مقالات

د.محمد حبش- المرأة بين عفاف الشرق وتحرر الغرب 11/5/2007

على هامش زيارة الوفد النسائي البلجيكي

كانوا أكثر من ثلاثين سيدة فرنسية من الطبقة العليا في المجتمع، وقد جاؤوا في سياحة مبرورة كريمة تستحق كل ثناء، فإلى جانب مواقفهم السياسية المعلنة ضد الإرهاب فإنهن اصطحبن معهن قافلة كبيرة من المساعدات الإنسانية للاجئين في سوريا، وكذلك لرفع مستوى الفقر الذي تعاني منه الأحياء السورية الفقيرة اليوم.
حين دعيت إلى الحوار معهم يوم الأحد الماضي في مركز الدراسات الإسلامية لم أكن أتوقع من المرأة الفرنسية شيئاُ غير ما يقدمه لنا الإعلام الغربي عن المرأة الفرنسية التي هي عروس البارفان ودلوعة الشانزيليزيه، بدءاً من ماري أنطوانيت زوجة لويس السادس عشر التي اقترحت معالجة ثورة الشعب الجائع الثائر على إغلاق أفران الخبز بدعوة الشعب أن يأكل الكاتو، وهو لا يختلف كثيراً عن رهافة سيدة فرنسا بريجيت باردو وعطفها وشفقتها على الكلاب والقطط والخنازير وهي مشاعر رقيقة حساسة ولكنها للأسف لم تذكر كلمة واحدة عن المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الخيام والسجون والشراد منذ أكثر من نصف قرن! وهي صورة كرستها الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار في زيارتها لمصر حيث تحدثت عن حق المرأة في الانغماس في اللذة إلى الغاية وفق ما يشاء لها الهوى وترغبه الغرائز، وأن ما يسميه المجتمع بالعفاف ما هو إلا مكر من الذكور لاحتكار الأنثى!!.
ولكن الوفد الفرنسي القادم إلى دمشق من سيدات بلجيكا وفرنسا كان له هم آخر، وفوجئت هنا بالسيدة الفرنسية الجادة التي تشعر بعناء الحاضر ورهق المستقبل وتدرك جيداً أن السلوك المستهتر لا يمكن أن يقدم للأجيال قيماً أخلاقية، وهو نفس المعنى الذي قرره زبينيغو بريجنسكي حين قال إن المجتمع المنغمس في الشهوات لا يمكنه أن يصنع مثلاً أخلاقية.
كانت نظراتهن تتجه بحزم وتصميم إلى المرأة العربية الشرقية وإلى روح العفاف التي تمكنا بها من تحصين مجتمعاتنا، بالطبع لم تكن السيدات الباريسيات راغبات في استيراد العباءة الخليجية ولا النقاب الأفغاني ولكنهن لم يكن يخفين إعجابهن بالعفاف الإسلامي وما أنتجه ذلك العفاف من استقرار حقيقي في الأسرة في الشرق.
قلت لهن إن العفاف الذي تعيشه المرأة في الشرق ليس شيئاً موجهاً ضد نضالها التحرري، لقد انطلقت حركة تحرر المرأة في الشرق تاريخياً تحت ظل العمائم، وقد قام الشيخ عبد الحميد الكواكبي والإمام محمد عبده والمراغي وشلتوت ومحمد الغزالي بدور رئيسي وريادي في نهضة المرأة وتحررها، وواجهوا في كفاحهم عناء غير قليل من تيارات التشدد والتعصب في سبيل بناء مستقبل حقيقي للمرأة المسلمة.
كان سؤال السيدات الفرنسيات مفعماً بالأدب، يتصدره كلام في غاية اللباقة والأدب حول نجاح الإسلام في تحصين الأسرة وإعفافها، ولكن يظل السؤال التقليدي: لماذا تمنعون المرأة من المشاركة في الحياة والمثال الجاهز هنا هو حق المرأة في التصويت وفي قيادة السيارة وهو جدل شهدته بعض بلدان الخليج العربي ومن المؤكد أنه آيل إلى سقوط وزوال، ولا يمكن على الإطلاق أن يكون مظهراً للشريعة والحياة، وببساطة قلت لها سيدتي: أي مسؤولية أكبر؟ التصويت أم الترشيح؟ والجواب بالطبع الترشيح، وسألتها سيدتي أي المسؤوليات أكبر النيابة أم الوزارة، والجواب بالطبع الوزارة، وسألتها أي المسؤوليات أكبر الوزارة أم الرياسة، والجواب بالطبع الرياسة، وسألتها سيدتي أي المسؤوليات أكبر الرياسة أم النبوة؟ والجواب بالطبع النبوة وما يتصل بها من أمانة الوحي القادم من السماء وأحكام قيادة العالم إلى الهدى والنور، وببساطة يمكننا أن نلاحظ أن المرأة في الإسلام لم تصد عن منصب سياسي، وكانت في شخص عائشة أم المؤمنين تتزعم المعارضة وتقود الجيوش، ولم يتردد علماء كبار في الإسلام وأشهرهم ابن حزم والقرطبي وابن حجر في القول بأن عدداً من النساء بلغن رتبة النبوة، وعلى رأسهن يوحانذ أم موسى ومريم ابنة عمران!!
