مقالات

د.محمد حبش- لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني 1/12/2006

ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك

كانت الأنظار قبل أربعين يوماً تتجه في العالم كله إلى مكة المكرمة حيث سيتم بعد صلاة التراويح وثيقة إنهاء القتال بين المتحاربين في العراق وذلك في أقدس مكان وأقدس زمان وأقدس رسالة، في حماية الروح الإنسانية التي نفحها الله، وذلك على أرض مكة المكرمة وفي الحرم الشريف وفي واحدة من ليالي القدر!!!
لا يوجد في الإسلام أقدس من هذا زماناً ومكاناً وقصداً وغاية، فالكعبة أشرف الأرض، وليلة القدر أشرف الليالي، والرسالة التي نذر القادمون أنفسهم لها أشرف الغايات، وقد استنفذت منظمة المؤتمر الإسلامي كل ما يخطر ببالك في الشكل والمضمون لترتيب قدسية غامرة وجلال لائق بوثيقة الصلح هذه، حيث ستعلق على باب الكعبة، وسيرى المؤمنون الذين احتشدوا بالملايين في الحرم الشريف، وبمئات الملايين على الشاشات الفضائية، مشهد العناق والمصالحة والمسامحة بين أطراف الحرب في العراق، حيث نقل التلفزيون السعودي أبلغ خطابات الوحدة والجماعة، دبجها فرسان بلاغة لا يشق لهم غبار، وعهد بتلاوة الوثيقة إلى أبلغ خطباء العرب، لتكون واحدة من روائع جمهرة الأدب العربي، وتحدث السني في فضل أهل البيت وتحدث الشيعي في فضل الصحابة، وكرر الخطباء منطق العقل: لنتعاون فيما اتفقنا فيه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، واكتمل المشهد لتكتحل به عيون المؤمنين، والتقطت الكاميرات مشاهد العناق بين العمامة البيضاء والعمامة السوداء، وكان الله على أوثق ما في هذا العهد وأبره وأكرمه، ومضى المتفائلون يسمونه عام الوحدة والجماعة، وتذاكروا وفاق قريش وثقيف، ووفاق الأوس والخزرج على يد الرسول الأكرم، بعد أكثر من مائة عام من الحروب!!
ولكن هذه الآمال عصفت بها رياح الظنون حين عجزت فضائيات العرب أن تقدم نشرة أخبار واحدة بدون قتل جديد على أرض العراق!! ومجازر تدفع شهداء يحملون على مراكب النعوش كل يوم، ورؤوس مقطوعة، وجثث مشوهة، ومخطوفون لا يعرف الجن الأزرق عنهم خبراً، وبعد شهر من العناء والدماء وروائح الموت الرهيبة والذبح الطائفي المجنون والقصف بالهاون والأربي جيه والصواريخ العمياء التي لا تصيب إلا الأبرياء، أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية أن هذا الشهر كان أكثر الشهور دموية في العراق حيث قتل ما يزيد على 3270 عراقياً!! وهو رقم يقتصر على أسماء الضحايا الذين سقطوا أمام عدسات الكاميرات فقط، والذين تمكن المراسلون النشطاء من متابعتهم، ولكن العدد الأكبر من الضحايا لم ترصده كاميرا الجزيرة ولا العربية ولا ما يحزنون، فالموت الذي يقع في القرى والبراري ويوارى في مقابر الموت لا تطاله كاميرات الفضائيات مهما كان مراسلوها شجعاناً وباسلين، وعليهم أن يكتفوا بما يرشح من معلومات حول الفنادق المحصنة التي يقيمون بها خوفاً من مصير كمصير الشهيدة أطوار بهجت، فالعمر ليس (بَعْزَءَة) وهم ليسوا مجانين، وهكذا فإن الرقم سيتضاعف بكل تأكيد مرات كثيرة، ولست أدري بأي حنجرة سيصرخ العالم عندما يدرك هول الكارثة كما هي في الصورة التي لا يعقلها إلا العالمون؟
أي هول هذا الذي يقف بك أمام الكارثة، وكأنما كان غرض اللقاء الروحي الدافئ في مكة إذكاء مزيد من الحماس على طاحونة القتل المستعرة والتي لم تتوقف أبداً!!.
فهل كانت العرب أيام داحس والغبراء وحرب البسوس أعرف بحرمة البيت وحرمة دم الإنسان من عرب اليوم؟ وهل نحتاج في وعينا بحرمة البيت إلى دروس من عرب الجاهلية الذين كانوا يعدون الرزق بالسيف أشرف المكاسب، ومع ذلك فقد كانوا ينصتون لهيبة الشهر الحرام والبلد الحرام، حتى كان العربي يرى قاتل أبيه في الشهر الحرام فلا يمسه بسوء حرمة للشهر العظيم؟ وهل كان أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد أحرص على الدم العربي من حارث الضاري ومن مقتدى الصدر؟ ولماذا غاب الرجلان عن مكة؟ وهل سيكتب لنا في نهاية الأمر أن نأخذ أوسكار النفاق العالمي جزاء وفاقاً لقبلاتنا الحارة الدافئة التي سرعان ما تتحول إلى حكاية غدر ومآثم!!
