Uncategorized

رمضانيات-المحاريب الخمسة-د.محمد حبش-نشرت 2010

رمضانيات-المحاريب الخمسة

وللأموي حكاية أخرى في محاريبه الخمسة فقد انفرد الأموي بين سائر مساجد الدنيا بأنه المسجد ذو المحاريب المتعددة، وقد كان هذا المعنى يثير حيرتي، ولم أكن أرى فيه إلا ظاهرة فرقة وخصام، ولكنني مدين في تصحيح هذه الصورة للشيخ الجليل بشير الباني الذي ودعناه قبل سنين وهو على أعتاب المائة عام، فحين سألته في نزق عن معنى وجود أربعة محاريب في الجامع الأموي؟ قال لي بهدوء وابتسامة: إنها ليست كذلك أيها العزيز، إنها أولاً خمسة محاريب وليست أربعة، فهناك محراب الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية داخل المسجد وهناك محراب زين العابدين في مشهد رأي س الحسين داخل المسجد الأموي، وهذه المحاريب في الحقيقة بعكس ما ترى ظاهرة وحدة وجماعة، ومظهر اعتراف واضح بالآخر في الإسلام، وهكذا فقد كان هنا يقرأ علم أبي حنيفة وهنا يقرأ علم الشافعي وهنا يقرأ علم مالك وهناك يقرأ علم أحمد وفي المشهد يقرأ علم جعفر الصادق، إنهم يتجاورون ويتزاورون ويتكاملون، ويعملون معاً فيما اتفقوا فيه ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه، فإذا أقيمت الصلاة كانوا يجتمعون في صف واحد خلف إمام واحد يتوجهون إلى قبلة واحدة ويعبدون ربا واحداً.
إنها صورة واضحة لمعنى التوحد في ظلال الاختلاف، وهي تأكيد للخلاف الإيجابي الذي يعكس ثراء الفقه ونضجه وتسامحه، حيث يتم في المسجد الواحد الفتيا بآراء الأئمة الخمسة، وقراءة كتبهم والانتفاع بها على الرغم ما بين هذه المذاهب من اختلاف في الأصول والفروع.
إنه منطق العقل والحكمة، والإخاء والتسامح، وهو اللغة التي سادت الخطاب الإسلامي عبر التاريخ، زكان الفقه الشافعي يقول الرأي عندنا كذا وعند السادة الحنفية بخلافه وكان الفقيه المالكي يقول الرأي عندنا كذا وعند السادة الجعفرية بخلافه، وأدرك الجميع أن روح الإسلام تتسع للكل في روضة محبة وتسامح وقرة قلب.
قبل سنين سألني مستشرق ياباني كان يدرس في دمشق: لم لم تتفقوا على مذهب واحد؟ وما معنى أن تكونوا أربعة مذاهب في البد الواحدة، قلت له سأجيبك في الغد، وفي اليوم التالي اصطحبته إلى جامع الحنابلة في حي الصالحية بدمشق، وبعد صلاة العصر شهدنا حلقة علم كانت فيه، وباردته بالتذكير بسؤاله، ثم قلت له: يا عزيزي الإمام الذي صلى بنا كان حنفياً والمقتدون شوافعة والمدرس مالكي المذهب واسم المسجد جامع الحنابلة!! فهل شعرت أنك أمام أي خصام؟
كنا نبتسم قرب جامع الحنابلة حين وصلنا إلى مسجد زين العابدين ذكرى جعفر الصادق في حي الصالحية وشربنا من الماء العذب المسبل على أطرافه فكان تتمة الحكاية الكريمة، قلت له وهو يبتسم : أيها الصديق.. أليست بوارق الحقائق تنبع من مصادمة الأفكار

Related posts

د.محمد حبش-فرنسيس فاندرلخت أيقونة للسلام بين السوريين

drmohammad

د.محمد حبش- قراءة في سفراء النبي صلى الله عليه وسلم وقت السلم

drmohammad

د.محمد حبش-حوار من نار

drmohammad

Leave a Comment