مقالات

د.محمد حبش- عروبة الأنبياء… رسالة نور للعالم بلسان عربي مبين 2008

لا خلاف أن النبي الكريم محمد كان أفصح من نطق بالضاد ، وقد أوتي جوامع المكلم وزويت له الأرض واختصر ت له الحكمة، وبسط للعرب مكانهم تحت الشمس في كل مكان في الأرض، ولكن هل كانت هذه الرسالة من خصائص النبوة الخاتمة وهل كانت قوافل الأنبياء غير معنية باللسان العربي المبين؟
عادة ما نقرأ كفاح الأنبياء على أنه جهاد للدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك والرذيلة وهو كذلك، ولكن جانباً آخر حضارياً في رسالة الأنبياء يتصل بدورهم التاريخي في حماية التراث الإنساني ، والعربي بوجه خاص، والسعي لخدمة العالم من خلال تحقيق حلم الحكماء القديم وهو قيام لغة واحد في الأرض يتواصل بها الناس، وهو ما حققته الحضارة الإسلامية لأكثر من سبعة قرون يوم كانت اللغة العربية هي لغة المعرفة والثقافة في العالم ولغة الحكمة والعلم التي كتبت بها الإبداعات الثقافية في العالم من بخارى إلى الرباط ومن اليمن إلى قازان ومن طشقند إلى دهلي.
منذ عقود بعيدة تسيطر على الثقافة العالمية فكرة شائعة تنص على أن العرب أمة طارئة في الهلال الخصيب وأنها في الواقع نزلت في هذا الهلال الخصيب على أعقاب الشعوب السامية التي سكنت هذه المنطقة زمناً ثم غلب عليها الفتح الإسلامي الذي جاء بالعرب إلى المنطقة وبوأهم قيادتها، وبشكل تلقائي برزت الحضارة العربية وغابت الحضارات الأخرى التي كانت شائعة في المنطقة زمناً بعيداً.
كان الأنبياء الكرام بعد نوح من وجهة نظري أبطالاً عرباً قاموا بواجبهم الحضاري والأخلاقي في حماية الحضارة، وكانوا رصيداً هائلاً للحس القومي العربي، ونشر قيم العدالة والخير والحب في الأرض.
هل للأنبياء رسالة قومية إلى جانب رسالتهم الدينية والتربوية؟ ومن أي شعب جاء الأنبياء؟
إن القاعدة التي ننطلق منها لتوكيد حقيقة عروبة الأنبياء هي أن الشعوب التي سكنت هذه المنطقة من الأرض كانت شعوباً عربية منذ فجر التاريخ وأنها تعرضت لاستعمار يوناني ورومي دام نحو ثلاثة عشر قرناً وكرس حالة غربة عن الثقافة العربية ومحاولة طمس ثقافي عبر تكريس للهجات المحلية على أنها لغات مستقلة، لا تنتمي إلى العربية في شيء!!
وهذا القدر من المسألة صار محل اتفاق تقريباً بين مؤرخي العربية بعد الكشوف التاريخية الأخيرة التي أثبتت بشكل قاطع ترابط هذه اللهجات باللغة العربية الأم وهو خلاف ما عمه المستشرقون طيلة قرنين من الزمان وأكثر.
الأنبياء الكرام إذن ونقصد تحديداً الأنبياء المذكورين في القرآن كانوا عرباً يتحدثون بلسان قومهم العرب، ويروي القرآن كلامهم وحكمتهم بلسان عربي مبين ونحن نجتهد في فهم الإعجاز القرآني الحكيم من خلال كلام الأنبياء كما يورده القرآن، وهو يؤكد أن الأنبياء جميعا استخدموا اللغة العربية لأنها لغة الناس في المنطقة ولأنها لغة الوحي الأمين
ولكن لماذا تلقينا على مقاعد الدرس أن الأنبياء كلهم كانوا عجماً؟ وأن العرب منهم لا يزيدون عن أربعة وهم هود وشعيب وصالح ومحمد عليهم الصلاة والسلام؟.
وفي الواقع فإن تقرير هذه المسألة كان يحظى برضا العلماء في الإسلام رعاية لحامل موضوعي آخر وهو أن العرب لم يمارسوا احتكار الغيب ، وأن القرآن الكريم بما هو رسالة للعالمين لم يشأ أن ينحصر في إطار الأمة العربية وإنما تعدى ذلك إلى سائر الشعوب.
واستناداً إلى فكرة عالمية الإسلام التي تحظى بقبول كبير في معارفنا فقد تم قبول فكرة عجمة الأنبياء والدفاع عنها أيضاً على أساس أنها براءة للإسلام من المغزى العنصري والقومي.
ولكن الروايات التي نقلها السلف عن أهل الكتاب ذهبت إلى أن ثمانية عشر نبياً من أصل خمسة وعشرين نبياً ذكروا في القرآن كانوا من بني إسرائيل، وهذا يطرح بداهة السؤال الآتي: ما الذي ينفع فكرة العالمية حين يكون 80% من الأنبياء من بني إسرائيل، وهم ليسوا إلا أسرة واحدة من آلاف الأٍسر التي كانت تسكن المنطقة قبل أكثر من ألفي عام ؟؟؟

