ليس لله في جوعكم وصيامكم أرب , وهو غني عن العالمين, ولن يعود صيامنا بأي وفر على خزائنه سبحانه, فخزائنه سحاء ملأى لا تغيضها النفقة, أرأيتم ما أنفق مذ خلق السموات والأرض?
إنه لم يوف ما في يمينه وخزائنه ملأى, ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكه شيئاً, فلماذا إذن يدعونا الله إلى الصوم عن كل طعام وشراب وشهوة من الفجر إلى المغرب? وما الذي جعل صوم النسك أكثر مناسك العبادة شعبية في الأرض بحيث يمكنك القول إنه النسك الذي يشارك فيه في الأرض أكثر من مليار إنسان من دون أن تتهم في المبالغة في شيء?
رمضان إحياء لرسالة الروح في عالم تسحقه رغائب الجسد, ويعيد الإعلام الصاخب إنتاجه على هيئة جنس ثالث لا هو رجل ولا امرأة, ومن يراقب الطوفان الإعلامي اليوم يحق له أن يتساءل عن الإنسان الجديد الذي تريد الفضائيات العربية تسويقه وترويجه, تماماً كما نتحدث في البيولوجيا عن إنسان نياندرثال وعن إنسان العصر الباليوزي والميزوزوي فإن إنسان روتانا وإل بي سي يتم تقديمه إلى الحياة على أنه مجرد (قدٍّ مياس) يتشخلع أمام سعار هائج سائل اللعاب فيه كل شيء إلا الإنسان وروحه, بحيث يقحمك في عالم صاخب مجنون لا مكان فيه لغير نزوات الجسد, إنها محاولة لإنتاج جيل تنتهي آماله عند حدود غرائزه, يمجد النزوة ويهزأ بالمقاومة ويمضي في المساومة.
ولكن رسالة رمضان تقول غير ذلك.
الإسلام ينهج منهجاً فريداً في بناء الإنسان فحين يحرم على الذكور الحرير والذهب لم يكن ذلك بدافع اقتصادي بدليل إباحة ذلك للمرأة ومعلوم أن تزين الرجل بالذهب لن يبلغ أبداً عشر ما تتزين به المرأة , ولكنه كان موقفاً رسالياً يراد منه بناء جيل عقائدي لا يعرف الدعة والرفاهية في سبيل حمل الرسالة التي ادخرته لها الأيام .
كثيراً ما نتخيل أن هذه المقاصد الإسلامية من بقاء الجهاد حكماً شرعياً ماضياً إلى آخر الدهر هي من مبالغات (المشايخ) وأن الزمان قد تجاوز ذلك , وأن عصر العلم والتكنولوجيا دفع عن الناس غوائل الحروب ولم يعد أمام الشعوب إلا الجلوس قبالة الكومبيوتر والأنترنت والنت ميتنغ والنت فون وغيرها من أدوات العولمة الطاغية , لنحقق بذلك ما تصبو إليه آمالنا في التقدم والازدهار .
وددت ذلك ولكن قراءة بصيرة لواقع الإنسان في القرن العشرين وكوارث الصدام المتواصل بين الأطماع المسعورة والنوايا الطيبة تجعلك تدرك بوضوح أن إنسان اليوتوبيا (الطوباوي) لا وجود له إلا على أوراق الفلاسفة وأن الإنسان مدعو في هذه الحياة لممارسة الكفاح والعناء حتى يتحصل له العيش الكريم .
إن أهلنا في فلسطين الذين فرضت عليهم اليوم المواجهة العنيفة يعيشون أيضاً في مطلع القرن الحادي والعشرين , ويعرفون استخدام الإنترنت والمالتيميديا , ولكن قدر المواجهة مع الغاصب الغادر فرض عليهم أن يزجوا بصدورهم العارية في مواجهة الرصاص المتفجر وهو ما تصفه كثير من مذيعاتنا (الدلوعات) وفق التضليل الإعلامي المبرمج بقولهن (الرصاص المغلف بمادة رقيقة من المطاط) والذي يعطيك إيحاء مقصوداً بأن هذا الرصاص ليس إلا شكلاً من أشكال المزح اللطيف لا يؤذي ولا يجرح وكأن الدماء الحمراء التي تنبعث من جراح هذا الرصاص الغادر ليست إلا مبالغة فلسطينية ذات أهداف إعلامية !.
لا يوجد في الواقع أي ضمانة أن القدر الذي كتب على إخواننا في فلسطين غير قابل أن يتكرر أيضاً في بلاد إسلامية وعربية أخرى, طالما بقي المشروع الصهيوني المدعوم أمريكياً قائماً في المنطقة .
يبقى الصيام شاهداً واضحاً على إرادة الإسلام في إبقاء جذوة الروح الجهادية متقدة فعالة, فحين يمتنع الشاب عن رغائب الجسد وهو عليها قادر وهي منه قريبة فإنه حينئذ يستعلن بملء إرادته أن الإنسان ليس محض نوازع الجسد إنه أقوى من ذلك بكثير إنه الروح التي تتحدى الصعاب وإنه قادر أن يرتفع فوق رغائب الجسد عندما يدعوه الواجب لذلك , وستكون روحه عندئذ على كفه حين يتحدى الموت في سبيل الرسالة .
يحدث عامر بن الطفيل قال : لما أرسل النبي ] بعثه إلى بئر معونة وكنا أهل جاهلية غدرنا بهم فلما تمكنت من حرام بن ملحان طعنت بالرمح طعنة أثبتته, فلما تفجر الدم من بطنه ملأ راحتيه دماً ومسح به وجهه وقال : فزت ورب الكعبة!!
قال عامر فقلت في نفسي : والله ما فاز أنا قتلته!!
فما زالت كلمته تلك في خاطري حتى شرح الله صدري للإسلام .
لقد كان جيلاً فريداً ذلك لجيل الذي حمل أفراده على كواهلهم عناء العالمين , وتوجهوا في أطراف الأرض, وكانت تربية الجهاد التي نشؤوا عليها تحمل لهم عبير الجنة فترتفع آمالهم عن حطام الدنيا ورغائبها .
وهكذا فإن الصوم جزء من هذه المدرسة التربوية التي يريد الإسلام أن ينشأ عليها شباب الأمة تمنحهم زاد الاستعداد للأيام الفاصلة عندما يناديهم الواجب.
وهل نشعر حقيقة بأن الصوم لا يزال يحمل للصائم تربية الجهاد أم أن المطبخ الرمضاني نسف ذلك كله ووقف بالصائمين عند عبارة الأول : احملوا أخاكم فقد شبع!!
previous post