كانوا يحاربونه كانوا يستخدمون أكثر ما في قاموس الغيرة على الدين والتقديس لشعائره ومناسكه، وإذ جاؤوا إلى أبي طالب يسألونه أن يخلي بينهم وبين الرجل، جاؤوا بكل ما في الكعبة المشرفة من نصب وأزلام، وبخور وماء مقدس، ومعهم من يمثل ثلاثة آلاف ناسك مخلص من الأحابيش عزفوا عن الدنيا كلها وتفرغوا للعبادة وجاءوا إلى مكة المكرمة ابتغاء تعظيم البيت وإجلاله وإعظامه، وحين بدؤوا يحاورون أبا طالب كانوا يستخرجون كل ما في اللغة من تعظيم الشريعة والصلاة والتسليم على نبيه إبراهيم، ويعاهدون الله على تعظيم شعائره، وربما كانوا مخلصين وصادقين في دعواهم تلك ولكن هيهات لرسالة جاءت لتبعث النور في الأرض أن تتصالح مع الظلام والجهل رجاء الراحة والدعة.

قال له عمه أبو طالب: يا ابن أخي إن قومك يرجون صلحك ويلتمسون قرابتك!! فانظر فيما دعوك إليه ولا تكلفني من الأمر ما لا أطيق!! وحين استمع إليهم النبي الكريم وهم يذكرون له ما يشاء من رغد الدنيا وزخارفها أجابهم بقوله الذي أصبح مثلاُ للبسالة والصمود: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.

الإسلام رسالة مصالحة ووئام مع العالم، ولكنها في الوقت عينه رسالة مواجهة مع التخلف والجهل أياً كانت منابته ومنابعه،  وإذا جبنت الرسالة عن مواجهة التخلف والجهل فلن يكون بإمكانها أن تقدم على الإطلاق رسالتها للناس في ثوب قشيب.

أيكون بدون معنى أن يدفع الزهراوي وطبارة وغيرهم من أبطال التنوير والتجديد في السادس من أيار أرواحهم على درج المشانق في مرجة الشام؟؟

لقد كانوا يخطون بدمهم رسالة المواجهة مع قوى الظلام التي كانت آنذاك تتمترس خلف طربوش الوالي الأحمر وتقذفهم بشتى شتائم الريب على أساس أنهم عملاء للغرب ومتآمرون على تقاليد الآباء والأجداد، ومبتدعون وفاسقون، وكانت رسالتهم في التنوير تصطدم مباشرة بأوهام دولة أرطغرل التي كانت تستخدم مشاعر الدين أبشع استخدام لتجعل عناءهم وجهادهم في غير سبيل.

لم يكن محمد عبده يحارب طواحين الهواء حين قال بصراحة:

ولست أبالي أن يقال محمد         أبل أم اكتظـت عليه المآتم

ولكن ديناً قد أردت صلاحه     أحاذر أن تقضي عليه العمائم

إننا بكل أمانة نتحرج اليوم ليس من التفكير على منطق محمد عبده بل من مجرد الإشارة إلى آرائه التقدمية، ومع أن قدراً غير قليل من منابر الثقافة في العالم الإسلامي تأثر بفكر الرجل، وخصصت أقسام خاصة في الجامعات العربية لدراسة فكره وتجديده، واسمه اليوم في الأزهر على أهم قاعات التعليم فإنه لا زالت المؤسسات التي تتخصص في التعليم الشرعي إلى اليوم تنظر بركام من الريب إلى فكر محمد عبده على سبيل المثال فإن الرجل الذي كان مفتياً في أكبر بلد عربي إسلامي قبل مائة عام يدرس اليوم في بعض الكليات بجامعة دمشق على أنه هرطوق!!  ويتولى عدد غير قليل من رجال الدين المعاصرين تكريس سلسلة دراسات تهدف إلى وصم قادة التجديد الإسلامي بالماسونية، وأنه مفتون بالغرب وأنه عميل إنكليزي إلى آخر قائمة الاتهامات حيث يتم إدراج أسماء بالجملة: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد وطه حسين ومحمد فريد وجدي ومصطفى المراغي وطه حسين، ومنصور فهمي، وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الرافعي و احمد شوقي وحافظ ابرهيم ومحمد شفيق غربال، في إرادة واضحة لتلطيخ رموز النهضة حتى لا يفكر أحد بعد ذلك بالنهضة من جديد.

اليوم بعد مرور مائة عام على صيحات الكفاح الأول: هل نجرؤ على قول ما قالوه؟ وهل تستطيع صحيفة الثورة أن تمضي في رسالتها التنويرية في خدمة النهضة؟ أم ستتحول هذه الصفحة إلى تكرار خجول لما تسمعه في البرامج الوقورة المتوازنة، والفضائيات العابسة، التي تشبه حصص الديانة في المدارس العامة لا تثير أي إشكال ولا تقدم أي فائدة أيضاً!!

هذا ما ستخبرك به الأيام

Related posts

د.محمد حبش- ستون عاما من النكبة ستون عاماً من المقاومة 16/5/2008

drmohammad

drmohammad

الصادق المهدي… أستاذ الدراويش.. وفيلسوف الحرية

drmohammad

Leave a Comment