Uncategorized

حقوق الطفل

 

أطفالنا.. أكبادنا

بين شريعة الله

وميثاق الأمم المتحدة

 

 

قراءة في

موقف الشريعة الإسلامية

من التحفظات الواردة على اتفاقية حقوق الطفل  الدولية

الصادرة بالقانون رقم 8 لعام 1993

 

إعداد

د.محمد الحبش

مدير مركز الدراسات الإسلامية بدمشق
بسم الله الرحمن الرحيم

جاءت الشريعة الإٍسلامية باحترام حقوق الطفولة ورعايتها ومراقبتها، واعتبر القرآن الكريم المال والبنين زينة الدنيا، وعد ذلك من أعظم نعم الله على الإنسان: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات[1].

وفي القرآن الكريم سورة خاصة نطلق عليها سورة الطفولة وسورة التربية وسورة الحكمة وهي سورة لقمان وفيها نقرأ قول الله سبحانه: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل نم أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون[2].

وتمضي الآيات الكريمة في شرح الوصايا التي يحتاجها الطفل في حياته، وتختتم في احترام واضح لإرادة الطفل وحريته: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور، ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور.

وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم” قال: “أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم[3]

ولا شك أن التربية هي التي ترسم الأداء الصحيح لرسالة الناشئة، وهو ما يجتهد التشريع الوطني والاتفاقيات الدولية على تأكيده وبيانه، وقديماً قالت العرب: إنما ولدك ريحانتك سبعاً، وخادمك سبعاً، ويمينك سبعاً، وبعد ذلك عدو أو صديق.

وحتى لا نسترسل في الأداء الإنشائي فإنني ألخص موقف الإسلام من حقوق الطفل بعموم الآية الكريمة:

المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً[4].

وقوله تعالى: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً[5].

وهنا يمكن القول بأن الإسلام يؤيد كل مسعى نبيل يهدف إلى منح الطفل حقوقه الفطرية واستقراره النفسي وحقه في أن ينشأ في حياة مستقرة طبيعية من مختلف الوجوه.

وتأسيساً على ذلك يمكن فهم حكمة الحدود الصارمة التي شرعها الإسلام في حق من يسيء إلى استقرار الأسرة وحقوق الطفل ومن ذلك موقف الإسلام الواضح في معاقبة الزناة والمثليين، وتقرير الحدود الصارمة في شأن الزنا والقذف والإجهاض، وذلك للحيلولة دون أي شكل من أشكال العبث بالأسرة والتفريط بحقوق الطفل في النشأة في ظلال الأبوين باستقرار وقرة عين.

وبهذا السبيل فإن المشاركة الإيجابية في سائر الاتفاقيات الدولية التي تكرس حقوق الأطفال وتجرم الاعتداء عليهم تعتبر في صلب مقاصد الإسلام وتدل على حيوية الشريعة ومرونتها ومعالجتها لمشاكل الإنسان.

وينظر الإسلام إلى السعي الإنساني في قضايا حقوق الإنسان في إطار إيجابي بالغ، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها، وقد نص القرآن الكريم في أربعة عشر موضعاً على أنه جاء مصدقاً لما بين يديه، ومعنى ذلك أنه يتطلع باحترام وتقدير لكل سعي حكيم تتحقق به أهدافه في بناء كرامة الإنسان، ولا شك أن قوله تعالى مصدقاً لما بين يديه مطلق هنا من الزمان والمكان فيشمل الحكمة السابقة والحكمة اللاحقة، ويشمل نور الوحي وكفاح الإنسان، وهو وعي حضاري يجب أن نركز عليه كلما أردنا الإشارة إلى رسالة الإسلام في بناء الحياة.

وفي هذا الإطار فإن توقيع سوريا على اتفاقية حقوق الطفل التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها العامة رقم 61 المنعقدة في 20/1/1989 يعتبر سعياً في الاتجاه الصحيح وكذلك البروتوكولين الإضافيين.

وهنا يتعين القول أن مبادرة سوريا للانضمام للاتفاقيات الدولية الناظمة للشأن الاجتماعي هو مطلب وطني وديني أيضاً طالما كانت هذه الاتفاقيات لا تخالف أصلاً من أصول الشريعة، أو تنقض أمراً من ثوابتها.

ومن المؤسف أن الشعب العربي وهو يعاني تبعات التخلف فإنه ينظر إلى كل سعي إنساني قادم من الغرب على أنه نشاط مريب، وأنه يتضمن نوايا استعمارية غير معلنة، ولذلك فإنه يغلب الريبة وسوء الظن على هذه الجهود مهما كانت صادرة بموضوعية وحيدة.

وفي الفترة الأخيرة ومع تعملق الدور الأمريكي في العالم فإن منظمة الأمم المتحدة أصبحت هي الأخرى محل تهمة نظراً للنفوذ الأمريكي فيها، ونتيجة للمظالم الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي انعكس سلباً على أداء الشعوب العربية في التعاطي مع مشاريع الأمم المتحدة الإنمائية والثقافية، وهو ما تعاني منه المساعي المبذولة لتحقيق مشاركة سورية فعالة في المجتمع الدولي.

ومن المناسب أن نشير هنا إلى أنه ليس من مصلحة سوريا أن تمضي في تجاهل القانون والاتفاقات الدولية، وأن دورنا في الحراك الثقافي والاجتماعي مع دول العالم هو مسألة جوهرية، حيث نؤثر ونتأثر بالسعي الإنساني للدفاع عن الحريات والحقوق الإنسانية، ينطلق من الوجه الشرعي الذي قدمناه قبل قليل.

ومع أننا لم نقم في مركز الدراسات الإسلامية بتقديم دراسة علمية موضوعية للاتفاقية تتناول سائر بنودها، بل اقتصرنا في إعداد الدراسة على المواد التي تحفظ عليها المشرع، فإنه يمكن القول بأننا نأخذ عليها مأخذاً جوهرياً نأمل أن تساعدنا الجهات الوصائية في التنويه به والإشارة إليه ومخاطبة سائر المنظمات الناشطة في المجتمع الدولي وعلى رأسها الجمعية العامة للأمم المتحدة للالتزام به،  وهو باختصار: حق الطفل في الولادة بين أبوين.

