مقالات

قاسيون وأكروبولس .. الشام الشريف.. ومجد أثينا…11/8/2006

مدير مركز الدراسات الاسلامية

مع أن اختيار أثينا بالذات مقراً للنادي الديمقراطي للشرق الأوسط يبدو المعنى واضحاً إذ يدرك الدارسون أن أثينا
هي أول ديمقراطية في هذا العالم بالمعنى الفلسفي للكلمة ولكن لم يشر أحد من المجتمعين في هذا اللقاء الدولي الحاشد إلى معنى انعقاد الدورة في أثينا وكان واضحاً أن الأحداث في الشرق الأوسط أعنف من أن تترك لنا فرصة للتأمل, ومع ذلك فها أنا لا أملك أن أحرر مقالي الأسبوعي دون الوقوف على أطلال أثينا كأفق واعد للديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط.‏
حين تتجول في أثينا فإن وجوه الناس ترسم لك صورة الفخر بالمجد والتاريخ الذي كرسه الآباء اليونانيون بدءا من زولون وصوفوكليس وأبقراط إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو, ومع أن سقراط وأفلاطون لايحظيان بأي وسامة, وعلى حد وصف ول ديورانت فإن وجه سقراط أشبه برأس عتال منه برأس أعظم الفلاسفة, ولكن مجد الرجل حاضر في كل مكان, في الساحات والأيقونات والميداليات ومداخل الجامعات وساحات الوطن, مع أن إنجازه العلمي أصبح في مهب الريح وعصفت به ثلاث عواصف عاتيات, بمجاديف كوبر نيكوس ونيوتن ونيتشه فجعلته كالعصف المأكول, ولكن مجده وخلوده يرتسم في كل شيء هنا في أثينا, ومع أن المثقف اليوناني لا يجهل ذلك ولكنه ما زال مقتنعاً بأن مكان هؤلاء الآباء في مهرجان الآلهة مقام محفوظ, ولا معنى لأثينا دون سقراط, وهو مسؤولية الوطن كله في الدفاع عن تاريخه وحضارته, كل شيء هنا ينطق بمجد الإنسان وهيبته وخلوده, ويرسم صورة قدرة العقل على فرض احترامه في كل مكان في العالم.‏
على هضبة الأكروبولس التي تطل على أثينا كما يطل قاسيون على دمشق, يمكنك أن تفهم مجد الإنسان, لم يكن لدى هذه الجزر اليونانية التي تزيد عن ألفي جزيرة رصيد من النفط والغاز يجعل احتياجات الكبار وافرة إليها, ولا كانت فيها مناجم الذهب والفضة التي تقتتل عليها الأباطرة, لقد كانت تمتلك فقط العقل والفكر والتأمل, ورغم طموح الإسكندر الهائل فإن مجد أثينا لم يتبوأ مكانه في العالم إلا عبر رسالة العقل وحده, وقد مات الاسكندر وبقي أرسطو, وحارب الناس جيوش الاسكندر ولكنهم تتلمذو على منطق أرسطو, وتحرك العقل اليوناني ليعبر البحار والجبال والحضارات ويستقر في كل ثقافة جدية في الأرض ميزاناً توزن به الأفكار والقيم, ولمدة عشرين قرناً لا يمكن للعالم أن يتأمل أو يفكر إلا وهو يطوف بخاطره مشهد الفلاسفة المشائين الذين كانوا يجرون أثوابهم خلفهم ويلقون مواعظهم.‏
ومع أننا اليوم في عصر العلم والمعرفة وحقوق الإنسان, الذي قرر المساواة المطلقة بين البشر ومنع التفاضل بالزمان والمكان والأحساب والآباء بين البشر, ولكن من المستحيل أن تجد يونانياً لا يفاخر بأجداده الفلاسفة العظام, ولا يدافع عن مجد أثينا كأم للفلسفة والحكمة في الأرض.‏
