مقالات

محمد رسول الحرية من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن 7/4/2006

ماذا قرأتَ من السيرة النبوية في ذكرى المولد النبوي الشريف؟
لست أدري لماذا تعلقت في طفولتي بكتاب عبد الرحمن الشرقاوي (محمد رسول الحرية) على الرغم من أن الرجل معروف بميوله اليسارية، ومع أنني لم أكن أعلم اليسار من اليمين آنذاك، ولكنني لا زلت أذكر الدمعة في عيني، وأنا أتنقل بين صحائف هذا الكتاب، من باب لباب، أقرأ كفاح النبي الكريم حين نجح وحين عاكسته الأقدار، وحين انتصر وحين انكسر، كما هو حال كل من يقود ثورة كفاح تتضرج بدماء الشهداء وتعذب فيها التضحيات، وكان عبد الرحمن يرسم لي البسمة عند ساعة النصر ويسكب لي الدمعة عند لحظة الإخفاق، الأمر الذي جعلني أنظر إليه كرائد فريد من رواد السيرة النبوية الكريمة.
وأذكر تماماً كيف كنت أسمع بعض أساتذتي يحذرونني من قراءة أعمال الشرقاوي حيث لم يكن يطرح النبي الكريم في ثوب نبوته، وكان يكتفي برسم ملامحه في ثوب بطولته، وكانوا يرون في ذلك ريبة لا تبرر، وهو أمر يعانيه اليوم كل من كتب في الإسلام بطريقة غير تقليدية إذ تتناوشه سهام النقد وبيانات التجريح والتشهير.
ومع أن الكاتب اليساري غير معني برسم ملامح الغيب التي كان الرسول الكريم يتلقى منها أصول رسالته، ولكنه استطاع أن يرسم الصورة كاملة من خلال طموح شاب آلى على نفسه أن يحمل الآمال الدافئة لعقيدة التوحيد من أجل قيام نهضة حقيقية في أمته الغارقة حتى الثمالة بأمراض الجاهلية.
بخلاف ما تعودته الناس من الأساطير التي تنسج عن رجال الغيب والناطقين باسم الرب، فإن النبي محمداً رسم لنفسه ملامح أخرى تتأكد فيها بشريته وضعفه الإنساني أكثر من أي شيء آخر، تقرأ ذلك مئات المرات في نصوص التنزيل: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم!! الأمر الذي جعل يهود المدينة يقولون: كيف نتبع رجلاً لا يدري ما يُفعل به ولا بنا؟؟
إنه نبي شحاع بكل المقاييس، لقد وقف أمام الناس وهو يحدثهم عن حجم معرفته البشرية بأمانة: أيها الناس إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأسمع منه فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما هي جمرة من النار فليأخذها أو ليدعها.
في موقف آخر أورد المحدثون أن النبي الكريم لما وصل المدينة رآهم يؤبرون النخل، وتأبير النخل شيء في غاية الغرابة إذ لا يشتمل على تلقيح مادي مفهوم، بل هو تعليق غصن صغير من شجرة على شجرة أخرى حيث يرسل الله الرياح لواقح فيصل بعض طلع النبات ببعض بحكمته وأمره فيكون في ذلك العافية والنشاط للثمرة وتورق بعد جدب وتزهر بعد قحط.
وصل النبي الكريم المدينة المنورة فرأى أهل المدينة يؤبرون النخل، لم يكن معنى التأبير واضحاً وتبادر إلى ذهن النبي الكريم أن الأمر لا يعدو أن يكون واحدة من الخرافات التي سادت في الجاهلية واشتملت على الأوهام وسرعان ما أنكرها فيهم وقال: ما أرى ذلك يغني عنها شيئاً؟؟
كانت القداسة التي تحيط بأذهانهم عن النبي الكريم تحول بينهم وبين استيضاح الأمر فبادروا إلى السمع والطاعة من دون حوار، وهم على يقين بأن ما دعاهم إليه النبي الكريم أبرك وأفضل، ولكن مع ظهور الموسم لم يشاهد الناس شيئاً مما توقعوه وكانت المفاجأة أن الشجر لم يحمل إلا شيصاً، لا زهر وفيه ولا ثمر!!
في تلك اللحظة كان على النبي الكريم أن يخوض امتحاناً دقيقاً فكيف يمكنه أن يقول إنه أخبر الناس بأمر ظهر خطؤه؟ وأن توقعه لم يكن صائباً؟
كان في إمكانه أن يقول غير ذلك، وأن يدفع باتجاه حل غامض يربط فيه شح الأرض بإرادة سماوية علية، لا تحيط بها الأفهام ولا تدركها الأوهام، ولكنه مضى أمام الناس بكل شجاعة قائلاً : أيها الناس، إذا أمرتكم بالشيء من أمر دينكم فهو مني وأنا قلته، وإن أمرتكم بالشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم!!
إنها تماماً إرادة مباشرة للرجل الذي ألقي على كاهله إعادة رسم خريطة العالم أن يقول للناس أنا بشر مثلكم
إنها قراءة قرأها إقبال من قبل، ونظمتها على شكل سؤال يطرجه حيران بن الأضعف:
ما النبوات التي كانت لكم غير أشواق وأذواق ونور
رقرقت شوقاً على أسماعكم وجرت أنغامها فوق السطور
فلماذا ختمت أنوارها رغم ما يشهده العالم هذا
ولماذا طويت أسرارها ولمــاذا ولمـاذا ولمــاذا؟؟
وعلى عادة إقبال في شكوى وجواب شكوى،كان في جوابه:
مجدكم في الأرض لا ترسمه أنفس تسكن في جوف المقابر
فخذوا أقداركم وانتبهوا واصعدوا أنتم على تلك المنابر
إن مصباحي الذي أوقدته نورك الباقي على مر العصور
إنما زيتك من يسرجــه ليس زيتي وأنا ابن القبـور

