مقالات

د.محمد حبش- ملاحظات إسلامية على إعلان حقوق الإنسان 19/5/2006

يمثل إعلان حقوق الإنسان ذروة ما أنجزته البشرية في كفاحها الطويل رجاء الوصول إلى شاطئ العدالة والمساواة والحرية، وعلينا إذ نقف أمام هذا الإعلان الكبير أن نتفهم فصول الجهاد الإنساني من سبارتاكوس إلى نلسون مانديلا وما سال خلال التاريخ من دم طهور من أجل إعلان هذه الحقيقة الخالدة التي دفع الإنسان ثمنها غالياُ.
وأعترف بأن قراءاتي لإعلان حقوق الإنسان ووقوفي أمام ضريح توماس جفرسون غيرا شكل حياتي بشكل حاسم، على الرغم من أن كثيراً من تلك الشعارات العظيمة ظلت حبيسة الأدراج ولم تجد سبيلها للتطبيق خاصة في الدول الفقيرة والنامية.
ولكن انبهاري بما أنجزه الإنسان في جانب الحرية والمساواة لا يحملني على اعتقاد عصمة هذا النص البشري العظيم، وتحريم النقد فيه فأنا من أولئك الذين يعتقدون أن أكبر مآسي الإنسان إنما وقعت عندما غيب من الحياة نقده العقلي الموضوعي والتفت إلى تقديس الماضي وعبادته.
وفي هذه القراءة السريعة يمكنني أن أشير إلى جملة من المسائل التي أعتقد أن إعلان حقوق الإنسان قصر في رسم ملامحها:
حق الإنسان في أن يولد بين أبوين: وهو حق تمليه الفطرة السليمة وينعم به معظم سكان الأرض، وإذا لم يكن لنا حكم فيما يختاره القدر فإن بإمكاننا أن نشير بوضوح إلى ملايين الأطفال الذين قذفت بهم إلى الحياة رحى الخطيئة ففتحوا أعينهم على الدنيا ولم يجدوا أباً أو أما أو لم يجدوا أياً منهما، أليس من الظلم أن يمضي الوالدان في ركوب الشهوة واللذة غير عابئين بقذف الأبناء إلى الحياة دون حظ من نعمة الأبوة المقدسة؟ إنه المعنى الذي يعكس أشد أشكال العقوق الإنساني وهو ما أشار إليه أبو العلاء المعري: قبح الله لذة لشقانا نالها الآباء والأمهات.
لا يعاقب القانون الغربي بشيء على أولئك الذين حرموا الإنسان من أرق مشاعر الحب التي كانت من حقه أن ينعم بها، إذ اعتبروا الزنا حرية شخصية وفي أحسن الأحوال فإنهم يفرضون على طرفي الخطيئة (إذا اعترفا بها) التزامات مالية للإنفاق على الأولاد وما أسهل أن يتهرب الآباء من ذلك.
حق الإنسان في بر أبنائه: إن نظام بر الوالدين الذي قرره الإسلام لا يحظى بأي أهمية في شرعة حقوق الإنسان وبسبب من الإفراط في تمكين الحرية الفردية فإن كثيراً من المعاني السامية التي تجعل للحياة معنى ووصالاً وقف منها إعلان حقوق الإنسان موقفاً متفرجاً وانغمس المجتمع في مشهد من العقوق يجعل الحليم حيراناً، إذ لا سلطة لوالد على ولد، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً وفي كثير من الأحيان فإن الأب والأم قد يجدان نفسيهما في مأوى العجزة أو في أرصفة التسكع وأبناؤهم موجودون ولكن لا يطالبهم القانون بشيء تجاه والديهم وبالتالي لا يطالب الآباء بشيء تجاه الأبناء بعد مرحلة البلوغ.
إن الشريعة الإسلامية قررت البر بالوالدين ركناً رئيساً في الدين وجانباً هاماً في البناء الاجتماعي، وبالطبع فإن ذلك يتضمن التزاماً إضافياً على الأفراد ولكنه في الإسلام جزء من روح الحياة الذي لا يجوز التفريط به بحال، وبالتالي ولئن تمكنت النظم الغربية من التغلب على هذه المسألة في شقها المالي بإيجاد دور التكافل للمسنين ولكنها بقيت عاجزة عن منح دفء الروح الذي يمنحه الدين للعلاقات الأسرية عن طريق الإلزام الديني ببر الوالدين.
حق المرأة في القوامة: لا يشير إعلان حقوق الإنسان إلى امتياز المرأة الذي حصلت عليه من خلال نظام القوامة وهو خيار يمنحها الحق في تحصيل نفقة كاملة من الرجال والكلام هنا عن الرجال وليس عن الأزواج فحسب، وهنا تشمل الأب والأخ والزوج بل إنني أميل إلى أن المجتمع برمته مدعو إلى رعاية المرأة والإحسان إليها على سبيل الوجوب والإلزام وليس على سبيل المن ولا الصدقة
