مقالات

أحرار .. لا زنادقة

دخل اللص إلى الدار فصاح الديك فاستيقظ الأب والإخوة وطاردوا اللص فأوثقوه وسلموه للشرطة فاعترف بمسروقاته وتم رد السرقات في القرية إلى أصحابها وفرح الجميع فقاموا بذبح الديك!
من المؤسف أن يكون قدر العالم أن من يوقظهم ويصحيهم فإنهم يذبحونه

وهكذا كان الأحرار خلال التاريخ إذا نادوا بإصلاح المجتمع ويقظته يواجهون جحافل التعصب والتزمت الرافضين لكل نور جديد

حتى الرسول نفسه وهو الصادق الأمين أحبوه صالحاً ولكنهم كرهوه مصلحاً، ولو بقي محض ناسك عابد لأغدقوا عليه ثناءهم، ولكنه ما إن تحول إلى ناقد مصلح حتى بدؤوا باتهامه وتخوينه وقتله معنوياً، وخلال عشر سنوات من الصدود انتهى الأمر بشيوخ مكة ورجال الدين فيها وأشد عوائلها تمسكاً وخدمة للبيت الحرام بأن الواجب الديني وشرف الكعبة يقتضي ان يذهب إلى دار محمد أربعون سيفاً من القبائل فيضربوا رأسه ضربة رجل واحد حتى يتفرق دمه بين القبائل

أكتب ذلك في أعقاب ما نشهده هذه الأيام من معارك الوهم البائسة حيث تشتد نزعات التخوين والاتهام في كل مكان، وحيث يتعين على من يحمل الجرس أن يسمع أطنان الشتائم في جو انفعالي صاخب عقب عشرية سوداء لا زلنا ننتقل فيها من فشل إلى فشل، وكذلك الأمم الفاشلة تسوء أخلاقها كما قال علم الاجتماع الكبير ابن خلدون

ولكن هل يستند هذا الصخب الهادر من الاتهامات والشتائم إلى أدلة من الشرع؟ وهل الشرع بالفعل قامع للاجتهاد والتفكير، معاد لكل رأي حر؟

لا أتردد في الجواب أبداً أن أدلة الشرع واضحة في النص على حق الإنسان في الرأي وحقه في التفكير ولو أدى به إلى خلاف ما يعتقده الآخرون، فكل مجتهد مأجور، ولا إكراه في الدين، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، ولست عليهم بمصيطر وما أرسلناك عليهم وكيلاً وما أرسناك عليهم حفيظاً

ولكن المشايخ يقولون: نعم، الاجتهاد مطلوب ومشروع ومأجور، ولكن يجب أن يصدر من أهله وبشرطه وفي محله، وإذا أرادوا الاستدلال على الاجتهاد المشروع نقلوا مسائل شكلية مثل أن المصلي حال القيام يعقد على كفيه عند الحنفية وعلى معصميه عند الشافعية وعلى ذراعيه عند الحنابلة ويسبل يديه عند المالكية… فهذا كله اجتهاد مشروع بالأدلة، وعلى هذا فقس، ومع ذلك فالسادة السلفية يرون هذا الاجتهاد ممنوعاً ويجب المصير إلى الدليل وأي رأي وراء الدليل عبث ومعصية

ولكن هذا اللون من الاجتهاد في الواقع لا يتصل بالحرية الفكرية في شيئ، وهو محض تأويلات لروايات متناثرة لا تزيد أن تكون محض فاكهة لفظية نجمل بها وعينا ونرضي غرورنا ونقنع أنفسنا أننا نمارس الرأي الحر، ولكن ذلك لا يتصل أبداً بذلك الأفق الكبير الذي منحه الله للمسلم من حق الاجتهاد والاختلاف عن الجمهور

الاجتهاد الحيوي هو ذلك الذي لا يعرف حدوداً على حرية الفكر، ويفتح الآفاق إلى الغاية، ومن الطبيعي تماماً أن يكون في الاجتهاد المأذون أن يقول فريق من المتحاورين إن الله موجود ويقول الآخر لا نرى ذلك، ويقول الأول القرآن من الله ويقول الآخر لا نرى ذلك، ويقول الأول النبي صاحب وحي ويقول الآخر لا نرى ذلك، ويتقدم كل فريق بما لديه من حجج وبراهين

إن هذا الموقف ليس بدعاً في التاريخ الإسلامي فقد عرفته الأمة بوضوح إبان عصر المجد الإسلامي وكلنا يذكر أبا حنيفة في حواراته مع الدهريين الذين كانوا ينكرون الخالق، ومع ذلك فحين كانت المناظرة تنتهي وينتصر أبو حنيفة كما نشتهي فإن الدهريين لا يساقون إلى السجون ولا يصفعون على أقفاءهم ولا يبصق عليهم المجتمع ولا يشتمهم السفهاء، بل كانوا يذهبون ليكتبوا كتباً جديدة، ويقدمون ردوداً أخرى، وكان الخلفاء مستعدين أن يدفعوا ثمن الكتاب الجيد وزنه ذهباً وقد دفعوا ذلك في كتب اليونان رغم أن معظمها في فلسفة الطبيعة وقدم العالم