ويزداد الأمر إلحاحاً عندما تدرك بداهة أن لازم هذه النتيجة إنما هو أن المنطقة التي بعث بها هؤلاء الأنبياء لم تكن عربية حيث بعث فيها أنبياء غير عرب، وذلك يقتضي أنهم بعثوا إلى شعوب غير عربية، فإذا علمت أن مبعث سائر الأنبياء منذ إبراهيم كان ما بين العراق ومصر علمت أن النتيجة البدهية أن العراق وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن ومصر كانت أرضاً غير عربية، وأسوأ من ذلك أن تدرك أن ثمانية عشر نبياً يهودياً بعثوا ما بين الفرات والنيل في منطق يضعك مباشرة أمام فكرة تهويد المنطقة بأسرها!!!
إنني أعتقد هنا بوضوح أن هذه الفكرة ليست إلا نتيجة مباشرة لعمليات الاستلاب الثقافي التي لم تتوقف عبر التاريخ، وعلينا أن نواجه هذه الحقيقة بشجاعة وجرأة وأن نتقدم بالحلول العلمية لهذه المشكلات وتقديم أجوبة صحيحة للجيل الجديد.
إن سلفنا الصالح كان أكثر جرأة منا عندما واجه هذه الحقيقة بجرأة ووعي وأعلن عن المشكلة في إطار كبير تحت عنوان الإسرائيليات، وتعامل بشجاعة مع هذه الظاهرة رجالاً وأساليب ووسائل ، وأمكنه أن يضع الحلول التي لم تكن دائماً حلوة المذاق بل أدت إلى تحييد علم رجال كبار ، لهم منزلتهم ومكانتهم، ولا زلنا حتى اليوم نعاني من تسلل الإسرائيليات إلى كتب التفسير والحديث ، على الرغم من الجهود العظيمة التي بذلها العلماء للتخلص من الروايات الإسرائيلية.
وإذا كنا قد أصبنا نجاحاً ما في الخلاص من ظاهرة الإسرائيليات في علوم الشريعة، فإنه يجب الاعتراف أننا لم نفعل شيئاً في سبيل الخلاص من ظاهرة الإسرائيليات في الدراسات التاريخية على الأقل في الجانب التراثي الروائي، فقد ظلت الفكرة الشائعة تتحدث عن أنبياء من بني إسرائيل في فلسطين كيعقوب وإسحق وسليمان وأنبياء من بني إسرائيل في مصر كموسى وهارون وفي سيناء كداود وفي الشام كأيوب وذا الكفل ويحيى وفي حلب كزكريا بل وفي العراق كإبراهيم ويونس!!
من الضروري أن نناقش مسألة المصطلح اللغوي الذي تمكن المستشرق النمساوي شلاوزر من نشره في الثقافة العربية حين طرح تسمية الشعوب السامية بدلاً من الأمة العربية، وبذلك راجت هذه التسمية التوراتية التي لم يكن لها وجود في الثقافة العربية قبل شلاوزر 1850 ، وتبنى هذه التسمية وروج لها المستشرق اللهوتي المتأغرق أرنست رينان ، وصادفت هذه التسمية هوى عند كثير من الكتاب العرب الذين كانوا لا يمتلكون في الواقع رؤية واضحة لتاريخ المنطقة ، وأسهم في انتشارها مطابقتها جزئياً للأنساب العربية التي أعدها الكلبي والسويدي والتي لم تكن في الواقع إلا ترديداً للثقافة التي روجها بنو إسرائيل في المنطقة وتمكنوا فيها من طرح أسطورة الانقسام المثلث لشعوب العالم بين سام وحام ويافث ، وهي أسطورة فقدت اليوم جانباً كبيراً من مصداقيتها عندما وقف الإنسان على الثقافات المختلفة المنتشرة في هذا العالم الفسيح.
إنني لا أريد هنا أن أصادر نشاط المؤرخين بل إنني أصرح أنني عالة عليهم في كل فهمي للتاريخ العربي القديم، وهنا أحيل في ثقافتي بالوعي بالتاريخ العربي القديم للبحث العلمي الهام الذي طرحه الباحث العربي د. بهجت قبيسي بإشراف المؤرخ العربي محمد محفل وانتهى فيه إلى تقرير حقيقة اللغة العربية الواحدة التي كانت تنتشر في الهلال الخصيب ومصر بدءاً من القرن الثلاثين قبل الميلاد اعتماداً على كتابات الملك العربي نارام سن الملتقطة في إيبلا بسوريا.
ولكن الجانب الذي أتمنى أن أقدمه في خدمة هذه الفكرة هو المعطى الديني والتفسيري الذي ظللنا نتوهم أنه متعارض مع البحوث العلمية العربية وأنه يجاري الوصف الاستشراقي للمنطقة الذي يشير إلى أن الفتح الإسلامي هو الذي جاء بالعرب ليحلوا في الشام والعراق ومصر مكان الشعوب التاريخية التي سكنت المنطقة من أكاديين وسريان وكلدانيين وآراميين وعبرانيين وكنعانيين .
