مقالات

د. محمد الحبش- يوم ودعت دمشق آخر الكبار .. صادق حبنكة … رجل الإشراق والأذواق 9/11/2007

كان هادئاً متواضعاً, دائم الإطراق والإشراق, دقيق المعرفة والأذواق, ولم يكن رحمه الله من أولئك الخطباء الذين تهتز بهم المنابر, ولم يكن يتصدر المؤتمرات الدولية, ولا يوجد في سجله عنوان المناصب التي وليها, ولا الأوسمة التي حصدها,
ولم يكن من أولئك الذين يتنافسون على مناصب الدنيا, ويتواثبون في منابر الإعلام, لقد كان معرضاً عن هذا كله, وحين جاءت إليه المناصب تراوده عن نفسه وتغريه ببريقها أراها من نفسه أيما شمم, وكان المنصب تلو المنصب يأتيه في أبهى زينته ثم يرتد خاسئ الطرف وهو حسير.‏
كنت أسمع من والدي الكثير عن الشيخ مرزوق حبنكة الميداني الذي كان في الواقع وجه الميدان في العلم والتجارة, وكان جدي الشيخ عبد الرزاق الحبش أبو رسلان أكثر الناس وصالاً بالرجل, فهو جاره وابن حارته تسقيهم ملاعب الصبا ما لا يظمؤون بعده.‏
ومع ما كان بين الأسرتين من وصال فلم يكتب لي أن أكون في مدرسة الشيخ صادق في طفولتي فقد انتقل والدي إلى المهاجرين واتصل هناك بمدرسة أخرى من مدارس التعليم الديني, وظلت ذكراه في الخاطر رجلاً من أهل الله لا أرب له في هذا العالم كله.‏
كان يدهشني في الرجل تواضعه ولطفه على الرغم من الهالة التي كنا نعرفها عنه كزعيم لا يهادن ولا يداهن ولا يماري ولا يصانع ولا يجامل, ومن المدهش أن ترى رجلاً يتحقق بهذه الصفات كلها وتضيف إليه أيضاً أنه لا يغضب ولا يصخب!! فالمعروف أن إنكار المنكر يحتاج إلى غضب وحزم, ولكن الشيخ رحمه الله كان لا يلتفت إلى ذلك كله, وكان يؤثر هدوءه, وكانت العمائم تزاحم ببابه, تقرأ في سيرته وعطائه أخبار السلف الصالح, وتذكرك بعهد العلماء الذين نزهوا العلم عن رغبات الرياسة وصانوه وصانهم, وعظموه في النفوس فرفعهم في ضمائر الناس, وعلى الرغم أن الرجل كان يعتبر رمزاً للتيار المحافظ ولكنه كان يحظى بمحبة الجميع دون استثناء, وكان مكانه في قلوب مخالفيه ليس أقل من مكانه في قلوب مريديه, كان بكل احترام يؤسس لعلاقة احترام وتقدير مع كل مخالف.‏
حين مضيت في رسالتي في التجديد كنت أشعر أننا من أبعد مدرستين, فمن أين للرجل الذي حسم المسائل كلها أن يوافق على حوار الأديان والفلسفات ابتغاء البحث عن الحقيقة? أو الاتفاق على المشترك بين الإسلامي والعلماني وهو ملتزم بقول الأول لا تمكن زائغ القلب من أذنيك? ومن أين له أن يتقبل كلامنا في الديمقراطية والحريات والتجديد الديني وهو ملتزم بعموم النص في كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار? ومن أين له أن يتقبل موقفنا في الموسيقا والنحت والفنون وهو لا يزال يتحفظ على التصوير الفوتوغرافي?‏