وحتى لا نكون واهمين فهذه مثلاً خمسة قضايا نسبت إلى أكبر أعلام الإسلام شهرة واحتراماً

  • القول بقدم العالم وأن العالم لا أول له
  • القول بأن الجنة والنار مجاز لا حقيقة
  • القول بأن حجاب المراة أدب كريم وليس فرضاً ملزماً
  • القول بأن الوحي كسبي وهو لون عالٍ من الإشراق
  • القول بأن كل مجتهد مأجور حتى لو اختار ديناً غير الإسلام

فهذه المسائل الخمسة التي تبدو لنا اليوم كفراً بواحاً، تثير غضب رجال الدين ويطالبون الحكام المستبدين بالضرب بيد من حديد على قائليها دفاعاً عن الإسلام لم تكن كذلك في عصر الإسلام الذهبي، وكانت تنسب إلى أصحابها بدقة وأمانة وفيهم الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة وابن طفيل والكندي والرازي، ومع أن هؤلاء نالوا نصيباً كبيراً من التكفير والاتهام والتهديد من الغوغاء، ولكنهم نالوا احتراماً كبيراً من النخب الثقافية والعلمية والسياسية أيضاً وكانوا وزراء وقضاة على غاية من الاحترام

وكانت هذه الأفكار التي نظنها اليوم كفراً محض آراء اجتهادية محترمة يدرسها طلبة العلم الشرعي في درس المنطق وينسبونها لقائليها باحترام، ويردون على أصحابها بالبرهان دون أن تسمع ما تسمعه اليوم من قولهم: قال المجرم وافترى الدجال الكذاب، وقال عدو الله والإسلام، وهلكت الكافرة الفاجرة، وغير ذلك من الشتائم التي لا تليق بأي أمة متحضرة والتي هي إلى ممارسات القمع والجاهلية أقرب منها إلى هدى الحرية والإسلام

وهذا الموقف ليس بدعاً في القرآن الكريم فقد قدم لنا القرآن الكريم عدداً من النماذج المتقدمة في فقه الحوارفكان يقول دوماً قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وكان لا يزعم امتلاك الحقيقة بل يقول: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، فقد نصب منصة لمحاوريه تتساوى مع منصته، ولم يصادر على الحقيقة، بل أشار إلى احتمال أن يكون خصومه على صواب! وفي حوار آخر كان أكثر ديمقراطية في الحوار وقال: قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما كنتم تعملون، فوصف أفعالهم بقوله تعملون، ووصف فعله بقوله: أجرمنا

وفي المهرجان السماوي الأشهر الذي ذكره القرآن الكريم عشرين مرة حين خلق الله آدم وأمر الملائكة بالسجود برز من الملائكة إبليس ورفض الأمر الإلهي، وبرر اختلافه بصراحة ووضوح أما خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، ولكن الله لم يأمر بسحق إبليس ومحوه من الوجود وهو على ذلك قدير، لقد استمع إليه وأجاب طلبه ومنحه ما أراد من زمن ووسائل، وتركه يمارس خطته المناقضة تماماً لخطة الله، ودعا الناس إلى ممارسة مسؤولياتهم في الوقاية من الشيطان ولم يستخدم القمع والإبادة وقد كان على ذلك قديراً وما ذلك عليه بعزيز

وهذا الأفق القرآني الحكيم حمل عدداً من فلاسفة الإسلام وعلى رأسهم الجاحظ والحسين بن عبد الله العنبري إلى القول بصراحة ووضوح كل مجتهد مأجور ولو أوصله اجتهاده وبحثه إلى دين غير ديننا وإلى شرع غير شرعنا

مؤسف اننا نملك قرآناً بهذا الوضوح، وتاريخاً بهذه الحرية والمسؤولية والاحترام، ولكننا نترك كل ما فيه من قيم الحوار والاختلاف ونمارس ضد الرأي الآخر أبشع الشتائم على المختلف في شكله وصورته وقضاء الله وقدره فيه، في خطاب انفعالي هائج يفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاق

من المؤلم ان شعبنا لا يزال يريد من النخب الفكرية أن تقدم ما يطلبه الجمهور، أما أولئك الذين يكتبون ليوقظوا الناس ويبعثوا في العقول الإرادة، ويمنحوا الناس فضاء الحرية في الفكر فتطالهم سهام الزندقة والتكفير، ويتم اعتبارهم وتصنيفهم أعداء لله ولرسوله، وتتحول ذكراهم إلى مباريات في الشتائم الرخيصة تظهر أسوأ ما فينا من أخلاق وتكفر بالاختلاف والتنوع والرأي الآخر

لن تتقدم هذه الأمة إلا حينما تؤمن بحق الاختلاف وتحترم المختلف، وتمارس النقد الجريء لكل ثوابتها بوعي وبصيرة، وتنطلق نحو المستقبل

قد يكون الماضي مقدساً وقد لا يكون…. ولكن المستقبل هو ما يجب أن يكون مقدساً لكل أمة تريد الحياة

Related posts

د. محمد الحبش- لبنان أرض الإيمان… بين التاريخ والحاضر 25/8/2006

drmohammad

د.محمد حبش- في سبيل الله والمستضعفين في الأرض

drmohammad

هل الحضارة مخدرات ودعارة

drmohammad