مقالات

د.محمد الحبش- الإيدز وباء العصر…قراءة في منهج الإسلام في مواجهة الفحشاء 30/11/2007

أطل عليكم اليوم وأنا في أقصى الأرض في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا حيث يلتقي المئات من الباحثين
والخبراء في الأرض لمواجهة أخطر وباء عرفته البشرية, وهو وباء الأيدز!! حيث يحصد كل صباح نحو عشرة آلاف إنسان!!‏
والسؤال البدهي الذي نطرحه هنا ما الذي جعل العالم الإسلامي من أقل الدول تأثراً بتداعيات هذا الوباء, ولا تحتاج المسألة لأي أسرار فالمجتمع الإسلامي عموماً مجتمع محافظ وهو متمسك بهدي الأنبياء الأمر الذي يحول دون كثير من أسباب ظهور المرض ويحقق الأمن الصحي لكثير من الناس.‏
ولدى إعلان الأسباب الرئيسية للمرض وانتقاله عبر اللقاءات الجنسية فإن مرض الأيدز أصبح أكثر البلاء مقتاً في العالم الإسلامي خاصة بعد استقرار الفكرة بأن الزنا هو بشكل رئيس السبب المباشر لهذا اللون من الأمراض.‏
تشير تقديرات الدراسة الإحصائية المشتركة التي أجراها برنامج الأمم المتحدة لمحاربة الأيدز ومنظمة الصحة العالمية الصادرة في 24/11/2006 حول مرض الإيدز والفيروس المسبب لمرض الإيدز إلى أن هناك 39,5 مليون شخص يحملون فيروس الإيدز في العالم بينهم 4,3 ملايين شخص أصيبوا بعدوى المرض في العام 2006. ويشير الدكتور أميتا غوبتا نائب رئيس مركز جونز هوبكنز العالمي للصحة في الندوة الحوارية على شبكة الإنترنت أن هذه الإحصائيات (تعني أن شخصا واحدا يصاب بعدوى مرض الإيدز في كل ثماني ثوان في العالم, والنتيجة هي أن 11000 شخص يصابون يوميا بعدوى الإيدز.) ويقدر عدد الإصابات بين الأطفال في عام 2006 وحده 400 ألف طفل دون ال15 سنة. أما الوفيات المسجلة عالمياً بسبب المرض خلال عام 2006 فقد بلغت 2,8 مليون شخص, والرقم إلى ازدياد.‏
إن هذه الأرقام المرعبة التي تتكرر في كل وسائل الإعلام بطرق مختلفة تحمل حقيقة واحدة وهي أن مرض الأيدز قد أصبح أشد الكوارث فتكاً في التاريخ البشري, وأنه أكبر التحديات التي تواجه العالم اليوم.‏
ومنهج الإسلام في مواجهة هذا اللون من الآفات يرتكز على قاعدة سد الذرائع, ومعنى سد الذرائع اجتناب مدخل الخطيئة واعتباره حراماً, ومن مسؤولية المجتمع أن يساعد الناس على تجنب أشكال الانحراف والخطيئة بسد منافذها وإغلاق أبوابها, وبالإمكان الإشارة هنا إلى أن المجتمع الإسلامي يفرض سلسلة من القيود على العلاقات المختلطة, ويمنع الخلوة الشرعية مهما كانت النية بريئة وصافية, ويعتبر العلاقة الزوجية مقدسة لا يحل التفريط بها ويقرر أقصى العقوبات على الذين يعبثون بالعلاقات الزوجية ويستسلمون لنوازع الهوى والشهوات ويجعلون بالتالي علاقتهم الأسرية ضحية لنزواتهم وغرائزهم.‏
يمكن تشبيه العلاقة بين الرجل والمرأة بالسالب والموجب في الكهرباء, حيث يتضمن الكبل الواحد سلكين اثنين سالباً وموجباً , ولكن ذلك لا يبرر أبداً تلاقيهما بدون شروط, فاللقاء بدون شروط سينتج بكل تأكيد كارثة مدمرة, ولكن حين يمضي كل سلك في إطاره المحدد إلى نقطة محددة ويلتقيان هناك بالشروط العلمية فسينتج هذا اللقاء الدفء والنور والعافية وغير ذلك من منافع الكهرباء, أما ترك ذلك اللقاء سائباً بدعوى الحرية فسينتج الكوارث والخراب.‏
إن الاكتفاء بنشر الثقافة الجنسية وتوزيع العوازل والواقي الذكري على طلبة المدراس لتأمين علاقة سليمة ليس كافياً على الإطلاق لوقف انتشار الوباء, بل إنني أخشى من الأثر السلبي لسلوك كهذا حيث يتم إقناع المراهقين بأن السبيل أصبحت آمنة لتحصيل المتعة دون خوف الأمر الذي سيدفع بهم نحو نهم الفحشاء من دون ضوابط, والجنس كما نعلم أشبه بالماء المالح لا يزيد شاربه إلا عطشاً.‏
إن استفحال مرض الأيدز ينبغي أن يدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات جريئة تتناسب مع تعاليم الأنبياء وهي تحريم الفحشاء ووقف العبث المتمثل في إباحة الفحشاء تحت عناوين من الحرية الشخصية وحقوق الإنسان, إن تحريم الزنا هو أيضاً حماية للحرية الإنسانية, وهو أيضاً تقرير لحق الإنسان في التصرف بحياته ومنع الآخرين من اتخاذ قرارات مصيرية تمسه مباشرة.‏