لم تشر الاتفاقية بوضوح إلى محاسبة الآباء العابثين الذين يتسببون في إنجاب الأطفال في ظروف غير شرعية، حيث يتم الحمل والإنجاب بمعرفة القوانين دون أن يكون هناك رباط شرعي يلزم الوالدين بتحمل مسؤولياتهما حينما يدلف الطفل إلى النور.

وهنا أسمح لنفسي بالإشارة إلى احتجاج سابق على انتهاك حقوق الطفل في الغرب كنت قد قدمته خلال مؤتمر يعنى بشؤون الطفولة نظمته اليونيسيف في نيويورك، وأوردته من ثم في كتابي بين يدي الرسالة:

إن العفاف (الفضيلة الشرقية الكبيرة) هو في الواقع أكبر أسباب تماسك الأسرة، وهذا العفاف ـ كما يظهر لكل مراقب ـ موجود في العالم الإسلامي بنسب لا تقارن مع العالم الغربي، وهذه الظاهرة الواضحة يمكن أن نلتمسها في صور كثيرة من مقارنات الشرق بالغرب.

في الصيف الماضي كنت في زيارة للبرازيل وكانت جمعية خيرية في سان باولو، تنشر إعلاناً عقب كل نشرة أخبار تدعو فيه الأجاويد فيه إلى التبرع لمواساة لقطاء سان باولو حيث ترعى هذه الجمعية وحدها اثنين وثمانين ألف لقيط في سان باولو !…

وأعتقد أن هذا الرقم جد مناسب لإجراء مقارنة مقاربة مع سوريا مثلاً، فسان باولو يبلغ تعداد سكانها سبعة عشر مليوناً، وسوريا كذلك سبعة عشر مليوناً، وفي الإحصائيات الرسمية فإن دار اللقطاء الوحيدة  في سوريا تستقبل سنوياً من أربعين إلى خمسين حالة، فإذا اعتبرنا أن الحالات المكتومة تبلغ مثل ذلك أيضاً فإن الرقم يتضاعف إلى نحو ثمانين لقيطاً.

وهكذا فإن عملية حسابية بسيطة تكشف لك أن المجتمع الإسلامي لا زال أكثر تماسكاً من المجتمع الغربي من الناحية الأسرية بفارق جد كبير.

هذا إذا لم نتعرض للمواليد غير الشرعيين، فهؤلاء يبلغون أرقاماً خيالية، ذلك أن القانون البرازيلي.. والقوانين الغربية عموماً تلزم أحد الأبوين إذا اعترف بالمولود بالإنفاق عليه جبراً ولا تسميه لقيطاً، ولا أملك هنا إحصائيات دقيقة عن أعداد هؤلاء في البرازيل، ولكن أذكر بالمشكلة التي أثارها الإعلام في العام الماضي حول واقع (الجرذان البشرية) وهم اللقطاء المهملون في أقبية المترو، حيث طالب بعض النواب بمنح الشرطة سلطات استثنائية بإطلاق النار  عليهم ليريحوا ويستريحوا.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية بلغ عدد المواليد غير الشرعيين دون سن البلوغ تسعة عشر مليون إنسان، وهذا الرقم يتزايد في كل عام بمعدل مليون مولود سفاحاً !..

إن هذه الأرقام لا تحتوي على أدنى مبالغة، والمشكلة أن المجتمع الغربي لا ينظر إلى هذه الأرقام بالسوداوية التي ننظر، سيما بعد أن اعترفت كثير من الكنائس بالشذوذ الجنسي، وطرحت في البرلمانات مسألة نكاح المحارم على أنها من حقوق الإنسان.

وهنا بودي أن أسأل قليلاً عن حقوق الإنسان التي اعتمدتها الأمم المتحدة في يوم مبارك في 10/12/1948 والتي تعتبر بحق مفخرة إنسانية رائعة، ولكن هل من الصواب أن نتصور أن هذه الحقوق نزلت وحياً مكتملاً بحيث يلزم إلحاقها بالنصوص المقدسة، أم أن منطق الحياة يقتضي أن تكون هذه الحقوق رؤية إنسانية تبحث عن اكتمالها من خلال التجربة والملاحظة والتطبيق؟..

أليس من حق الإنسان (أن يولد بين أبوين) أليس هذا حقاً مقدساً ينبغي أن تحفظه القوانين والنظم والإدارات الحكومية، وما الذي جناه هؤلاء الأطفال حتى يصطلح على تسميتهم بـ(الجرذان البشرية) وتطرح مسألة حقهم في الموت كبديل حضاري عن الحياة المزرية المنتظرة لهم !؟..

إن هناك من وجهة نظري تسعة عشر مليون جريمة اعتداء على حقوق الإنسان مورست في الولايات المتحدة وحده برعاية القانون الأمريكي، اشترك في ارتكابها ثمانية وثلاثون مليون جانٍ !…

وأرجوا أن تعذروني في إيراد هذه الإحصائية اضطراراً ذلك أنني لست متحمساً لرسم صورة سوداء للغرب، الذي يعتبر ـ من وجهة نظري ـ مثالاً يقتدى في الجوانب التكنولوجية والمعرفية والديمقراطية وبعض الجوانب الأخلاقية ، ولكن مسألة العفاف هذه هي محنته التي يعانيها حكماؤه، وهي الجانب الذي لا يزال الشرق في عافية من شروره إلى حد كبير.

إني لا أزعم أن الشرق يعيش حالة عفاف تامة، فالمسائل هنا نسبية ولكن لا مقارنة بما يجري هنا في الأقبية والظلام وغفلة الرقابة وبنسب محدودة ينظر إليها عادة بازدراء وريبة وسقوط مع ما يجري هناك في وضح النهار وبوسائل قانونية معتبرة، وأسواق مشهورة لهذه الأغراض، واعتبار مناهضة هذا السقوط عدواناً على حرية الأفراد.

