مقالات

د.محمد الحبش- تدفع زكاتك ? 5/10/2007

الجواب الأقرب هو في الجمعيات الخيرية التي ظهرت في البر والبحر وهي تقوم بواجبها خلال شهر رمضان وتبتكر في كل رمضان فنونا من الأساليب في الوصول إلى زكاة المحسنين وإنفاقها فيما نذروا أنفسهم لأجله.
وحتى لا أتهم بأنني أقلل من أهمية الجمعيات الخيرية أحب أن أشير أنني شخصياً رئيس واحدة من هذه الجمعيات وهي جمعية أرباب الشعائر الدينية وأنا واحد من الذين يستنفرون في رمضان لجباية الزكاة لصالح الجمعية, ولا أظن أن أحداً سألني كيف ينفق الزكاة إلا أرشدته إلى حساب الجمعية وأرقام هواتفنا واستعدادنا لقبول الهبات العينية والنقدية, وسارعت إلى شرح الثواب العظيم الذي أعده الله للمنفقين, ولدي بالطبع كسائر العاملين الجمعيات الخيرية رصيد كبير من الآيات والأحاديث التي تحث على النفقة وتأمر بها, اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً.‏
ولكنني هنا على صفحات الثورة أنطلق من قراءة عملية لواقع مؤسسة الزكاة, ومسؤولية المؤمن في الإنفاق وهي مسؤولية لا تنتهي عند حدود دفع المال للجمعية وإنما تستمر حتى يوقن الإنسان أنه وصل إلى مرضاة الله بما أنفقه من خير.‏
ما يجب قوله أولاً هو أن الأقربين أولى بالمعروف وهذا الجانب من الإنفاق يتم تغييبه في كثير من الأحيان في غمرة الحماس الذي نبديه لمشاريعنا الطموحة, مع أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبل الله صدقة أحدكم وفي أرحامه محاويج, وقال لمن تصدق بماله كله: رد عليك مالك إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.‏
من جانب آخر فإن إنفاق الزكاة محكوم بحاجة الأمة ومصارفها ينبغي أن تتساوق مع حاجات المجتمع الإسلامي ويمكن من خلال ذلك أن نفهم أن الفقهاء كانوا يأذنون بإنفاق الزكاة في بناء المساجد, ولكنهم اليوم لم يعودوا يفتون بهذا لأن المساجد قائمة وفيها كفاية وغنية, والإنفاق اليوم في الفقراء والمساكين الأيتام والأرامل أفضل من بناء المساجد , ولقمة في بطن جائع خير من بناء جامع.‏
وهنا فهذه دعوة أيضاً للجمعيات التي تجمع الزكاة لإنفاقها على العلم الشرعي, فالعلم الشرعي محمود ومبرور, والأمة ستصبح أكثر تسامحاً إذا انتشر العلم, وسيقل التطرف والتشدد بانتشار التعليم الشرعي, خاصة بعد إصلاح المناهج التي نؤكد دائماً على إصلاحها في باب الردة بشكل خاص, ولكن احتساب الزكاة في هذا السبيل لا بد فيه من مراجعة, فقد افترض الله على الأمة أن تستنفر منها طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون, ولا شك أن ذلك يجب أن يكون بقدر حاجة الأمة, بحيث تقوم الزكاة بتأمين عدد كاف من طلبة العلم الشرعي لخدمة المحاريب والمنابر والتدريس الديني بما يكفي حاجة الأمة, ولكن بعض هذه المعاهد سجل نجاحاً جيداً في صعيد التعليم الشرعي ففتح أبوابه لسائر الراغبين وأصبح في هذه المعاهد آلاف الطلبة, وهو أمر جيد ولا يوجد أدنى ضرر لو تعلمت البلد كلها العلوم الشرعية, ولكن هذا يلزمنا إعادة النظر في المصارف التي نستخدمها للإنفاق على التعليم الديني وإلى أي مدى يجوز أن نأخذ من مال الزكاة في هذا السبيل?‏
رائع أن يجد الطبيب أو المهندس أو المحامي فرصة لدراسة الشريعة في المعاهد الشرعية على سبيل التزود بمعارف الشريعة, ولكن من غير المقبول أن يكون الإنفاق على هذا التعليم من مال الزكاة!! خاصة إذا كان هؤلاء الطلبة ليسوا من آخذي الزكاة, بل يجب أن يدعى هؤلاء إلى تأمين نفقات دراستهم بأنفسهم, ولا يصح أن نأخذ في إنجاز ذلك من مال الزكاة الذي هو في الواقع حق الفقير, الذي كتبه له الله تعالى.‏
يمكن للفقير أن يصبر على تأمين حاجات البلد من الأئمة والخطباء, والله حسيبه وعوضه في ذلك, ولكن لا يمكن أن نمضي في تعليم الراغبين إلى ما لا نهاية من مال الزكاة, ولا يمكن أن نوفر السكن والطعام للراغبين من بلاد الله في حين أن فقراء البلد يعانون من الجوع والضنك والشدة.‏
لقد كانت القناعة بحاجة البلد لعالم الشريعة دافعاً حقيقياً لبناء مشاريع عملاقة في التعليم الديني تعزز صورة سورية في الداخل والخارج, إضافة إلى قناعة الناس بتقصير الدولة في توفير رواتب كافية لأرباب الشعائر الدينية, ولكن الإفراط في ذلك غير محمود, وانا أذكر أن شيخنا الشيخ محمود الرنكوسي كان قد أفتانا بأن طالب العلم إذا احتاج لكتاب يفتحه في العمر مرة واحدة فإنه يجوز أن يتناوله من مال الزكاة, ومع الاحترام للعارف بالله الشيخ محمود الرنكوسي وقد صار في دار الحق ولكن ذلك في ميزان الحاجة التي يعانيها الفقراء اليوم غير مقبول على الإطلاق.‏
إنها دعوة لهذه المؤسسات الحيوية في البلاد لمراجعة سبل إنفاقها وبالتالي للمضي في تأمين موارد حقيقية لهذه المؤسسات , وتجاوز المنطق الاستهلاكي الذي تعودناه من تأمين مصادر هذه المؤسسات عبر المحرمة على باب الجامع يوم الجمعة, من مال الله يا محسنين, وهو منطق محفوف بالمخاطر وقد تجاوزه الزمن ولا مكان له في الدولة الحديثة.‏
كما أنها دعوة لترشيد الإنفاق مرة أخرى, ومراجعة مصارف الزكاة والاحتياط في إنفاق مال الزكاة فيما أذن به الله تعالى من مصارف مشروعة.‏
وما من صباح تشرق فيه الشمس إلا ولله ملكان يناديان : اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً.‏

Related posts

د.محمد حبش- ابن رشد فقيهاً فيلسوفاً 26/5/2006

drmohammad

د.محمد حبش- الإسلام والغرب…. المشترك بين رسالات السماء 29/5/2009

drmohammad

الدكتور محمد حبش- من ثقافة الكراهية إلى جرائم التكفير 14/7/2006

drmohammad

Leave a Comment