أسئلة كثيرة لا جواب عليها، ربما كان من المنطقي القول إن الذين حضروا إلى وثيقة مكة ليسوا هم أولئك الذين يفخِّخون أو يفخَّخون، وإن آمر النار في هذه الحرب المجنونة ليس له علاقة بخطاب الرشد والحكمة، وهو غير راغب بحضور هكذا مهرجانات فهو كل يوم في شأن، ولديه شغل كثير في معامل الصاج يفخخ مزيداً من السيارات ويعدها للموت المحتوم، ولا يحب أن يترك عمل اليوم للغد!! ومهما كانت وجوه المؤتمرين صبوحة وكريمة ولكنها لا تطعم خبزاً ولا تنجز ثروة تقنع تاجر الموت!!.
قد تكون هناك أجوبة كثيرة، ولا ريب في أن كل ما يجري هو نتيجة الاحتلال ولكن الاحتلال لم يكن له أن يمضي بمشروع الموت هذا لو لم نوفر له الأدوات الساذجة البلهاء التي ترتكب الموت في الأبرياء وتحتسبه عند الله جهاداً، ولا يوجد رسالة أشرف في الضمير الإنساني أقدس من نشر الوعي بالحجة والبرهان للتفريق بين الجهاد في سبيل الرحمن وبين الفتنة في سبيل الشيطان، وأن الوعي وحده يمكنه أن يجنب البلد جنون الحرب الأهلية، ويفرق بين رسالة الجهاد ووبال الفتنة، ويشرح لك متى يكون سل السيف جهاداً ومتى يكون غمده جهاداً، فالشريعة التي كلفتنا بمشقة النفس سل السيف لقتال البغاة والمعتدين، وكتب عليكم القتال وهو كره لكم، هي نفسها الشريعة التي كلفتك أن تكسر السيف يوم الفتنة، لئلا تكون وقوداً جديداً لنار الكراهية في الأرض.
إنها حقيقة من البداهة بمكان، ولكنني أعتقد أن ترك القتال في الفتن قد يكون أقسى من اقتحام المعركة يوم الجهاد، وهي حقائق أترك شرحها هنا للنبي الأكرم  : إنها ستكون فتنة يكون المضطجع فيها خيرا من الجالس والجالس خيرا من القائم والقائم خيرا من الماشي والماشي خيرا من الساعي قال يا رسول الله ما تأمرني قال من كانت له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال فمن لم يكن له شيء من ذلك قال فليعمد إلى سيفه فليضرب بحده على حرة ثم لينجو ما استطاع النجاء.
وفي رواية أخرى قال: إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من الساعي فكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم، ثم تلا قول الله سبحانه: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين!!
من المؤكد أن هذا اللون من الخطاب لن يمر بدون نقد، وسيبدو لبعض الناس تماهياً في الاستخذاء وربما فراراً من الزحف، وسيتم تفسيره على أنه سذاجة سياسية، وربما مؤامرة لتمرير مشاريع التقسيم والتفتيت، وطرح الوهن في عزيمة أتباع المذهب أو الطائفة، ولكن قراءة في العمق لخطاب النبي الأكرم تجعلك تدرك أنه لون من أشرف الجهاد الذي جاء به الكتاب وأكدته السنة المطهرة، ولا أشك أبداً أن حمام الدم العراقي الذي انفجر في العراق لن يندمل بصيحات مثل: هيهات منا الذلة، ويا لثارات الحسين!! ولا بشعارات من مثل: تقحَّم لعنت أزيز الرصاص وجرب من الموت ما يقسم!! وسيمضي القتل يجر القتل حتى تنثلم السيوف وتفرغ المخازن، وهو ما لن يسمح به المحتل أبداً، فالقوم أسخياء باذلون، وخزائنهم ملأى بصناعة الموت، وسينفقون من موازناتهم لتبقى شعلة الموت موقودة، وسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ولن يحسم أمر الدم في العراق إلا حين نملك الجرأة والإرادة لتطبيق مذهب ابن آدم الأول، قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أرأيت إن دخل علي بيتي وبسط يده ليقتلني قال فقال رسول الله  كن كخير ابني آدم وتلا يزيد ” لئن بسطت إلي يدك: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين.
يا سامعين الصوت… إن الإمعان في قاعدة: العين بالعين سيجعل الجميع عمياناً!!!.

Related posts

الفائض الحضاري ينتج فائضاً أخلاقياً

drmohammad

د.محمد حبش- فرصتك للخلاص من التدخين 29/9/2006

drmohammad

الطب النبوي بين المعرفة والعجائب

drmohammad

Leave a Comment