والذي ينبغي أن نقرره هنا أن العفاف الذي نعيشه في الشرق ليس في الواقع إفرازاً بيولوجياً مرتبطاً بالنشوء والارتقاء، وهذا ما لا يقوله أحد، إذ كلنا لآدم وآدم من تراب، ولا أظن أننا نختلف في أن منشأ هذا التفاوت حقيقة إنما هو التربية، والمفاهيم التي تحكم سلوك الناس، فبينما بقي التوجيه الديني هنا حاكماً في إطار الأسرة، فإن المجتمع الغربي تفلَّت من هذه الحاكمية واختار أن يمضي في نهمه وأهوائه إلى آخر مدى، فكانت هذه النتيجة الحتمية.

إنني هنا إذن أدعو سائر المهتمين ببسمة الطفولة في الأرض أن يقرؤوا أيضاً معنى سبب التعاسة والبؤس الذي يرتسم على ملامح طفل بريء يدلف إلى الحياة ولا يتمتع بكلمة بابا أو ماما، من غير أي ذنب جناه أو جناية اجترحها ولسان حاله يقول:

قبح الله لذة لشقانا    قد جناها الآباء والأمهات

أرجو أن لا أكون بهذه المقدمة قد جنيت على رغبتي في تقديم تأييدي لانضمام سوريا لاتفاقية حقوق الطفل التي أقرتها الأمم المتحدة قبل أربعة عشر عاماً، حيث يمكنني القول بأن سوريا قد أنجزت خطوة جد كبيرة بانضمامها إلى هذا القانون، ونحن ندعم إسلامياً التنفيذ الإيجابي لسائر مقررات الاتفاقية.

وبالنظر إلى التحفظ الوارد على الاتفاقية فقد أشار القانون رقم 8 لعام 1991 الصادر عن السيد رئيس الجمهورية العربية السورية إلى أن سوريا تصادق على الانضمام للاتفاقية مع التحفظ على ما ورد فيها من أحكام تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وفي الواقع فإن هذا التحفظ ضروري بهذا القدر وهو من مسلمات السياسة السورية ومن متطلبات الدستور الذي ينص على احترم السيادة الوطنية والشريعة الإسلامية، وهو ما تجب مراعاته لدى الانضمام إلى أي معاهدة دولية.

وهنا أشير ببالغ التقدير للموقف الذي تلتزمه الهيئة السورية لشؤون الأسرة حين اعتبرت أن أي اتفاق دولي أو اقتراح تشريع محلي ندعى للمشاركة فيه فإنه يجب أن يكون متوافقاً مع متطلبات السيادة الوطنية وأحكام الشريعة الإسلامية، وهي قراءة واعية لمسؤولية التشريع الوطني والمؤسسات العاملة في هذا الإطار.

على أنه يجب القول هنا بأن الفقه الإسلامي منجم غزير لا يجوز حصره في خيار واحد بل يتعين البحث في خيارات الفقهاء الكرام عن الرأي الأكثر توافقاً مع روح القرآن الكريم والسنة المطهرة، والأكثر ملاءمة لمصالح الأمة الكبرى، بغض النظر عن اعتماد المرجحين له في مرحلة زمنية أو تنكبهم عنه، وهنا تتحدد المسؤولية في منهجين اثنين: أمانة الاختيار فيما سبق الاجتهاد فيه، وكذلك أمانة الاجتهاد الأصولي المنضبط فيما لم ينقل عن الأئمة اجتهاد فيه، وذلك للوصول إلى موقف يحقق مصالح الأمة ويستجيب لنص الشرع.

 

 

 

 

 

 

وقد أشار القانون إلى مواد ثلاثة رأى أنها تحتمل التعارض مع الشريعة الإسلامية وهي المواد 14 و20 و21

وفيما يلي دراسة للمواد الثلاث المتحفظ عليها:

 

نصت المادة 14 على ما يلي:

1- تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين.

2- تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين وكذلك تبعاً للحالة الأوصياء القانونيين عليه في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.

3- لا يجوز أن يخضع الإجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين.

 

ويبدو أن الذين اقترحوا التحفظ على هذه المادة رأوا في حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين تعارضاً مع الشريعة، حيث ينبغي أن يجبر الولد على اتباع الإسلام، على أساس أنه خاتم الأديان، وأن مسؤولية الوالدين تتجه شرعاً إلى إرغامه على ذلك، حيث ينص بعض الفقهاء على وجوب أن يصير الولد إلى أحسن الأبوين ديناً، وأن الدولة ملزمة أن تعتبره مسلماً إذا كان أحد والديه مسلماً، وأن لا خيار للولد في ذلك، وربما استدلوا بالحديث الشريف: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر[6]، وكذلك الحديث النبوي الكريم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه إما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه[7].

وظاهر مقتضى الحديثين الكريمين أن الوالدين مأموران بإلزام الولد بالإسلام اعتقاداً وتطبيقاً، وأن الشريعة لا تترك للولد هامشاً لاختيار اعتقاده، بل تلزمه باعتقاد المسلم من الوالدين أباً أو أماً، وتكلفهما إلزامه بفروع الشريعة.

وهنا لا بد من القول بأننا نختار الرأي الفقهي الذي لا يجيز الإكراه في الدين، ويقر بحق الإنسان في تخير الاعتقاد الذي يريد استدلالاً بعموم الآية الكريمة: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا يقر حد الردة بمجرد الموقف الاعتقادي وإنما يشترط لإقامة حد الردة أن يمارس المرتد الحرابة والبغي في الأرض، وهو ما فعله المرتدون بعد موت النبي r ، ولا شك أن هذا الرأي ليس رأي الجمهور، ولكنني أعتقد أنه الأقرب إلى روح الشريعة، والأصلح للأمة الإسلامية، ومناقشة ذلك تطول، وهي أمر آخر لا يتصل بما نحن فيه[8].