والقوامة التي تقررها الآية (الرجال قوامون على النساء) مضت في خيارات كثير من الفقهاء إلى تقرير فضل الرجال على النساء، واتخذت ولاية تشريف وليس مسؤولية تكليف.
وهكذا فإن القوامة مسألة تكليف لا مزية تشريف، وهي بذلك تجعل المرأة في المجتمع مسؤولية اجتماعية عامة، ويوفر لها الجانب اللوجستي للقيام بواجبها في إظهار جمال الحياة وطهرها وبراءتها في مقابل أن ينهض الرجال بواجب النفقة بالمعروف،
إن الزواج المدني في النظم الغربية لا ينشىء للمرأة حقوقاً مالية على الزوج (باستثناء الإرث) بل إن مقتضى عقد الزواج يشتمل على تشارك الطرفين في الإنفاق، وهذا المنهج ـ وإن كان يبدو في الظاهر كسباً معنوياً للمرأة ـ إذ حققت مكاناً مكافئاً للرجل، ولكنه عاد عليها برهق واقعي مضنٍ، وألجأها إلى قبول وظائف أو أعمال لا تتفق مطلقاً مع أنوثتها، وظروفها الجسدية.
إن عبارة «ربة منزل» التي تكتبها المرأة الشرقية بجواز خانة المهنة في البطاقة الذاتية، لا تعرفها المرأة الغربية إلا من كانت من أزواج النبلاء أو العائلات الموسرة الغنية، فهي وحدها من يستطيع أن يتفرغ للمنزل وينهض به، فيما تبقى سائر النساء ملجآت إلى ممارسة أي عمل ضماناً للحياة الممكنة.
وهكذا فإن السؤال البدهي الذي يتبادر إلى الذهن هنا: هل أحسن النظام الغربي عندما رفع واجب القوامة عن الرجل وأقام المرأة في مقاطع حقوقها على قدم مساوٍ لزميلها الرجل؟
إن القوامة إذن واجب على الرجال أكثر مما هي حق لهم أو امتياز، وهي تنشىء إذن حقوقاً تكافلية تكون المرأة فيها هي الجانب المستفيد، فيما يكون الرجل هو الذي يقدم التضحيات.
فهل كان نضال المرأة في التخلص من نظام القوامة نضالاً مبرراً أو صائباً؟ وهل حقق للمرأة الآمال التي كانت تبتغيها؟..
حق الإنسان في التمرد على الحرب الظالمة: تنص سائر التشريعات في الأرض على مسؤوليات المقاتل العسكري في الطاعة والانضباط ولكن أحداً لم يشر إلى حق هذا الجندي في اختيار الحرب التي يقاتل فيها وحق رفضه الانخراط في حرب لا يؤمن بجدواها ونتائجها.
يتطوع المواطن في الجيش الوطني للدفاع عن الأرض والعرض، ولكن قيادته السياسية تختار أن تنغمس في حرب أخرى قد لا يكون مؤمناً بها على الإطلاق وهنا فإن على المقاتل أن يسمع ويطيع وليس له أن يعترض على قرار قيادته، ولا يوجد قانون في الدنيا يحمي المقاتل إذا اختار الفرار من الزحف الذي لم يؤمن به أبداً وكلنا يذكر الثمن الذي دفعه محمد علي كلاي حين تمرد على الحرب الظالمة في فيتنام ولم يتمكن القانون من حمايته وأجبر على نزع لقبه العالمي وزج به في السجن!!
ولقائل أن يقول من يقرر هل هذه الحرب عادلة أو ظالمة؟ والجواب بكل بساطة إنه المقاتل نفسه، الرجل الذي سيدفع روحه هو وحده من يقرر هل يخوض هذه الحرب على ما فيها من مخاطر أم لا، وإذا كان جواب المقاتل بالنفي في الاشتراك بأي حرب فيجب أن يحترم خياره ويحميه القانون، وعلى القيادة السياسية أن تدرك أنها لا تستطيع إجبار الناس على القتال في ساحات لا يؤمنون بجدواها وعند ذلك فإن الحروب بكل تأكيد ستنحسر انحساراً كبيراً ولا أظن أن حكيماً في الأرض سيسوؤه ذلك في شيء.
إنها هنا أربعة أفكار أو قل أربع إضافات على هامش ما أنجزه الإنسان في كفاحه الطويل أضعها بين يدي الباحثين مادة للنقاش، آمل أن تجد سبيلها للإغناء والنضج، وأرجو أن تكون إسهاماً متواضعاً للمنجز الإنساني الكبير الذي أشرق على العالم يوم 10/12/1948

Related posts

أحلام سوري في مطار سنغافور

drmohammad

الطب النبوي بين المعرفة والعجائب

drmohammad

الدكتور محمد حبش- أدب الاختلاف عند الدعاة إلى الله 7/7/2006

drmohammad

Leave a Comment