إنها قراءة أخرى لنور النبوة لا تشبه في شيء تلك القراءة الأسطورية التي تختصر كفاح النبي الكريم وجهاده وجراحه في سلسلة من العجائب التي جادت بها قرائح المحبين، كان فيها يركب الهواء ويمشي على وجه الماء، ويسارع ربه في هواه، وتأتي لدعوته الأشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم، ويفوق جوده الدنيا وضرتها، وتشتمل علومه على علم اللوح والقلم.
بإمكانك أن تقرأ السيرة النبوية الكريمة كما سطرها أئمة كبار في تاريخ الإسلام الأول كأبان بن عثمان بن عفان ومغازي عروة بن الزبير والواقدي وابن سعد والبخاري ومسلم، وغيرهم من المحدثين والرواة حتى تصل إلى ما حرره ابن حجر في المواهب اللدنية ثم النبهاني في الأنوار المحمدية، وهو تراث عارم فيه الغث والسمين وفيه الأصيل والدخيل، ولكن ذلك كله لن يكون وافياً لأولئك الذين يريدون في حباته رمز كفاح إنساني تقتدي به الأمم.
أيها السادة: أنا أرحب بكل ما أنجزوه في السيرة النبوية، ولكن أدعوكم لقراءة السيرة الكريمة مرة أخرى على منهج محمد عبده ومحمد إقبال وعبد الرحمن الشرقاوي وحسين هيكل وعباس محمود العقاد وروجيه غارودي ومراد هوفمان ومالك بن نبي ووحيد الدين خان وجودت سعيد.
إنه بكلمة واحدة: النبي الذي نقل العالم من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن.

Related posts

د.محمد حبش-ويسألونك عن الأهلة 9/9/2007

drmohammad

أحلام سوري في مطار سنغافور

drmohammad

فولتيير واحتكار الخلاص

drmohammad

Leave a Comment