مقالات

د.محمد حبش- من سنوات الضياع إلى باب الحارة 8/8/2008

وصل بالمنطاد! كالعائد من حطين! وهبط من السماء على معجبيه وتلقته الأكف بالراحات كما لو كان قادماً وبيده مفاتيح القدس الشريف وقد أخرج منها غاصبيها، أو كمن أكمل ثلاثين عاماً في الأسر في سجون الاحتلال وأصبح رمزاً للحرية، أو كمن حصد الذهب من بكين أو كمن رسم نهاية الصراع في الشرق الأوسط وحقق عودة الحقوق إلى أصحابها وأنهى مائة عام من الصراع والعنف والحرب!!

أجد نفسي مدفوعاً للكتابة مجدداً عن الأسرة المسلمة، عن حواء الأم والأخت والزوجة، ليس فقط بسبب أنني أكتب هذه الأوراق من تونس حيث نناقش مع فريق من علماء الشريعة في جامعتي الزيتونة التونسية وجامعة المفيد الإيرانية قضايا المرأة واتفاقية السيداو، بل بسبب صدمتي بالأثر المجنون الذي فرضته الدراما المدبلجة والتي أدخلت جرعة غير معقولة في ثقافتنا من تمجيد المرأة على نمط لميس ونور، وهو ما لاحظته عندما أعلن قبل أيام عن وصول أحد أبطال هذا المسلسل إلى دمشق على منطاد ينزل من السماء ليحط في مسبح أحد فنادق دمشق!! وهو مشهد لم يعرفه الناس في سوريا منذ اكتشاف المنطاد قبل عدة قرون لأي زعيم فاتح ولا قائد ظافر، وقد وصل إلى دمشق عبد الناصر وديغول وجواهر لال نهرو وكارتر وتاتشر ونزار قباني وأم كلثوم وأردوغان وظل زعماء العالم يأتون إلى دمشق من أبوابها وينتقلون في شوارعها ولا نعرف أن أياً منهم تجول في المدينة فوق رقاب العباد، أو هبط عليهم كما لو كان قادماً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا.
عرضت قناة الجزيرة قبل أيام برنامجاً خاصاً عن الدراما التركية وأثرها في المشاهد العربي ونقلت سلسلة وقوعات خصام وصدام أودى إلى الطلاق وخراب البيوت والانتحار بسبب انفعالات صاحبت عرض المسلسل التركي، وأجرت عدة مقابلات مع سواح عرب في قصر محمد عبود أفندي في البوسفور، من العرب الأشاوس والعربيات الأماجد وقد سافروا إلى تركيا للوفاء للبقعة المباركة من الشاطئ الأيمن للشجرة في قصر عبود أفندي حيث جرت وقائع الإلهام (العظيم) لمهند ونور!
ليس المنطاد إلا صورة فاقعة تعكس ارتكاس ثقافة ضائعة فقدت المثل الأعلى، رغم أنها تسمرت للبحث عنه مرتين في بيئتين متناقضتين مرة أمام باب الحارة ومرة أمام نور، مرة تبحث عنه في روتانا ومرة في قناة المنار، مرة تستجيب لنداء الرسالة ومرة تستجيب لنداء المجون.
ولكن الصورة يمكن اختصارها من خلال غرفة الولادة في مشفى الشامي بدمشق التي سجلت يوم الثلاثاء الماضي أربع ولادات: ثلاثة ذكور سموا مهند، وواحدة أنثى سميت نور!!
فهل هذا النمط من النساء هو من يرسم لشبابنا وبناتنا صورة المستقبل والحاضر والآتي؟

ومتى كانت الذاكرة الشعبية في سوريا تتقبل أن تسافر المرأة مع من لا يجمع بينها وبينه سبب ولا كتاب، وأن تحمل الجنين من غريب وأن تأتي به قومها تحمله، ولا يقول لها أحد لقد جئت شيئاً فرياً، وأن تدلف إلى الحياة روحاً بريئة ما لها من نور الحياة بسمة الأم ولا دفء الأب، وتلقيه في المجتمع لقيطاً بريئاً لا ذنب له لمجرد أن كاتب الدراما يريد ذلك؟
وهل يكون تقديم دراما بهذا النوع من الاستفزاز لقيم الناس وتاريخهم ودينهم عملاً بريئاً لا يتعدى أمر التنافس الإعلامي والتجاري واستيلاد الكفاءات الجديدة؟

