مقالات

د.محمد حبش- النكبة بعد واحد وستين عاماً.. مسؤولية الدين والسياسة 15/5/2009

الخامس عشر من أيار يوم النكبة، ذكرى واحد وستين عاماً مضت والفلسطيني التائه لا يزال في شتات وقهر، وهو في الواقع يعاني ما تكبده خلال السنين من هجرات وأسى وعناء.

الاحتلال الإسرائيلي شكل من الظلم لا مثيل له في تاريخ القهر في الأرض، إنه ليس مجرد غصب ونصب، الأمريكان محتلون في العراق ولكن برنامجهم هو اهبج ما تستطيع وارحل، ويظل الشعب العراقي موجوداً على أرضه، ولا يوجد شعب بديل فرض على العراق، والاحتلال في أفغانستان موجود ولكن الدول الكبرى تتسابق للهرب من ذلك المستنقع المرعب وتبقى أفغانستان لأبنائها الباشتون والأوزبك والطاجيك والبلوش والتركمان، والأمر نفسه في كل أشكال الاحتلال البغيض في العالم من فيتنام إلى جزر الفوكلاند.
ولكن فلسطين تتعرض لمأساة بشرية لا نظير لها في تاريخ الأمم، فهناك شعب بديل تم استيراده بالكامل ودخل من الموانئ والمطارات والمعابر، وصل بمختلف وسائل النقل والتوريد إلى بيوت الفلسطينيين وهو ليس في وارد الخروج والرحيل، بل إن مشروعه يقتضي قضم مزيد من الأرض وفي النهاية إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.

كنا ننتظر من الحبر الأعظم الذي جاء إلى المنطقة في أول رسالات السلام أن يساعد العالم في قراءة المأساة كما ينبغي، وأن ينقل للعالم عناء الأطفال وبكاء الأمهات والثكالى واليتامى والأرامل في أرض المحشر والمنشر، ولكن الإعلان الذي صدر في عمان جاء مخيباً للآمال فقد تم تلخيص هدف الزيارة بأنه التأكيد على الأخوة الأبدية بين اليهود والكاثوليك!!.
وبعيداً عن القراءة السياسية للمشهد فأنا ماض للتذكير بالموقف الديني لليهودية من المسيح والمسيحية، لقد اتفق اليهود بدون أدنى خلاف أن المسيح هرطوق ضال ينطبق عليه ما ينطبق على المرتدين كما في سفر عزرا 6:
أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يُغَيِّرُ هذَا الْكَلاَمَ تُسْحَبُ خَشَبَةٌ مِنْ بَيْتِهِ وَيُعَلَّقُ مَصْلُوبًا عَلَيْهَا، وَيُجْعَلُ بَيْتُهُ مَزْبَلَةً مِنْ أَجْلِ هذَا.
وهم يعتقدون أنهم قاموا بالواجب منذ ألفي عام عندما قدموا المسيح إلى خشبة الصلب بين لص وقاتل وجعلوه للناس نكالاً، وهي عقيدة لا تنتهي عند حدود الماضي بل هي اليوم أحد مفاخر العدو الصهيوني وقبل شهرين قدمت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي برنامجاً خاصاً للاستهزاء بالسيد المسيح ولم يتورع المذيع من وصف السيد المسيح بالبلطجي والشهواني الخامل المفتري على الله، ولم يتردد من وصف أمع العذراء الطاهرة بالخطيئة والفحشاء بلسان سوقي قذر لا أستطيع محاكاته في هذا المقال.
لم يكن ليئور شلاين مذيع القناة العاشرة يتردد وهو يمارس أبشع استفزاز لذكرى السيد المسيح حين يتحدث عن أمه العذراء بأبشع لغة سوقية، لقد قال بشماتة ومكر أمام الحضور في الاستديو وأمام الملايين من المشاهدين: أريد أن أقول لكم مريم لم تكن عذراء كانت منغمسة في الخطيئة وحبلت من إثم، والمسيح كان دجالاً وقد مات بسبب شراهته وتخمته وأنه يمثل قدوة للفجعانين والشرهين والمتوحشين من الناس.‏

ولكن مهما كانت تعاليم المسيح في المحبة فهل من المعقول أنها تشمل العطف على الجلاد ولا تتضمن العطف على الضحية؟ أليس في تلك التعاليم الطاهرة مبدأ الإحسان إلى الضحية؟؟