كنت أعتقد أن الرجل سيكون أشد المعارضين لمشروعنا التجديدي فالرجل واضح في أن الفقه الإسلامي تام وجاهز ولا يحتاج لشيء من التجديد, والخيار المفضل لديه هو اتباع الأئمة بدون تحفظ, قف على ما وقف عليه الأولون, فإنهم عن علم وقفوا, والدين ما كان فيه قال حدثنا….وما سوى ذاك وسواس الشياطين, فمن أين يمكن للرجل أن يتقبل صرخة التجديد الديني الذي عصف بالأيقونات جميعاً وأعاد الجدل جذعاً, لا يهدأ تواثبه ولا تخمد ناره, وحين جهرت بموقفي في وجوب تخير الأصلح دون الأرجح من منجم الفقه الإسلامي, وواجهت في ذلك الأمرين من تيارات ترفع لواء التجديد وتتحدث عنه باستمرار.‏
أما الشيخ صادق فقد كان في الشاطئ الآخر يرتاب في التجديد كله شعاراً ودثاراً, وحين كنت أتلقى من المتشددين فتاوى التكفير والتفسيق التي لا ترحم كنت أهاب موقف الشيخ صادق, وحين ذهبت إلى الشيخ في داره كان في النفس وجل شديد من موقف الرجل, وكان المتربصون بذلك كثر, وكنت معهم من المتربصين.‏
لقد استمع إلي طويلاً وأنا أتحدث عن تجديد الخطاب الديني وعن فتح منجم الفقه الإسلامي بلا تحفظ, وكان الحاضرون ينتظرون من الشيخ غضبة مضرية تهتك حجاب الشمس أو تمطر الدما, فالرجل معروف بموقفه المحافظ الصلب, وهو لا يهاب في الله لومة لائم, وليس له عندي ناقة ولا جمل, ونظرت في وجوه الحاضرين وقد علاها التحفز, و لكن الشيخ الذي كان مستغرقاً في جلال الله لم يشأ أن يقول أكثر من كلمات محددة بسيطة: أنت تقبل النصح ? وأنا أتمنى لك أن تبقى مع الجماعة, الأفضل أن تبقى مع الجماعة بارك الله فيك, ثم راح يتحدث طويلاً عن الشيخ مرزوق حبنكة وعن أخوته المشهورة مع جدي الشيخ عبد الرزاق الحبش. ثم قام من مجلسه بين رفوف مكتباته الكثيرة وقال مازحاً: لا تعجبوا لكثرة الكتب في الرفوف: ثم ضحك وقال بتواضع فريد: وفي طاقاته كتب كبار …. مصففة ولكن ما قرأها!!‏
حين عاد كان في يمينه شريط كاسيت سجله بصوته يتضمن قصيدة من الشعر نظمها على هيئة شكوى وجواب شكوى وأهداها إلى حفيده عمار عند ولادته, وقرأ لنا بعض ما سطره في مقدمتها , ويمكنك من خلالها أن تتعرف على المستوى الأدبي الرفيع الذي كان يسيل به قلمه: هذه الأبيات كتبتها في حفيدي عمار وهي تشبه السبحة في عددها, ويزيد من عددها بيت متبنى وليس بابن لها فهي تمشي على استحياء وفي مشيتها قزل, وهيهات أن يبلغ الضالع شأو الضليع, أرجو أن تستقبلوها على عجرها وبجرها وتتحملوا سماعها وتغضوا عن هفواتها وتقيلوا عثراتها فهي نفثة نادمة على التفريط, وأنا معترف بالتقصير طالب مسك الختام. وفي الأبيات تخير لنا قوله:‏
وحاذر أن تُلِمَّ بكل شيء فتُفني العمر في طلب الشمولِ‏
ومَحِّصْ وانتق الأغلى مرداً فليس الدر كالصخر الثقيلِ‏
وإن وفقت في نهج فتابع وسر تواً لتسعد بالوصولِ‏
حين خرجت من داره كانت أفكار كثيرة تتقاذفني كيف تلقَّى الرجل مشروعي? من الواضح أنه لم يوافق على أفكاري ولكنه بالتالي لم يطلق أحكام التكفير والتفسيق والتشهير التي يحترفها تجار الدين, لقد تحدث بهدوء وترك لي مساحة أتأمل فيها طويلاً طويلاً.‏