في بلادي تحرم الشريعة بشكل صارم كل أشكال العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج المشروع بشروطه وضوابطه, وقد مضى القانون السوري في تأييد الشريعة فحرم نحو سبعين بالمائة من العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج, فحرم العلاقة المثلية وحرم تعدد الأزواج وحرم الاغتصاب وحرم الاعتداء على قاصر وحرم التزاني على فراش الزوجية وحرم الدعارة واعتبر ذلك كله جرائم يعاقب عليها القانون.‏
وفق الإحصائيات العالمية الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية فإن عدد المصابين في الأيدز في العالم 39 مليوناً فيفترض أن يكون عدد المصابين في سورية 130000, ولكن إحصائيات وزارة الصحة السورية بينت في نهاية عام 2006 أن عدد حالات الإيدز المسجلة محلياً, هي 442 حالة منهم 187 غير سوريين, و255 سوريا, توفي من السوريين 109 وبقي 146 على قيد الحياة…حتى يوم 13/11/2006.‏
وهكذا تبلغ نسبة الإصابات في سورية ,340% أي أقل من نصف واحد في المائة من النسبة التي يفترض أن تكون وفق الإحصاء العالمي, وأعتقد أن هذه النسبة تتكرر في معظم بلدان العالم الإسلامي التي لا تزال تلتزم بالقيم الدينية.‏
وعلى الرغم من وجود حالات كثيرة مكتومة لم يتناولها الإحصاء, فإن الرقم الذي تقدمه الإحصاءات الرسمية لا يزال أقل من المعدل العالمي بأكثر من مائة مرة على أقل تقدير, وهذا الأمر لا يمكن تفسيره من وجهة نظري إلا من خلال التعاليم الإسلامية التي يلتزمها المجتمع السوري المحافظ, وبنفس الأهمية التعاليم المسيحية أيضاً, ومن خلال الخطوات القانونية الجريئة التي اعتمدها المشرع السوري ولا زلنا نطالبه بالمزيد.‏
لا يعتبر الإسلام الحرية الجنسية مسألة شخصية بل يلقي عليها القيود الضامنة للحفاظ على استقرار الأسرة , ونحن نمتلك اليوم بعد أن تكشفت خطورة الأيدز أن نضيف شروطاً ضامنة أخرى في منع كثير من العلاقات تحت قاعدة سد الذرائع, وإعمالاً لمقاصد الشريعة في حماية الصحة والعافية, وبإمكاني أن أقول إن كل ما يقرره مؤتمركم الكريم من وسائل الوقاية والحماية هو في الواقع مطلب إسلامي يمكن تأسيسه على أدلة الشرع, بنصوص الكتاب والسنة تحت عموم قوله تعالى: من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون. ويجب التركيز هنا على موقف الشريعة من المصاب بالأيدز فلا ينبغي هنا الخلط بين موقف الشريعة في محاربة المرض وموقف الشريعة في حماية المريض, نحن أعداء للمرض ولكننا لسنا أعداء المريض, ولدينا مشكلة مع الفقر وليس لدينا مشكلة مع الفقير, وهذه حقيقة أعتقد أن المجتمعات الإسلامية لا تنتبه إليها بما يكفي في إطار العلاقة مع المريض بآفة الأيدز خصوصاً الأمر الذي يتطلب تدخلاً مباشراً من القيادات الإسلامية لتصحيح هذه الصورة الخاطئة عن المريض ومساعدته على تجاوز محنته. إن التوعية في مواجهة مرض الأيدز يجب أن تتلازم مع الوعي الأكيد بأن مريض الأيدز ضحية وليس مجرماً, وهو في كثير من الأحيان ضحية بريئة بالكامل, كما نلاحظ في ضحايا الأيدز من الأطفال وأولئك الذين أصابهم المرض بسبب نقل الدم الفاسد, ليس له ولا لوالديه أي يد في المصاب الذي نزل به, بل إنه حتى أولئك الذين أصابهم المرض بسبب خطاياهم فإنه لا يجوز أبداً أن يعاملوا في المجتمع بنظرة سوداء, لقد قال القرآن الكريم للنبي الكريم فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر, وقال إن حسابهم إلا على ربي, وقال إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون, وإن الله سبحانه يرزقهم ويعطيهم وهم عصاة, ويشرق شمسه على الأبرار والفاسدين, وقال لنبيه الكريم, ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء.‏

Related posts

د.محمد حبش- النكبة بعد واحد وستين عاماً.. مسؤولية الدين والسياسة 15/5/2009

drmohammad

د. محمد الحبش- العصر الذهبي للدعوة إلى الله 2/11/2007

drmohammad

د.محمد حبش-صلاة من أجل القمة…28/3/2008

drmohammad

Leave a Comment