وقبل أن أشرع بتوضيح هذه المسألة أود أن أذكر أن الاعتقاد في الإسلام هو أصلاً مسألة تتعلق بالبالغين، وفي الشريعة الإسلامية ينص الحديث الصحيح على قوله r :

رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم[9]، ومقتضى ذلك أن تصرفات الصبي من الناحية العقدية باطلة، ولا يترتب عليها أثر شرعي، وهنا يلزم التنويه بالتفريق بين خيار الاتفاقية باعتبار الطفولة تمتد إلى 18 عاماً إلا أن تنص القوانين على خلاف ذلك، وبين موقف هذا الحديث الشريف الذي قيد الطفولة هنا بالاحتلام.

والحق أن ما ذهب إليه التحفظ وارد في إطار الأطفال قبل التمييز أو الاحتلام وهنا لا يتعين النص على هذه الحالة لأن التصرفات العقدية للطفل قبل البلوغ باطلة حكماً بمقتضى الحديث السابق، وهو ما لا يتصور أنه وارد في قصد الاتفاقية الدولية، التي تهدف إلى منح الفتى حرية الاختيار الديني دون إكراه، وهو ما يظهر عادة في الفترة من 15 إلى 18 عاماً.

ومع ذلك فإن مقتضى الشرع أنه لا أثر لتصرفات الأطفال في الاعتقاد وهي باطلة، ولا أثر بالتالي لموقف القانون من اعتقاد الصبي إذ هو غير مكلف أصلاً.

وإنما يظهر أثر التحفظ في حال الطفل بعد البلوغ، إذ هو وفق الشرع مكلف، ووفق الاتفاقية لا زال طفلاً، ومقتضى التحفظ الوارد هنا أن أحداً لا يمكنه اختيار دينه قبل بلوغه الثامنة عشرة من العمر، ولو اختار فتى في السادسة عشرة أو السابعة عشرة أن يدخل في الإسلام فإن الدولة مضطرة إلى منعه وإكراهه على دين والديه، وكذلك لو اختار ديناً آخر،  وهو ما يشكل مصادرة وإكراهاً لإرادة بالغ عاقل راشد في اختيار دينه والتعبد به، الأمر الذي لا يمكن قبوله، خاصة حين تعلم أن معظم الصحابة الكرام الذين دخلوا في الإسلام مع النبي r كانوا في هذه السن، ولا شك أن اختيارهم للإسلام كان بدون موافقة أوليائهم ولا رضاهم، على سبيل المثال فإن علياً وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص والأرقم بن أبي الأرقم وغيرهم اختاروا الإسلام فتياناً دون السابعة عشرة ولو لم تكن لهم حرية الاختيار لوقع ذلك كله باطلاً ولكان عليهم أن يراغموا على اختيار ذويهم وفق عقائد الجاهلية الأولى.

وهنا نقرأ الآية الكريمة التي تتصل مباشرة بهذا المعنى من سورة لقمان سورة التربية والحكمة سورة الأطفال: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً[10]، والآية واضحة هنا في أن الله لم يجعل للآباء على الأبناء أي حق في اختيار دينهم وإلغاء إراداتهم على سبيل الجبر والإلزام، وأن الآية تدعو المكلفين (وهم أطفال في عرف الاتفاقية من 15-18 عاماً) إلى وجوب التزام الحق بغض النظر عن إرادة الوالدين.

ويجب التذكير هنا بأن الإكراه على الدين لا ينتج إيماناً على الإطلاق وإنما ينتج نفاقاً محضاً نتيجة المراغمة على ما لا يرضاه الإنسان، وبالتالي فقد رفع القلم عن الناس فيما استكرهوا عليه.

والحق أن الإكراه على الدين مرفوض بشكل قطعي في القرآن الكريم، وهو واضح جلي في الآية الكريمة: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين[11].

وكذلك قوله تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر[12].

وكذلك قوله تعالى في الآية الجامعة: لا إكراه في الدين[13].

ولدى مراجعة سبب نزول هذه الآية فإننا نلاحظ أنها تقدم لنا موقفاً يتصل مباشرة بهذه الحقيقة:

روى أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تكون المرأة مقلاةً (أي تنجب أسقاطاً لا يعيشون)  فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده, فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) قال أبو داود: المقلاة التي لا يعيش لها ولد, وفي رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى دينهم أفضل مما نحن عليه أما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه؛ فنزلت: (لا إكراه في الدين) من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام [14].

وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار في تعقيبه على نزول الآية: وهو دليل على أن الوثني إذا تهود يقر ويكون كغيره من أهل الكتاب[15].

وتذكر أسباب النزول عدة روايات كانت سبباً لنزول قوله تعالى” لا إكراه في الدين” (البقرة 256)  منها: أن رجلاً من الأنصار كان له غلام .. وكان يريد إكراهه على الإسلام فرفع الأمر إلى النبي (ص) فنزلت الآية لا إكراه في الدين.

ومنها: أن أنصارياً كان له ابنان تنصرا على يد تجار من الشام وهاجرا إليها فأراد أبوهما اللحاق بهما لردهما إلى الإسلام فنزلت الآية لا إكراه في الدين.

ومنها: أن نساء الأنصار كن ينذرن إن ولدن ذكراً أن يجعلنه في اليهود أو النصارى ابتغاء طول عمره فنشأت منهم ناشئة على ذلك فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام فرفع الأمر إلى النبي (ص) فنزلت الآية لا إكراه في الدين. فقال r : قد خير الله أصحابكم فإن اختاروهم فهم منهم وإن اختاروكم فهم منكم”

والرواية الأخيرة نص في الموضوع: قد خير الله أصحابكم، فهي صريحة في أن الخيار للولد ولا شك أن المقصود هنا الولد البالغ العاقل، وهو ما تدرجه الاتفاقية في تعريفها مع الأطفال.