حين عصفت بتركيا نوازع الأقدار ووثب أتاتورك إلى سدة الحكم كسر بيديه حواجز الحرملك وأطلق المرأة التركية التي كانت حبيسة الحرملك الممنوعة من القراءة والكتابة والثقافة واختار لمواجهة ذلك نقيضه من الأطباق الإفرنجية الشهية وفتح المواخير لبنات الروم، هكذا وبضدها تتميز الأشياء، أنجز التغيير ورحل.
فهل نحن مضطرون للاختيار بين فتاة الحرملك وبين فتاة الماخور؟
وهل يحتاج شعبنا في هذا العناء الاقتصادي الذي نكابده من التمتع بحياة القصور الباذخة ورؤية أصحابها وهم يستنزفون الشهوات؟

المرأة المؤمنة التي نحتاجها اليوم هي مريم المقدسة التي أنجزت ثورة حقيقية في عالم اللاهوت وفرضت على المجمع المقدس قبول النساء، وبلغت مجداً تسعى إليه الأنبياء، وهي آسيا بنت مزاحم التي وقفت في وجه الفرعون أعتى عتاة الأرض واعتصمت بالله هادئة وجبارة حتى أشرق الله في فؤادها ونصرها على مكائد القصر ووسوسة البلاط، وهي خديجة التي كانت أول قلب اطمأن بالإسلام والتي وقفت إلى جانب زوجها نمراً متوثباً في رسالته الجديدة، وهي عائشة المعلمة العرافة التي كان الشيوخ من أصحاب رسول الله يأتونها في دقيق المسائل فيجدون عندها علماً، والتي قال ابن المسيب ما رأيت الكلام في فم أحد أفصح منه ولا أفخم منه في فم عائشة، وهي خولة بنت ثعلبة التي ناضلت أمام رسول الله وجادلت حتى حققت تعديلاً دستورياً جوهرياً في التنزيل يستجيب لمطالب النساء ، وهي زينب الكبرى التي زلزلت عروش الملوك بمواقفها البطولية والتي أصبح ضريحها أكبر ضريح امرأة مقدسة في العالم ولا زالت تستمطر الزائرين بالملايين في كل عام يلتمسون عند ضريحها مجاديح السموات، وهي سكينة بنت الحسين التي افتتحت في تاريخ العرب أول صالون أدبي في الإسلام، وصارت مفزع الناس في الحوائج ومرجعهم في المعرفة، وهي رابعة العدوية التي هتكت الأسرار جميعها ووقفت أمام الله بحبها الفريد، وكان فؤادها يفيض عليها كتاباً وسنة، وطهراً ونبالة، وقياساً واستحساناً.

إنه نمط آخر لا يشبه في شيء هذه العاصفة المجنونة التي أتقنت استخدام أدوات الدراما من أجل إدخال ثقافة إفرنجية لعنها الشعب التركي نفسه في صناديق الانتخابات حين قدم رؤيته الجديدة عائداً من سنوات الضياع إلى باب الحارة، حيث قال للعالم المرأة التي نريد هي المرأة التي كانت عن يمين الغازي العثماني القانوني الأول أماً وأختاً ومعلمة ومربية، وليست المرأة الماخور العابثة التي تكفر بالقيم والفضيلة، إنها المرأة الجادة المسؤولة التي كانت تشارك بالعلم والمعرفة يوم كان الأتراك يبنون حضارتهم في بلاد الأناضول ويبعثونها فيمن جاورهم من الأمم ويقدمون فرصة نجاة لعدد من الشعوب المريضة المهيضة يوم أطلقوا مهندسيهم في العالم ليشيدوا حضارتهم على صورة مآذن تصل الأرض بالسماء يذكرك موشورها الصاعد إلى السماء بأشواق العارفين كما رسمها جلال الدين الرومي، في حدائق الجمال والروح والإشراق.
ذات يوم سيعود هذا الجمهور إلى وعيه بقيمه وتاريخه وأصالته، وسيرسم بيده طريق العودة من سنوات الضياع إلى الأيام الخوالي بباب الحارة.

Related posts

البيت الأبيض – موعظة الخير والشر

drmohammad

قراءة في القيم الدبلوماسية في الإسلام

drmohammad

د.محمد حبش- الاستثمار في اللغة العربية

drmohammad

Leave a Comment