من المؤلم أن نطوف حول أوهام من التراث لا تتصل أبداً بقيم الإسلام الرائدة ثم نعتبر أن الإسلام مسؤول عن تجهيل المرأة وتغييبها من الحياة وإرغامها على الدخول في شرنقة العزلة عن الحياة والواقع؟
وسألتني بأمانة ما هو موقع الحجاب في الشريعة؟ وهو سؤال لا نمل من الإجابة عليه كل يوم، والجواب بالطبع أن الحجاب نعم أدب إسلامي رفيع، وهو شرط لمدارج الجنة في السماء، ولكن من البداهة أن نقول إنه ليس شرطاً لدخول الوطن على الأرض، والدولة لا تملك الحق في فرض الحجاب ولا تملك الحق في رفضه، ولا إكراه في الدين ولا إكراه في الصلاة ولا إكراه في الحجاب، وهي مسألة قناعات واتباع لا بد فيه من انتهاج سبيل الحوار والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
على الرغم من ذلك كله فإن بالإمكان أن نقول بثقة ويقين إن المرأة التي كانت في الثقافة الغربية تنازع من أجل حقوقها وتنتزعها انتزاعاً من كف الرجل بلغت هنا رتبة النبوة في الثقافة الدينية، وتصدرت حلقات العلم وأخذ عنها الأجيال من الفقهاء والعلماء، في وقت كان مجمع باسون عام 586 ميلادية ينعقد للجواب على سؤال هل المرأة إنسان؟ وهل لها روح إنسانية أم حيوانية؟ ومقررات مجمع باسون بالمناسبة لا تختلف كثيراً عن القرار الفرنسي الذي صدر في مطلع القرن الحادي والعشرين وفرض على المرأة شكل لباسها الذي يجب أن تلبسه وحرم عليها ارتداء الحجاب، وأظن أن التاريخ سيذكر القرارين متجاورين في سجل كفاح المرأة في وجه المظالم.
المرأة هنا في ظلال العفاف الإسلامي لم تمنع من المشاركة الحقيقية في الحياة، ولا يعرف العالم بأركانه الأربع قديسة تخفق لهها قلوب العالمين كالسيدة السورية العذراء مريم أم السيد المسيح عليها رضوان الله، وهي السيدة الطاهرة التي كسرت احتكار الرجال للإكليروس وتزعمت حركة إصلاحية هائلة داخل الهيكل، ولم تقبل أبداً التوقف عند حد: وليس الذكر كالأنثى، بل مدت يدها البيضاء إلى العالم لتقول للناس إن المرأة التي تهز سريرها بيمينها تهز العالم بيسراها.
لا يعرف العالم أيضاً ضريحاً لامرأة أكثر جلالاً وهيبة وزواراً من ضريح السيدة السورية الجبارة زينب الكبرى التي يؤم ضريحها في كل عام أكثر من أربعة ملايين زائر، وهي بكل تأكيد مأثرة دمشقية هائلة، ومن أجل عينيها قامت مدينة كاملة على أعتاب ضريحها يقارب سكانها مليون إنسان، يعيشون في كنفها وعلى رائحة ذكراها وهي تقدم لهم صورة المرأة الصادقة الجبارة التي وقفت في وجه الظلم والبغي تحصن الحقوق وتحمي الذمار.
إن المرأة في الشرق ليست استثناء من عناء الشرق الذي يعاني من الاحتلال والاستعمار والقهر، ولكنها في الواقع تمكنت من تجاوز كثير من رهق المظالم بفضل ارتباطها بالإسلام، وأعتقد أن إحياء رسالة المرأة في عصر النبوة هو أجدى ما تناضل المرأة لأجله في كفاحها التحرري.

Related posts

د.محمد حبش- الإسلام والخيار الديمقراطي 9/3/2007

drmohammad

د.محمد حبش- ويسألونك عن جرائم الشرف 7/11/2008

drmohammad

في أولمبياد طوكيو خطوة نحو الفطرة

drmohammad

Leave a Comment