إن تقرير أن الأنبياء الكرام الذين ذكروا في القرآن كانوا عرباً ليس إلا تجاوباً طبيعياً مع المعطيات التاريخية التي بلغت رتبة اليقين في أن المنطقة كانت تاريخياً سكناً للعرب خلدوا فيها نشاطهم بلهجاتهم السائدة.
إن تقرير عروبة الأنبياء لن يفسد تصورنا لعالمية الرسالة، بل سيؤكدها عندما نشير إلى الآية: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير، بل إن بقاء الفكرة السائدة حول عجمة الأنبياء هو الذي سيسيء إلى فكرة العالمية، لأنه سيجعل غاية وعي المسلمين بالعالم هم هذا الشعب التوراتي من بني إسرائيل، إذ لم يرد في القرآن ذكر تفصيلي لأنبياء الأمم الأخرى وعندما ندرك حقيقة أن يكون أنبياء المنطقة قد بعثوا إلى أقوامهم منهم وبلغاتهم، فإنه لن يغيب عن البال أن أنبياء كثير بعثوا في الصين واليابان وأوربا وأمريكا وفي كل أرض استوطنها الإنسان وفق قاعدة : ولكل أمة رسول، غاية الأمر أن القرآن الكريم أورد ذكر أنبياء المنطقة بشكل تفصيلي وأشار بعد ذلك إلى وجود أنبياء كثير بقوله: ورسلاً قد قصصناهم عليك ورسلاً لم نقصصهم عليك.
إني أعتقد هنا أن الجهود التراثية مطالبة بالانضمام إلى الجهود التاريخية دفاعاً عن عروبة المنطقة ، وتوضيحاً لحقيقة الشعب الذي كان له عبر التاريخ وجود حقيقي وآثار مادية ملموسة ولا زال وهو العرب، ودحض الأوهام التوراتية التي تؤسس لشعوب هلامية (الساميين) الذين لم يسمع بهم أحد قبل شلاوزر، وهي التسمية التي اجتهدت أن تنتزع قبائل العرب الكلدانية والآرامية والبابلية والفينيقية من السياق العربي وإلحاقها بسياق مفترض يكون لازمه الطبيعي أن العرب هنا محتلون غيروا ديمغرافيا المنطقة بالغلبة العسكرية، وغيبوا السكان الأصليين.
إن الدفاع عن عروبة الأنبياء إضافة لكونه تقريراً لحقيقة تاريخية فإنه لن يسوء أحداً ، ذلك أن هذه الشعوب الهلامية التي يفترضها المستشرقون غير موجودة اليوم البتة إلا في سياق دراسات التاريخية المجردة بل إني أزعم أنها لم تكن موجودة تاريخياً أقصد كشعوب مستقلة وإنما وجدت كقبائل عربية، اختلفت لهجاتها عن اللغة الأم في الحجاز واليمن تماماً كما تتلف اللهجة المغربية عن العراقية عن اليمنية عن المصرية عن السودانية ، وهكذا فإنه يمكن التعبير عن السريانية والآرامية والعبرية أيضاً بأنها لهجات عربية ضالة، تمكن الباحثون الإخباريون اليوم من إلحاقها باللغة الأم.
وحدهم اليهود هم المتضررون من هذه الحقيقة التاريخية، الذين أسسوا لفكرة الشعوب السامية تدريجياً على أساس أنها اسم شعوب المنطقة، ثم راحوا تدريجيا يمنحون السامية المزعومة روحاً يهودية خالصة، يكون معها العرب أنفسهم أعداء للسامية!!
بقي أن نقول إن الدفاع عن العربية كلغة وقومية هو جزء من الدفاع عن فكرة العالم الإسلامي، ذلك أن الأمة الإسلامية تشعر بانتماء عاطفي متين إلى الأمة العربية وبالذات فإن اللغة العربية هي منية مشتركة لكل أبناء الأمة الإسلامية، وتحرير تاريخها الصحيح سيكون جزءاً من خدمة هامة للدفاع عن القبلة الثقافية لهذه الشعوب.
قد لا نكون نحن العرب وزناً ديموغرافياً في الأرض، وقد لا تشكل بلادنا ثقلاً تكنولوجياً أو تجارياً، ونعيش منذ زمن في موقع المفعول به المنصوب الذي وقع عليه فعل الفاعل، وهو موقف يستدعي الرثاء أكثر مما يستدعي الفخر، ولكن مكاننا الصحيح في العالم في ريادة الروح وحماية القيم الفاضلة التي جاء بها الأنبياء، وهو المعنى الذي لا أعتقد أن أمة في الدنيا توازينا به.
يصلي العالم كله إسلامياً بأشواق الشام الشريف، ومسيحياً بذكرى سوريا المقدسة ، الأرض التي تنتج قمحاً وأنبياء.

Related posts

د.محمد حبش- أردوغان وأربكان وأشياء أخرى 28/7/2007

drmohammad

الماضي المقدس والمستقبل المقدس

drmohammad

د.محمد حبش- حوارات في العمق… 700 نص مقدس لا يصح العمل بظاهرها

drmohammad

Leave a Comment