مقالات

مساواة الأديان

Image default

مساواة الأديان

هل يسوغ هذا العنوان؟ الجواب للأسف الرفض في الأديان كلها، فهناك قدر من الاتفاق بين الجميع أننا نمتلك الحقيقة وأن الآخرين في ضلال مبين، وحين تصرح باعتقاد كهذا فإن عليك أنهم سيرفضونك في معابد الأديان، وقد لا تجد مكاناً في مقابرهم أيضاً.

ومع ذلك فيجب التحفظ على هذا التعميم فالأمر يختلف في الديانات الفيدية والصينية واليابانية حيث يمكنك التدين بعدة ديانات ويبدو الأمر تشاركاً في منابع المعرفة والثقافة الروحية، ولا يثير أي إشكال حيث تقوم العقيدة على المرونة وعدم الحسم واحترام الجميع.

الأديان رسالات السماء للأرض، والأصل في الأديان احترامها وتقدير أهلها، وهذا أمر بدهي، وهو مقتضى العقل والعدل والمساواة التي هي الجوهر العميق للأديان، وهو ما تؤكده نصوص كثيرة في القرآن الكريم، تكررت 14 مرة بعنوان: مصدقاً لما بين يديه،  توضح الصلة بين القرآن الكريم وبين الكتب الأولى، وأنها من مصدر واحد، وإن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى، وتؤكد أن في القرآن رسلاً قصصناهم عليك ورسلاً لم نقصصهم عليك، وأن لكل أمة رسول وكتاب، وأن الخير والبر محمود من كل إنسان، مهما كان دينه، وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين، ولا يظلمون نقيراً ولا يظلمون فتيلاً، وإن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.

ولكن الكارثة أنك ستُواجَه بسيل من الأدلة أن الازدراء والاحتقار للمشركين هو واجب ديني والتزام عقائدي، فالقرآن هو من قرر كفر النصارى بقوله: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وكذلك قوله: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، ثم نص بوضوح في المشركين أنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، وإنما المشركون نجس، وأنهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا، وأنهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت…. إلى آخر هذه القائمة الطويلة، التي لا تسمح باحترام المشركين، مهما ظهر منهم من لطف وعقل ولين.

وفي هذا السياق الهائج، انطلقت في السنوات الأخيرة قنوات متخصصة بفضح شركيات النصارى وبيان بؤس عقائدهم وضلالها، وهي تتلقى باستمرار دعماً من جهات ترغب في نشر الدعوة (الصحيحة) وكشف البدع والزيغ.

وفي مقابل ذلك تنطلق قنوات تلفزيونية شريرة، يقدمها كهنة محترفون تبث من مدن مجهولة وبعضها عائم في البحر على سفن غاشمة، وتتخصص في إهانة الإسلام واحتقار قيمه، وهي قنوات سوء وشر، وتشكل مع قنوات التحريض ضد النصارى سلسلة ظلمات بعضها فوق بعض.

ولا يمكن في الواقع فهم هذه الجرائم الأخيرة المتتالية في نيوزيلندا وباريس والنمسا إلا في سياق هذا التحريض الإجرامي الذي يمارسه كهنة وشيوخ ينشرون الكراهية والبغضاء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

إن المواجهة هنا في جوهر النص، وهي منازلة لا يمكن تأجيلها على الإطلاق، بعد أن صارت جوهر ما يقدمه التكفيريون ليس فقط في حوارات بلهاء، بل في ممارسات مباشرة، يسقط فيها عشرات الضحايا، ومن الواضح أنهم جاهزون لارتكاب المزيد.

لا يمكن تبرير هذه المواجهة الساخنة بالقفز فوق الكارثة، والاكتفاء باختيار نصوص الرحمة والاحسان، ثم دفن الرؤوس بالرمل بعد ذلك، وتجاهل ما يحمله التكفيريون من براهين مقابلة تعزز خطاب الكراهية والتمييز.

يبدو الدفاع عن مساواة الأديان واحترامها عملًا عابثًا، فكيف يمكنك أن تحول ظواهر هذه النصوص وهي في متن القرآن، ولها نظائرها في العهد القديم والجديد، ولا ينفع معها أي وجه من توهين الإسناد أو اتهام الرواة أو القول بضعف الرواية أو نكارتها ووهائها.

من المؤكد أن نصوص التسامح والغفران تعادل نصوص القسوة والشدة والتمييز، وربما تزيد عليها، وفي القرآن الكريم ذكرت معابد الأمم باحترام بالغ، وخص منها الصوامع والبيع واعتبر احترامها وحمايتها واجب الدولة المسلمة، “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبِيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا..”