ولدى دراسة هذه الروايات يتبين لنا أن إكراه الأطفال على دين بعينه موقف رفضه الإسلام، سواء كان الإكراه يتعلق برجل أو امرأة،  طفل أو رشيد، صغير أو كبير، وقد نزلت الآية الكريمة لا إكراه في الدين لتمنع ذلك مباشرة بحق الأطفال.

 

وقد ذهب بعض المؤيدين للتحفظ على هذه المادة إلى القياس على عدم جواز منح الطفل غير الرشيد ماله، فلما امتنع منحه ماله كان منحه أمر دينه ممنوعاً بالقياس بجامع العلة بينهما، ومقرراً من باب أولى.

ولكن القياس (حال صحته) لا يقوى على معارضة النص كما قدمناه، ومع ذلك نشير إلى أمرين:

الأول: لا بد من التذكير أن الاتفاقية نصت في المادة الأولى على أن المقصود بتعبير الطفل هو من لم يبلغ الثامنة عشرة وهو سن تكليف ورشد، حيث يملك الصبي حق التصرف بماله شرعاً عند البلوغ إن عهد فيه الرشد، كما قال تعالى: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم[16].

ونذكر هنا بالصحابي الكريم أسامة بن زيد الذي اختاره النبي الكريم قائداً على جيش فتوح الشام وهو في السابعة عشرة من عمره، فهو إذن بتعريف الأمم المتحدة طفل، ولكنه في الفقه الإسلامي يعتبر رجلاً، وقد كان مخولاً بتفويض من النبي الكريم بقيادة الجيش وما يترتب على ذلك من مسؤوليات خطيرة في الدماء والأموال.

الثاني: إنما نحجب عن الغلام ماله (ما لم يثبت رشده) لمكان الضرر الذي قد يسببه للناس حين تعاملهم معه وهو ما لا محل له في مسألة الاعتقاد، إذ مدار المعاملة على حقوق الناس ومدار الاعتقاد على حقوق الله، وحقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق الناس مبنية على المشاححة.

 

وهكذا فإن الأدلة تتضافر على أن الاعتقاد لا سبيل إليه على الإطلاق من طريق الإكراه، مهما كان شكل الذريعة إلى ذلك، وليس للدولة ولا للوالدين من سبيل في هداية الناس كباراً كانوا أم صغاراً إلا بالحكمة والموعظة الحسنة.

كذلك فإن مما ذكر في تبرير التحفظ هنا أن منح الأبناء الحق في اختيار الدين سيؤدي إلى تشتت الأسرة وتمزقها، فلو اختار الأول أن يكون مسلماً واختار الثاني أن يكون مسيحياً والثالث يهودياً وهم في الأسرة نفسها مما يستدعي الخلاف والشقاق وتمزق الأسرة.

والحق أن هذا المحذور غير واقعي، ولو افترض حصوله فهو نادر والنادر لا حكم له، ولن ينفع الإكراه في رد غواية من عزم على التمرد عن خيار أهله، وقد شب عن الطوق.

وقد قدمنا أن كثيراً من الصحابة الكرام قد خرجوا عن طاعة آبائهم واختاروا الإسلام وهم دون الثامنة عشرة على غضب آبائهم وسخطهم فلم يردهم رسول الله إلى دين آبائهم.

ولا يشكل هنا ما أورده كتاب السير من رد النبي r أبا جندل إلى المشركين بعد أن طلب أبوه المشرك ذلك، فقد كان ذلك تنفيذاً لعهد خاص مع قريش يوم الحديبية أن يرد إليهم من جاءه مسلماً بغير إذن والديه، وقد تم ذلك باتفاق الطرفين، ومع ذلك فلم يكن إرغاماً له على العودة إلى دين أبيه بل كان إعادة له إلى بيت أبيه، ولا سواء، فكان أبو جندل لا يتردد في إسلامه الذي اختاره، ويعبد الله في الأغلال قبل أن ينجو منها، وكذلك بعد أن أعاده رسول الله إلى أبيه.

ولكن ذلك لا يلغي حق الوالدين في توجيه أبنائهما وتربيتهما، وكذلك الأوصياء الشرعيين على الأولاد وهو ما دلت له الاتفاقية بصريح العبارة في المادة 14 نفسها الفقرة الثانية:

تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين وكذلك تبعاً لحالة الأوصياء القانونيين عليه في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.

وهكذا فإنه يمكن التوفيق بين هذه المادة وبين التوجيه النبوي الكريم بحث الأبناء على الصلاة على أن ذلك يتم في إطار حق الوالدين في التوجيه وليس الإكراه، وقد قال الإمام الجصاص تعليقًا على هذا الحديث الشريف: “فمن كانت سنه سبعًا فهو مأمور بالصلاة على وجه التعليم والتأديب لأنه يعقلها، وكذلك سائر الأدب الذي يحتاج إلى تعلمها”[17].

وقد زاد الحافظ ابن حجر في القتح هذه المسألة توضيحاً فقال: فإن الأولاد ليسوا بمكلفين فلا يتجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجه على أوليائهم أن يعلموهم ذلك[18]

وأما الضرب على ذلك (والمقصود هنا بالطبع الضرب غير المبرح)  فهو لم يكن يخرج في إطار الثقافة السائدة آنئذ من دائرة التوجيه ووسائله، وإن كنا نرى أن اختلاف الزمان والظروف أثبت أن التربية بالضرب ليست شيئاً فعالاً في حسن التنشئة والتربية، ويلزم التذكير هنا بأن ظروف العرب وتقاليدهم آنذاك كانت تجيز للآباء هذا اللون من التربية، كما كانت تجيز لهم إرسال الأطفال والرضع إلى البوادي ليعيشوا فيها سنين قاسية من الشدة والشظف لضمان نشأتهم نشأة رجولية قاسية، وهو ما لم يعد مبرراً هذه الأيام.

 

وفيما يتصل بالفقرة الثالثة من المادة 14

لا يجوز أن يخضع الإجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين.