ولكن ماذا لو ظهر تيار سياسي في اليونان يختصر مشروعه بالكفر بتراث الفلسفة والحكمة واحتقار حكماء أثينا?‏
هنا يمكنك أن تدرك ما معنى أن تكون سورية أرض الشام الشريف أو سورية المقدسة ولماذا نصر على استدعاء أيام الحضارة الإسلامية من التاريخ, ونرسم على عملتنا الوطنية مشهد الجامع الأموي, حتى نتهم بأننا نتحنط في التاريخ, ولكن أود القول لأصدقائنا من عتاة العلمانيين الذين يصرون على تجاوز رسالة الدين في الحياة ويرون في وجودنا هنا على صفحات الثورة مجاملة غير مبررة يقوم بها النظام الثوري التقدمي العربي للتيار التقليدي, ولو لم تكن هذه الصحيفة الحكومية الوقورة رسمية لذكرت هنا أسماء بعض عتاة العلمانيين الذين ينتقدون حضورنا الإعلامي في مؤسسات الوطن, ولكن الإشارة تغني عن العبارة, وأقول هنا بأمانة لو أن حزباً ما نشأ في اليونان على أرضية التنكر للفلسفة اليونانية وازدراء فلاسفتها واحتقارهم , وتبخيس أقدارهم وتفنيد أخطائهم العلمية المتعددة, وهي حقيقة لا سبيل لإنكارها في القرن الحادي والعشرين, وبالتالي تحميلهم وزر تخلف اليونان عن ركب الحضارة العالمية اليوم, والمطالبة بأمركة البلد وفق منطق الماكدونالد والكوكاكولا بعيداً عن أوهام التاريخ وعجرفته??‏
هل سيحظى تيار مثل هذا بأي احترام في المشهد الثقافي والسياسي في اليونان?وكيف سينظر إليه اليوناني المرتبط بأرضه وتاريخه أياً كان موقعه الفكري أو الأيديولوجي?‏
أياً كان رأينا من المذاهب الإسلامية خلال التاريخ, ومهما كان توجهنا حداثياً وتقدمياً وتنويرياً فإن علينا الاعتراف في هذه اللحظة التاريخية بالذات أن الأمة وهي تواجه أعتى تحد لها في التاريخ من خلال آلة الحرب الجبارة المدفوعة أمريكياً ومن ورائها مواقف شريرة, فإن وجه المقاومة الذي يتحدى هذه الأقدار هو وجه إسلامي بامتياز, وإذ يطل فيه وجه المقاومة بالعمامة السوداء التي تشير إلى أهل بيت النبوة فإن سائر الشرفاء في المنطقة من مسلمين ومسيحيين , ومن أصوليين وعلمانيين, ومن سنة وشيعة, ومن تقليديين وحداثيين لا يمكنهم إلا أن يرفعوا الجبين عالياً بوجه المقاومة الصارم المجلل بالعمامة الطاهرة إكليل غار ومجد, وهو يرسم التمسك بالأرض والجذور في مقاومة طوفان الشر الحاقد.‏
ليس بدعاً في تاريخ المنطقة , وليس غريباً في تاريخ لبنان أن تكون صقور جبل عامل في موقع الأمانة التاريخية لمجد بلاد الشام الشريف, فهذا هو شكل الشام الشريف منذ فجر عصر الأنبياء إلى الفتح الإسلامي إلى شهداء التحرير البواسل في جنوب لبنان, إنهم مرة أخرى يخطون بذؤابة العمامة ما سبق أن أنجزته للحضارة الإنسانية طلائع الإيمان في حقل التنمية والتربية والجهاد.‏
قال إقبال:‏
كل من أهمل ذاتيته فهو أولى الناس طراً بالفناء‏
لن يرى في الدهر قوميته كل من قلد عيش الغرباء‏

Related posts

كفتارو…رسالة إخاء الأديان

drmohammad

العلماني والإسلامي في سوريا الجديدة

drmohammad

ماكرون وأردوغان – الصراع في ثوب العقيدة

drmohammad

Leave a Comment