حين استقبلت دمشق البابا قبل ثمانية أعوام، كان مشهداً فريداً تحدث عنه العالم، وتمكن البابا آنذاك من حمل رسالة يسوع للعالم رسالة محبة ونور، لقد جاء يسوع ليضع شموعه في القنيطرة عند أطلال البيوت التي دمرها الاحتلال بغياً وعدواناً، جاء ليقول للعالم إن هناك أربعمائة ألف نازح لا زالوا يعانون التشرد والحرمان بسبب الاحتلال، لقد أغضب يوحنا بولس الثاني إسرائيل، وتحدث الصهاينة عن تسييس الزيارة ولكنهم لم يتمكنوا من تجاوز العاصفة الإعلامية التي رافقت زيارة البابا للمسجد الأموي ولمدينة القنيطرة وأسهمت إسهاماً كبيراً في رسم صورة السيد المسيح رمزاً للمحبة، وفي فضح جرائم الاحتلال البغيض أمام سمع العالم وبصره.
ولكن تصريح عمان أنه قادم لتأكيد الأخوة بين الأبدية بين المسيحيين واليهود، ولست أدري أين هو مكمن هذه الأخوة الأبدية، وحين تستعرض العلاقات المسيحية اليهودية من خشبة الصلب إلى القناة العاشرة فأنت أمام تحد واحد كبير وهو أن اليهود لم ينظروا تاريخياً إلى السيد المسيح وأتباعه في الأرض إلا على أنهم هراطقة ضالون ومضلون، وأن الأديان كلها جاءت بدافع الغيرة والحسد من الشعب المختار المدلل المخصوص وحده من بين سائر الأمم بالأنبياء والرب.
واختار أن يخص في زحمة وقته زيارة لأسرة جلعاد شاليط، ولست أدري إلام يرمز شاليط الصغير هذا، إنه ليس إلا مجنداً أبله أزعر، تم اقتياده من موقعه العسكري بحبة قمبز ووصل إلى قفص العدالة ويقتضي العدل أن يحاكم جزاء وفاقاً على الجرائم التي شارك بارتكابها بحق الشعب الفلسطيني المقهور.
لقد أصبح جلعاد شاليط وبحكم الآلة الإعلامية الصهيونية الأخطبوطية نجماً أشهر من نجوم البوب، ويبدو أن هذا الإعلام الهائج ماض ليمنحه مكاناً بين القديسين والمرسلين والحواريين على أنه أحد أبرز ضحايا الإرهاب في القرن العشرين.

ولكن البابا لم يقل شيئاً عن أحد عشر ألف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أشهر كما في حال الأسيرة الفلسطينية سمر صبيح التي وضعت مولودها وهي أسيرة في سجن بتاح كيفا، وكذلك الأسيرة فاطمة الزق التي وضعت مولودها في السجن مطلع العام الماضي ، إلى السجناء الذين قاربت أعمارهم الثمانين عاماً ولا زالوا يرزحون تحت المظالم الإسرائيلية.
لقد رأت أمهات الأسرى والمعتقلين مشهد البابا في زيارة أسرة جلعاد شاليط وكن ينتظرن قدومه إلى غزة لزيارة كنيسة غزة المحاصرة ورؤية معاناة أهلها وعذاباتهم من جراء الاحتلال ولكن المنظمين لم يجدوا الوقت الكافي لترتيب هكذا زيارة!.
لقد وقف أمام الجدار وقدم رسالة اعتذاره لما ارتكبته أوروبا بحق اليهود في المحارق، ولكن لم يقل شيئاً عن المحرقة القريبة التي مارسها الصهاينة قبل شهرين وذبحوا فيها مئات الأطفال ودمروا غزة فوق رؤوس أهلها بالبارود والنار والقنابل العنقودية والفوسفورية.
ليس تعصباً لدمشق ولكنها قراءة موضوعية لسياق الزيارتين، وليس من كرم الضيافة على الإطلاق أن تمنح العصابات المتربصة بالضيف الزائر فرصة تقديم برامجها الدعائية بالمجان على أكتاف الضيف، وأن نعتبر هذا احتراماً لمشاعره ورغبته، لقد كان بالإمكان أن تؤتي الزيارة أكلها المأمول في السلام والمحبة والعدالة والإنصاف ونقل الحقيقة للعالم، لو أننا قدمنا أنفسنا أمام العالم شركاء حقيقيين جديرين بخطاب العدالة والسلام.
ألا يحتاج الذين نظموا الزيارة في فلسطين من يذكرهم بقول الأول:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام

Related posts

د.محمد حبش- الضريبة والزكاة … 3/4/2009

drmohammad

الحرب الطاحنة على الكاريكاتور

drmohammad

الطب النبوي بين المعرفة والعجائب

drmohammad

Leave a Comment