ولا أخفيك أنها كانت ساعة دقيقة بكل المعايير فقد كنت على مفترق الطريق وكنت في إياس من الإصلاح بعد أن تلقيت سلسلة من المواقف المتشنجة جعلتني أقتنع أن مساحة الاختلاف المتاحة هي معدومة أو شبه معدومة وأن الخيار في المواجهة لا في المصانعة فليذهب الحوار إلى الجحيم وليأكل الفكر بعضه بعضاً والعاقبة للمتقين, ولا بد من جلجلة كجلجلة الحلاج ولو انتهت بك إلى خشب الصلب, ولكن الشيخ بهدوئه واتزانه دعاني إلى مراجعة كثير من الأفكار وأعانني على فهم نفسي من جديد وإدراك ما قد يكون بين المختلفين من وفاق على الرغم من ظاهر الخلاف:‏
رب قوم في طواف‏
حول ذي حسن يدق‏
يتجلى في اختلاف‏
وهو في الواقع حق‏
لقد أدركت هناك أن المسألة مسألة أخلاق, وأنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم, وأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية, ووجدت نفسي أقرب إلى هذا الإمام المتشدد من كثير من تيارات التجديد والتنوير التي ترفع راية الانفتاح ولكنها تتربص بكل مخالف فتبطش به بكل قسوة ولؤم.‏
ليست المسألة إذن في حوار الفكر ولكنها في ساحة الخلق, وأدب الاختلاف وتربية الحكمة والرحمة.‏
يومها فقط اقتنعت بأن مكاني بين الدعاة إلى الله ما زال محفوظاً وأن ما كابدته في هذا السبيل من المتشددين كان يمكن تجنبه لو كانت لنا مثل أخلاق هذا الرجل, وحين أعلن في جمعية علماء الشريعة عن انتخاب رئيس جديد, وعرض علي عدد منهم الترشح لهذا المنصب غدوت إليه أشرح له موقفي فقد كنت أعلم تأثيره على الخطباء والأئمة الذين كنت احتاج أصواتهم, ومع أن الرجل لا يعرف له نشاط انتخابي في أي وجه من الوجوه ولكنني حظيت بدعائه ومحبته وبالتالي ثقة الذين يتبعونه من العلماء في بلاد الشام وهم الذين شرفوني برئاسة جمعية العلماء (أرباب الشعائر الدينية).‏
إنني بكل أمانة مدين لهذا الرجل في بقائي في حقل الدعوة الإسلامية ولا أخفيك أن النفس كانت تنازعني في لحظات أليمة للرحيل من هذا الحقل كله والاكتفاء بالبحث العلمي, ولكن سعة صدره وحلمه وعقله وإشراقة الإيمان في وجهه (ومن حسنت صلاته بالليل أشرق وجهه بالنهار) كل ذلك أقنعني أن أزداد ثقة بالحقل الإسلامي, وأن أبقى في روضة العمل الإسلامي مع العاملين .‏
رحمك الله أيها الشيخ الجليل, لا أجد أوفى بك من اسمك الشريف, ولكل اسم من مسماه نصيب, وإن الله يحب الصادقين.‏
لتهنأ بك الشام أيها المجاهد وأنت تنضم إلى قافلة رجالها الخالدين, وستبقى في الخاطر رمزاً لتيار المحافظة والرشد الذي يحترم الناس ويحبهم وينصح لهم.‏
لقد رحل نقي الثوب قليل العيب, وأشهد الله أنه كان محباً لله ورسوله, ولا أجد لك منزلاً في الآخرة أولى من قول الرسول الأعظم: يحشر المرء مع من أحب.‏

Related posts

الدكتور محمد حبش- مونديال ألمانيا من مرصد إسلامي 30/6/2006

drmohammad

د.محمد حبش- التنوير في مواجهة التكفير 4/11/2006

drmohammad

د.محمد حبش- ماذا يفعل السوريون في أمريكا 2/6/2006

drmohammad

Leave a Comment