مقالات

د.محمد حبش- الإيمان والربيع 20/6/2008

لم ينظر الإسلام إلى الدنيا على أنها ملعونة، ملعون ما فيها، بل نظر إليها على أنها نعمة الله للإنسان، وأنها امتحانه وقدره، ونعمت الدنيا مطية المؤمن، ونعم المال الصالح للرجل الصالح، ولأجل ذلك فقد كان إعمارها والإحسان إليها قصداً مباشرا لرسالة النبي الكريم.
وفي الحديث ما من مسلم يغرس غرساً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كتب له به أجر.
وقال: سبع يجري للعبد أجرهن بعد موته: من علم علماً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو حفر بئراً أو كرى نهراً أو غرس نخلاً أو ترك ولداً صالحاً يدعو له.
نحن نهدي الأرض زهراً وثماراً وسوانا يبعث النار ضراماً
كل نمرود إذا أوقد نـــاراً عادت النيران برداً وسلاماً

وحين تحدث عن الجمال في العالم أشار إلى جمال الإيمان والروح، ولكنه ايضاً التفت إلى ما في هذا العالم من جمال وقال بشجاعة فريدة: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.
وهو المنطق إياه الذي خاطبنا به القرآن حين وصف نعيم الوصال مع الله وروعة التجلي في سماء الحق، ولكنه أيضاًأشار إلى ما في العالم من جمال وبهجة: أمن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون.
كان رسول الله نصيراً للحياة والربيع، ولم يكن يرضى لأمته الرهبنة والعزلة، وقال لا رهبانية في الإٍسلام، وكان يحب العرق الأخضر، ولم يكن لينسى أن رسالته في بناء الآخرة لا يجوز أن تشغله عن بناء الحياة، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وفي موقف ذي دلالة فحين وصل إلى مكة المكرمة يوم الفتح، وقد كان ذلك اليوم مشهوداً ترقبه الخواطر وتنتظره الأشواق والأذواق، توجه من فوره إلى البيت الحرام فقد كان في غاية الشوق للبيت الحرام الذي يختصر أشواقه وأذواقه وآماله، والذي هو ملاعب الصبا وذكرى الشباب ووعد الآخرة، وكان المشركون قد صدوه عن البيت عشر سنين ثم أخرجوه منه ثمانية أخرى فاكتملت أشواقه في نحو عشرين عاماً من التوق والشوق، يستقبله في قبلته كل يوم، ولكن لا يسمح له أن يطوف فيه، وكان يصد عن الدخول إليه في حين أن الهذلي والباهلي والأحابيش والزط يزورون ويكبرون ويلبون فيه، وهو الهاشمي المطلبي فخر بني عبد مناف، من ذؤابة قريش سادة البيت وحماة الحرم.
وقف هناك قبالة باب السلام ليتأمل في مشهد البيت الحرام وقد جعله الله مثابة للناس وأمناً، وحين دخل من باب السلام كان فؤاده يلتهب شوقاً لنفحات الحرم، وذرفت من عينيه أحر المدامع وهو يتصل بالشوق للحرم الشريف، وحين وصل إلى أقدس بقعة في البيت بل في الدنيا كلها، بين الركن اليماني والحجر الأسود، كانت ترقبه عيون محبيه وشانئيه، وكانت كلماته تستعد لتأخذ مكانها في سجل التاريخ، دعا ربه بدعاء لا تزال تحفظه الأيام: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
في الواقع كانت اللحظة دقيقة ورهيبة، ولم تكن لحظة اتخاذ مواقف، فالشوق يعصف به من كل وجه، والعيون تتعلق به لترسمه قديساً لا أرب له في هذا العالم، مكانه في رؤوس الجبال مع الغمام الشاهق والشاهين الغارب، تحدق بمجده العيون ولا تبلغه الهمم، ولكنه اختار أن يكون بشراً وأن يتحدث عن الدنيا بنفس الاحترام الذي يكنه للآخرة، وهنا علم العالم أن لا رهبانية في الإسلام وأن المسلم أخو الربيع، وأن إعمار الحياة على رأس مقاصد الإسلام، وأن الرسول الكريم ليس في وارد بناء الآخرة وهدم الدنيا، وأنه مخلوق في الأرض ليحسن إليها، وأن العالم سيصبح أكثر جمالاً وربيعاً مع مرور موكب هذا النبي فيه، وأنه سيزرع الورد في كل مكان يمر فيه، وسيخصب الأرض في كل محطة ينزلها، ولن تقوم ساعته حتى تعود بلاد العرب مروجاً وأنهارا، وسيمنح العافية للناس والغيث للأرض والحياة للربيع.
حين اختار دعاءه الخالد بين الركن والمقام، وركزه في كل صلاة يصليها مسلم من أول الدهر إلى منتهاه، كان بالفعل يريد للدنيا أن تكون أكثر جمالاً، وللناس أكثر رفاهاً، وهو معنى لن يفارقك في كل صلاة وأنت تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
إنه لا يشبه في شيء مدارس الخمول التي قامت في العالم الإسلامي لرهبان بائسين على رؤوسهم عمائم، تمجد الخمول (اقرأ باب فضل الخمول وفضيلة التوكل في مختصر منهاج القاصدين) وتنتقد العمل، تحرم التداوي وتهزأ بالطبيب، وتحرم الفرح وتمجد البكاء، تسعى إلى التبتل وتحرم السعادة، تدعو إلى صيام لا فطر فيه وقيام لا نوم فيه!! وتكره النعيم في فراش الحب، والجود على كرم المائدة!! (بكى نوح ستمائة عام!! وبكى داود حتى نبت البقل من بكائه!! أما فلان وفلان فقد مكث أربعين سنة لم يضحك قط) إنها أساطير لو عرضت على ميزان محمد لصعد منبره غاضباً: ما بال أقوام يحرمون ما أحل الله ، يقول أحدهم أصوم ولا أفطر ويقول الآخر أقوم ولا أنام ويقول الثالث لا آكل اللحم ويقول الرابع لا أتزوج النساء!! إن أخشاكم وأتقاكم لله أنا!! ولكنني أصوم وأفطر وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني!!