وهذه الفقرة بمثابة توكيد على ما قررته الفقرتان السابقتان في المادة إياها، ولا شك أن الإجهار بالدين تبع للاعتقاد به، ولا سبيل إلى الإكراه في أي منهما، بل لا بد من تحقق حرية المعتقد في اعتقاده، وهنا تبدو الاتفاقية مهتمة بتقرير حرية الأفراد في اختيار الدين وكذلك في طريقة التعبير عن اختيارهم بدون أي إكراه، مع مراعاة للقيود التي ينص عليها القانون والنظام والحريات الأساسية للآخرين.

 

وبالجملة فإن الحديث عن اختيار الدين للطفل قبل البلوغ لا أثر له من الناحية الشرعية لأن تصرف الأطفال في قضايا التكليف الاعتقادي هدر، وأما بعد الاحتلام فإن خيار الاعتقاد ينبغي أن يمنح للفتى ابتداء مع بقاء المسؤولية التربوية والاجتماعية، وهنا لا بد مرة أخرى من تسجيل مناط الاختلاف الفقهي بين من يرى اقتصار مسؤولية الدولة على التوجيه والإرشاد، وبين من رأى التزام الدولة شرعاً بوجوب حماية عقيدة التوحيد وإلزام الناس بها ومنع الناس من اختيار دين آخر بقوة القانون.

ولا يخفي كاتب هذه السطور انحيازه للرأي القائل بأن حرية الاعتقاد هي الأصل، وأن إرغام الناس على موقف ديني أو اعتقادي غير جائز شرعاً عملاً بعمومات الكتاب: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين[19]، والآية الكريمة: لا إكراه في الدين[20]، وكذلك قوله تعالى: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون[21].

 

 

 

التحفظ على المادة 20

نصت المادة 20 في الاتفاقية على الآتي:

  1. للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية أو الذي لا يسمح له, حفاظاً على مصالحه الفضلى بالبقاء في تلك البيئة, الحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة
  2. تضمن الدول الأطراف, وفقاً لقوانينها الوطنية، رعاية بديلة لمثل هذا الطفل.
  3. يمكن أن تشمل هذه الرعاية, في جملة أمور، الحضانة, أو الكفالة الواردة في القانون الإسلامي, أو التبني, أو عند الضرورة، الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال, وعند النظر في الحلول, ينبغي إيلاء الاعتبار الواجب لاستصواب الاستمرارية في تربية الطفل ولخلفية الطفل الإثنية والدينية والثقافية واللغوية.

 

إن تحريم الإسلام للتبني له ظروفه الموضوعية المشروعة، ولكن لا بد من القول بجوار ذلك أن الإسلام أغلق باب التبني ولكنه فتح إزاء ذلك باب الكفالة، ووجه تحريم الإسلام للتبني من زاوية واحدة وهي وجوب مصارحة المكفول وإطلاعه على الحقيقة، وعدم الكذب عليه، والحؤولة دون وقوعه ضحية الأحلام الواهمة التي تتبدد حين تتكشف له الحقيقة، وهي غالباً ما تتكشف في ظروف صادمة، وينتج عنها صراعات مريرة بين الأولاد الصلبيين والأولاد بالتبني، وكذلك بين أفراد العائلة المختلفين والأولاد بالتبني، خاصة عند التوريث والإيصاء، حيث يتعرض المتبنى لأشد الاستفزاز والإهانة من قبل المتضررين من العائلة حين ينال المتبنى بعض حقوقهم.

وكذلك فإن تحريم التبني أريد به التأكيد على أن قرابة النسب رحم ماسة، سداها الفطرة السليمة، تستجيب لها نوازع الروح والنفس، ولا يمكن أن تحل محلها أي صلة أخرى، وهي إرادة واضحة في الشريعة التي قصدت إلى جمع شمل العوائل وتحقيق التكافل فيما بين الناس على أساس من القرابة الأسرية، والتواصل الرحمي،  وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.

ولأجل هذه المعاني جاء القرآن الكريم صريحاً بتحريم التبني بهذا المعنى، وذلك في قول الله تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم[22].

ولكن موقف القرآن الصارم من التبني لا ينبغي أن يحمل على أنه تفريط بحق الصغير المحروم من حنان الأبوين أو أحدهما، أو أن يلجئ ذلك إلى تجنب رعاية الأطفال المشردين أو المحرومين، بل إن الشارع الحكيم فتح باب الكفالة، وفيها قال النبي r أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة[23]، وقال: خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يكرم، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه[24].

وهكذا فإن الشريعة التي أغلقت بصرامة باب التبني فتحت إلى جواره تماماً باب الكفالة وأجزلت فيه المثوبة.

وبالجملة فإن الكفالة المشروعة في الإٍسلام تحقق أهداف التبني كاملة ولكنها تصارحه وتمنع الكذب عليه، وتحول دون كثير من أسباب الخصام التي تتفجر عادة بين الأولاد الصلبيين والأولاد بالتبني، ويكون ذلك الخصام مؤكداً عند التوريث واقتسام الثروة، وهو ما تريد الشريعة أن تجنب الأسرة وزره وعواقبه.

ومع ذلك فإن الفقه واضح أيضاً في أن اليتيم المكفول قد يحظى بحقوق أخرى في الأسرة الكافلة عن طريق الرضاع وما ينتج عنه من أحكام فقهية معروفة، وكذلك عن طريق الوصية التي جاء القرآن بتأكيدها والحث عليها وهي حقوق مهمة يملك المرء فيها أن يوصي للمكفول بما يشاء في حدود ثلث التركة، وهو بذلك قد يكون أكثر من نصيب الأولاد الصلبيين أنفسهم.

وهو ما يستفاد من عمومات النصوص القرآنية:

وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً[25].

وقوله r : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده[26].

 

وبالعودة إلى المادة المذكورة فإن الواضح من ظاهر نص الاتفاقية أن هذه المادة أعدت بمشاركة استشاريين من فقهاء الشريعة الإسلامية تحديداً، وقد أرشد هؤلاء إلى نظام الكفالة المشروع في الفقه الإسلامي، في مقابلة نظام التبني الذي حرمه الإسلام.