وفي القرآن الكريم أيضًا ذُكر القسيسون والرهبان والأحبار والربانيون باحترام بالغ: “ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله…”

ويجب القول إن الثناء الوارد في القرآن الكريم على النصارى قد ورد على نصارى متمسكين بدينهم، وليس فقط أولئك الذين تحولوا إلى الإسلام، ولو كان المقصود هو من تحولوا للإسلام لجاءت الآية : لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا كنا نصارى، بل إن الآية قالت: إنا نصارى، ولجاءت الآية: ذلك بأن منهم صحابة ومهاجرين ومجاهدين، ولكن الآية صرحت: ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.

وفي القرآن الكريم ذكرت باحترام رسالات الأديان الأخرى التوراة والزبور والإنجيل: “إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، وآتينا داود زبورا، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أتزل الله فأولئك هم الفاسقون….”

من المؤلم أن نعترف بأن النص يقدم قراءات غير متطابقة حول الآخر، وفيه الاحترام وفيه الازدراء، وفيه الاعتراف والجحود، وفيه الأمر بالبطش والأمر بالإحسان. ولا يمكن الهرب من هذه الحقيقة إلا عبر اللجوء إلى النص القرآني المحوري الذي كرس حقيقة وجود المتشابه في القرآن الكريم، وهي آية خطيرة ومركزية، في صدر سورة آل عمران ونصها: “هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله”.

والصراحة القرآنية الواضحة بوجود المتشابه توجب القول بوضوح أن ما ورد في القرآن الكريم، من تحقير وازدراء، لا يشمل الأديان في جوهرها، وإنما يتصل بسلوكيات خاصة في أفراد مخصوصين، وأنه لا يجوز ان يكون حكمًا عامًا على كل مختلف في الدين.

لا أجهل أنني لا أستطيع الحسم في هذه القراءة المتعجلة، ولكنها تكفي لفتح طريق الانتقاء من النص المقدس، والاعتراف بأننا جميعًا انتقائيون، فالمسألة ليست مواجهة العقل والنقل، ولا مواجهة النص والاجتهاد، ولا مواجهة التفويض والفقه، إنها في العمق والحقيقة مواجهة النص للنص، والآية للآية، والحديث للحديث، ويجب الاعتراف دون تردد بأننا جميعًا انتقائيون.

وفي نص صريح ومباشر يدعو القرآن إلى انتقائية عاقلة: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب”، وفي نص آخر أشد وضوحاً: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم.

وفي الكتاب المقدس فنحن مدعوون أيضاً لتجاوز النصوص الكثيرة في العهد القديم التي أمرت بسحق المخالفين وإبادتهم وإفنائهم، ” يا موسى.. اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم وأصيرك شعباً عظيماً” والتحول بدلاً من ذلك إلى النصوص العامة الوافرة التي تأمر بوضوح بالإحسان إلى الجميع ومحبتهم، “لتكونوا أبناء أبيكم في السموات فإنه يشرق شمسه على الأبرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين، فإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم، بل أحبوا أعاءكم باركوا لاعنيكم وصلوا لأجل الذين يبغضونكم، وطوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون.

الانتقائية الإيجابية هي السبيل الوحيد للاختيار من هذا التاريخ، والعقول الرشيدة هي التي تتخير من هذا التاريخ ما يناسب الحاضر ويضيئه ويغنيه، أما تلك النصوص التي لا تخدم مقاصدَ الإسلام الكبرى من العدل والمساواة والرحمة والمحبة، فهي سياق تاريخي له ظروفه وتعقيداته، يحتمل النسخ أو التقييد أو التخصيص أو التأويل أو التشابه، وقد كان فقهاء الإسلام شجعاناً حين قرروا هذه الأبواب وأطلقوا عليها اسم شروط الاستدلال بالنص، وتحدثوا بشجاعة عن إعمال العقل في فهم النص، وبذلك يمكننا أن نحقق الانتقائية العاقلة ونحتفظ بالاحترام والقداسة للنص الديني، ونحيل ما لا يتسق مع الواقع ولا يحقق أغراض الشريعة في الإخاء إلى ظروف تاريخية غابرة، يتصل بالأمم الغابرة، يحكمها النص القرآني الحكيم الذي تكرر في صفحة واحدة مرتين بالحرفية ذاتها:  تلك أمة قد خلت،لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عمّا كانوا يعملون.

Related posts

د. محمد حبش- خطوة باتجاه التكامل بين الإسلام والديمقراطية7/1/2006

drmohammad

د.محمد حبش- في سبيل التنوير 30-12-2005

drmohammad

محمد الحبش- أهل الفترة ..قراءة على الشاطئ الإسكندنافي 17/3/2006

drmohammad