إقبال طرح هذه المسألة بغاية الوضوح، ووثب غاضباً من سلوك مدراس الخمول التي نظرت إلى الدنيا على أنها فتنة ملعونة، وخربت الأرض وراحت تنتظر نعيم السماء:

فردوسك اللهم لم يره هنا أحد وأنت هو السميع المبصر
الإنكليز بلادهم فردوسهم والمسلمون إلى سمائك تنظـر

أوروبا قطعة خضراء من الجنة، وقد ملكت شعوبها مفاتيح الحضارة فصنعت على الأرض فردوسها الموعود في السماء، إنه ليس كفراً بأمره ونهيه، ولكنه قانون الله القديم: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وهو قانون القرآن الكريم: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض.

لماذا يمنحك الله السماء وأنت خربت الأرض؟ إن القرآن يقول: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، والرأي المختار هنا الصالحون لإعمارها والإحسان إليها وإسعاد الخلق فيها:

ما زال فكري في سمائك حائراً فاسجنه في فلك من الأفلاك
تأبى علي ملائكية فطرتي أن أستمر بهــذه الأشراك

قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون، قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.

الإيمان ربيع أخضر، أبناؤه يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين، ويطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، إنه محاولة لنقل نعيم الجنة إلى هذا العالم الأرضي، وهو كفاح مارسه الرسول بكفاءة واقتدار فحول صحراءه إلى بستان وقحطه إلى ربيع.
وهي قراءة واضحة يقدمها إقبال في صورة سؤال ثائر جريح:
أيها المسلم يا نور السماء كيف لا تشرق في أرض البشر
أنت سلطان الليالي لا كما قالت الحمقى أسير للقدر

على الرغم من أن رسالة الإسلام هي صناعة الخلود في السماء ولكنه معني أيضاً ببناء الحياة والفرح في الأرض: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

Related posts

نحو لغة إنسانية في ترانيم الدعاء – نحو دعاء حضاري

drmohammad

الدكتور محمد حبش- أدب الاختلاف عند الدعاة إلى الله 7/7/2006

drmohammad

د.محمد حبش-خطوة… نحو احترام روح الله في الإنسان 3/7/2009

drmohammad

Leave a Comment