وفي الفقرة الأولى من المادة إلزام الدولة بتأمين كفالة مناسبة للطفل المحروم من الأسرة المستقرة، ونصها:

 للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية أو الذي لا يسمح له, حفاظاً على مصالحه الفضلى, بالبقاء في تلك البيئة, الحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة    

وهو مطلب شرعي حققته الدولة الإسلامية في عصر الرشد، وهو استجابة لما نص عليه الحديث الشريف: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته[27]، وكذلك قول النبي الكريم r: كفى المرء إثماً أن يضيع من يعول[28].

ويجب التذكير هنا بأن موقف الإسلام الصارم من الزنا لم يؤثر أبداً في كفالة ضحايا هذه الجريمة من الأطفال الذين لا ذنب لهم، وذلك عملاً بالقاعدة الذهبية: ولا تزر وازرة وزر أخرى[29].

وقد أسس القرآن الكريم للعلاقات الإنسانية على قاعدة: كل نفس بما كسبت رهينة، وهو ما يقرؤه المسلم في القرآن الكريم فقد ولد إبراهيم لأب كان من أشد الناس كفراً، وهو آزر صانع الأصنام، ومع ذلك فلم يحل ذلك بينه وبين استخلاص الله له، وبلوغه مرتبة خليل الرحمن، وفي المقابل أشار القرآن الكريم إلى نوح النبي الكريم، وأن ابنه اختار درب الكفر فلم ينفعه نسبه بشيء.

كما أنه لا بد من القول أن الطفل المحروم من بيئته العائلية بصفة مؤقتة أو دائمة (كما تنص الاتفاقية) ليس بالضرورة ابناً غير شرعي، بل إن ضحايا التشرد نتيجة الطلاق أو موت أحد الوالدين أو غيابهما أكثر بكثير من ضحايا التشرد نتيجة الولادات غير الشرعية.

 

وفي الفقرة الثانية:

          تضمن الدول الأطراف, وفقاً لقوانينها الوطنية، رعاية بديلة لمثل هذا الطفل

وكما هو واضح فإن التأكيد على مسؤولية الدولة ورد هنا مقيداً بالقوانين الوطنية في كل دولة مما يستلزم وجوب كفالة اليتيم على الدولة وفق القانون الوطني وهو بكل حال لا يجيز التبني.

بل إن هذه الفقرة تأمر بما أوجبه الشرع على ولي الأمر من تأمين رعاية الحدث إذا مات والداه أو تخليا عنه، ويعبر الفقهاء عن هذه المسألة بأنها من باب فروض الكفايات التي تتعلق بذمة الأمة، فإذا قام بها البعض سقطت عن الكل، وهي بالنسبة لولي الأمر من الفروض التي يسأل عنها إن فرط بها.

 

وفي الفقرة الثالثة:

يمكن أن تشمل هذه الرعاية, في جملة أمور، الحضانة, أو الكفالة الواردة في القانون الإسلامي, أو التبني, أو عند الضرورة، الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال, وعند النظر في الحلول, ينبغي إيلاء الاعتبار الواجب لاستصواب الاستمرارية في تربية الطفل ولخلفية الطفل الإثنية والدينية والثقافية واللغوية.

 

وهنا يمنح نص الاتفاقية خيارات واسعة للدول الموقعة لاختيار طريقة الرعاية، وقد وردت على سبيل التخيير بين أربعة أنظمة وهي الحضانة أو الكفالة أو التبني أو الإقامة في مؤسسات مناسبة وكلها جائزة ومطلوبة شرعاً باستثناء التبني، وكما هو واضح فإن لفظة التبني وردت على سبيل التخيير، ولا وجه لإلزام أي دولة بها ما لم تكن قد شرعت التبني وهو ما لم يحصل بطبيعة الحال.

وأما إيلاء الاعتبار الواجب لاستصواب الاستمرارية في تربية الطفل وخلفيته الإثنية والدينية والثقافية واللغوية، فهو قيد واضح في عدم جواز ضم الطفل إلى نظام يتعارض مع خلفيته الدينية، وهو قيد كاف هنا لمنع فرض التبني عليه، إذ خلفيته الدينية لا تبيح ذلك، وهذا ما يلزم اعتباره شرعاً، وعليه دلت عمومات النصوص في الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان[30]

 

وهكذا فإن الإقرار بهذه المادة لا يتعارض مع أي أصل شرعي، ولا ينقض ما علم من الدين بالضرورة، ويندرج في باب المصلحة المرسلة التي لا تعارض أصل الشرع، وتملك الأمة الانخراط باتفاقات كهذه مع المجتمع الدولي، تحقيقاً للمصلحة الحقيقية للأمة، واستجابة لغرض الشريعة في إقامة العدل والإحسان: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي[31].

 

مناقشة التحفظ على المادة 21

نصت المادة 21 على التالي:

المــادة الحادية والعشرون

          تضمن الدول التي تقر و/أو تجيز نظام التبني إيلاء مصالح الطفل الفضلى الاعتبار الأول والقيام بما يلي:
أ)        تضمن ألا تصرح بتبني الطفل إلا للسلطات المختصة التي تحدد, وفقاً للقوانين والإجراءات المعمول بها وعلى أساس كل المعلومات ذات الصلة الموثوق بها, أن التبني جائز نظراً لحالة الطفل فيما يتعلق بالوالدين والأقارب والأوصياء القانونيين وأن الأشخاص المعنيين عند الاقتضاء, قد أعطوا عن علم موافقتهم على التبني على أساس حصولهم على ما قد يلزم من المشورة.
ب)      تعترف بأن التبني في بلد آخر يمكن اعتباره وسيلة بديلة لرعاية الطفل, إذا تعذرت إقامة الطفل لدى أسرة حاضنة أو متبنية, أو إذا تعذرت العناية به بأي طريقة ملائمة في وطنه.
ج)      تضمن بالنسبة للتبني في بلد آخر أن يستفيد الطفل من ضمانات ومعايير تعادل تلك القائمة فيما يتعلق بالتبني الوطني.
د)       تتخذ جميع التدابير المناسبة كي تضمن بالنسبة للتبني في بلد آخر أن عملية التبني لا تعود على أولئك المشاركين فيها بكسب مالي غير مشروع.
هـ)     تعزز -عند الاقتضاء- أهداف هذه المادة بعقد ترتيبات أو اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف, وتسعى, في هذا الإطار, إلى ضمان أن يكون تبني الطفل في بلد آخر من خلال السلطات أو الهيئات المختصة.

 

وكما هو واضح فإن المادة تهدف إلى وضع بعض الضوابط لنظام التبني ليكون أقرب إلى العدل والصدق، ولتكون مصلحة الطفل الحقيقية هي المقصود الأول بالاعتبار، وتوفر رقابة حكومية على التبني للحؤول دون استغلاله والاتجار به.

وليس هناك من سبب للاسترسال في نقاش هذه المسألة بعد أن نصت المادة في مطلعها أنها خاصة بالدول التي تقر أو تجيز نظام التبني، ولما كانت الشريعة لا تجيز التبني من جهة المبدأ، وكان القانون يتبع الشريعة في ذلك، فإن المادة لا تعني هذه الدراسة في شيء، وهي تنطبق على الدول التي تقر ذلك، ولا داعي للتحفظ عليها، بعد أن ورد التحفظ في أصل متنها، ويجري عليها قاعدة الفقهاء في التعامل مع الملل الأخرى غير المحاربة: أمرنا بتركهم وما يدينون.

وكذلك فإن هذه المادة تنطبق على أحكام الكنائس السورية التي تقر التبني ولا تتعارض في فحواها مع هذه المسألة كما في المواد 73و74و75 من القانون رقم 10 لعام 2004 وقد أقره مجلس الشعب لأبناء الطائفة السريانية بناء على طلب كنيستهم الرسمي، ولدى مراجعة مواد هذا القانون تبين أنها لا تتعارض مع روح الاتفاقية.

 

 

 

 

 

 

 

وبالجملة فإن الانضمام إلى الاتفاقية يرسخ عموماً ما تخيره الإسلام من منح الطفل حقوقه الإنسانية الفطرية، وحقه في ممارستها، وهو ما جاء عليه تأكيد النبي الكريم r بقوله كل مولود يولد على الفطرة.

 

ولا أعتقد أن في المواد الثلاثة 14 و 20  و21 ما يستدعي التحفظ على شيء منها وقد قدمت لك أن إعداد هذه المادة في الأمم المتحدة تم بمشاركة خبراء مسلمين الأمر الذي ظهر تماماً لدى الحديث عن نظام الكفالة الإسلامي.

وغاية الأمر أننا نتمسك بتفسيرنا الشرعي للبلوغ فنعتبر أن تصرفات الطفل قبل البلوغ هدر، ونمنحه بعد البلوغ حرية الاختيار للفكر والوجدان والدين كسائر المكلفين.

ونؤكد هنا على الفارق الزمني بين موقف الفقهاء من الطفولة الذي ينتهي بالاحتلام أو ببلوغ الفتى خمسة عشر عاماً قمرياً، وبين موقف التشريعات الحديثة التي تمضي بالطفولة إلى سن الثامنة عشرة وفق التاريخ الشمسي.

وأعتقد أن المؤسسات الدستورية والجهات الدينية في الوطن مطالبة بأن تتحمل مسؤوليتها في توضيح موقف الإسلام الصريح من حرية الدين ورفض الإكراه فيه، وكذلك السعي للمشاركة في الجهود الإنسانية الدولية التي تهدف إلى تأمين كرامة الأطفال وتحول دون استغلالهم بشتى أنواع الاستغلال.

آمل أن تكون هذه الدراسة قد أضاءت جديداً ومفيداً في تقديم الصورة الحضارية للشريعة الإسلامية.

 

[1] سورة النحل 72

[2] سورة لقمان  12-15-

[3]  أخرجه ابن ماجه  باب بر الوالد والإحسان إلى البنات

[4]    سورة الكهف  46

[5]    سورة النساء  11

[6]     أبو داود في كتاب الصلاة باب متى يؤمر الغلام بالصلاة

[7]  رواه الترمذي في كتاب القدر ورواه البخاري في كتاب الجنائز

[8]  انظر تفصيل ذلك في كتاب الجهاد للبوطي

[9]  رواه أبو داود في كتاب الحدود والترمذي في باب من لا يجب عليه الحد

[10]  سورة لقمان 15

[11]  سورة يونس 99

[12]    سورة الكهف 29

[13]   سورة اليقرة  256

[14]  رواه أبو داود في كتاب الجهاد والسير

[15]     المصدر نفسه

[16]  سورة النساء 6

[17] أحكام القرآن: للرازي  الجصاص ج1، ص405

[18]   فتح الباري كتاب الطلاق باب قوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء

[19]   سورة يونس 99

[20]  سورة اليقرة  256

[21]   سورة الزمر   46

[22]   سورة الأحزاب 5

[23]   رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد

[24]   رواه البخاري وابن ماجه عن أبي هريرة

[25]   سورة النساء   9

[26] متفق عليه واللفظ للبخاري

[27]     رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة

[28]  رواه أبو داود والنسائي

[29]   سورة الإسراء  15

[30]  سورة الطور 21

[31]  سورة النحل   90

 

تحميل الملف حقوق الطفل

Related posts

الجهاد…. ضد القبور. الدكتور محمد حبش 2016

drmohammad

د.محمد حبش- لماذا نحتفل برسول الله؟ 12/12/2016

drmohammad

اغتيال الحضارات.. الصراع بين الفقه والنص. الدكتور محمد حبش 2016

drmohammad

Leave a Comment