مقالات

د.محمد حبش- صندوق النفقة…. محاولة لرفع العناء عن المطلقات 10/4/0229

أبغض الحلال…

وما أدراك ما صندوق النفقة إنه حلم للمرأة السورية تم تحقيقه في عدة بلاد عربية، ولا تزال المرأة السورية تنتظر فارس الأحلام الذي سيأتيها به ذات يوم على حصان أبيض من بين غيوم رمادية.

ومع أن هذا الصندوق ليس له علاقة بصندوق الدنيا الذي تحدثنا عن عجائبه جداتنا وباب الحارة والخوالي، ولا علاقة له بعلاء الدين ولا مصباحه السحري ولا إبريقه العجائبي، ورغم أنه أبسط من ذلك كله ولكنه لم يجد حتى الآن سبيله إلى التشريع في سوريا وظل معلقاً بأوهام الأمل والرجاء، وفي سبيله تنعقد ندوات ولقاءات واجتماعات ثم تنفض مكتفية بإصدار بعض توصيات ومقترحات.

صندوق النفقة حلم قديم للمرأة السورية لتجد من يقف إلى جانبها عند معاناتها حين يكتب القدر بقلمه الأسود مصيرها القاتم كمطلقة وتشعر بنفسها على أعتاب معاناة حقيقية لا يفهمها إلا من يكابدها ويعانيها.

تبدأ المرأة مشوارها للبحث عن العيش الكريم، وليس لها سبيل لتحصيله إلا عن طريق مطاردة الزوج الذي فشل في تأمين استمرار الحياة الزوجية وانصرف ليتابع مشوار حياته على طريقته، وحين يتمرد الزوج عن أداء واجبه الشرعي فليس أمامها إلا القضاء وبعد عناء لا يعلمه إلا الله يفصل القضاء ويفرض لها الفتات المقدور بعد أن يثبت الزوج إعساره وهو أمر لا يعسر تأمينه على أي زوج بالوسائل القانونية ولو كان روكفلر او بيل غيتس، وهنا تبدأ المرأة مشواراً آخر للحصول على ما فرضه لها القضاء لتكتشف في النهاية أنه لا يعادل ما أنفقته على الدعوى والتقاضي في رحلة المرارة والأسى لتأمين لقمة الحلال لما تحتضنه من أطفال حكم عليهم الدهر بعناء طلاق الآباء، حتى يقول ما قاله أبو العلاء المعري:
قبح الله لذة لشقانا نالها الأمهات والآباء.

فهل من المعقول أن تعجز الدولة عن تأمين فرص أكرم من الحياة للمطلقة التي فرض عليها القدر هذه المرارة؟

تقوم فكرة صندوق النفقة على أساس تدخل الدولة في تأمين حقوق المطلقات وبالتالي دعم هذا الصندوق بموارد مناسبة لتأمين عيش كريم للمرأة فيما تكابده من عناء.
يتأسس هذا الصندوق في عهدة الدولة وتقوم الدولة بدعمه من موازنة خاصة، وبالتالي يتم رفده بكثير من التبرعات والهبات والأوقاف المخصصة لهذا الشأن كما يتم فرض بعض الرسوم لدى الزواج في سبيل توفير قدر مناسب من الموارد التي يمكن أن تؤمن العيش الكريم للمرأة السورية التي تعاني من تبعات الطلاق.

يروى أن عمر بن الخطاب كان في إحدى جولاته الليلية في المدينة المنورة حين سمع بكاء صبي، فأقبل إلى حجرة صغيرة فيها امرأة تضرب صبياً لها ، وحين بداها بالسؤال لم تضربين الصبي قالت المرأة إنه يرفض الفطام وأنا أعلله حتى ينام ولكنه أرهقني بكاء، حزن عمر بن الخطاب وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، و لكن أين نفقته في بيت المال قالت المرأة إن عمر – لا جزاه الله خيراً- لا يفرض العطاء للغلام إلا إذا بلغ الفطام وأنا أجد في فطامه حتى ينال العطاء، قال عمر: يا أختاه!! وما أدرى أمير المؤمنين بحالك؟ قالت: ولماذا يتولى أمر المسلمين إذا كان لا يعلم أحوال الرعية؟

كان درساً قاسياً سمعه عمر بن الخطاب فإذا كان عمر لا يعلم فلماذا إذن نختاره خليفة؟ ومعرفة الخليفة بعنائي ليست مسؤوليتي بل عليه أن يوفر الجهاز المناسب لمعرفة عناء الناس وفرض التشريعات المناسبة.

المجتمع الذي ينظر إلى المطلقة على أنها امرأة فاشلة لم تنجح في المحافظة على بيتها وأسرتها هو مجتمع ظالم، ومن غير المعقول أن تضيق نظرة المجتمع بالمطلقة إلى هذا الحد فتجعلها مسؤولة وحدها عن جميع ما تكابده الأسرة، وحين تطلق المرأة فإن عليها أن تبدأ مشواراً قاسياً في رحلة الحياة تكون المطالب المادية أسهل المطالب بالمقارنة مع المطلب العاطفي والاجتماعي الذي يطارد المرأة إلى النهاية.
من المؤكد أن كثيراً من النساء تسببن في انهيار حياتهن الزوجية، ولكن من المؤكد أيضاً أن كثيراً من الرجال فعلوا الشيء نفسه، ولكن المجتمع ظل يعامل المرأة وحدها بهذه النظرة السلبية فيما تم تجاوز ذلك بحق الرجل الذي ينظر إلى زواجه السابق على أنه خبرة اكتسبها وتابع مشوار الحياة.

متى سنكف عن النظرة السلبية إلى المرأة المطلقة، ونحترم إنسانيتها ومشاعرها وحقوقها، ونبحث عما أودعه الله فيها من مواهب قد تكون طمستها ظروف الحياة القاسية، ونساعدها بالتالي في رفع العناء الذي تكبدته في محنة الطلاق القاسية؟

في الإسلام لم يجد رسول الله حرجاً من الزواج من المطلقة فقد تزوج زينب بنت جحش وهي مطلقة زيد بن حارثة، كما تزوج عدداً من النساء الأرامل اللاتي شهدت حياتهن ظروفاً قاسية وصادمة.

اسماء بنت عميس تزوجت من جعفر بن أبي طالب فلما مات تزوجها أبو بكر فلما مات تزوجها علي بن أبي طالب فلما مات تقدم لخطوبتها الزبير ومعاوية ولكنها اختارت بعد ذلك التفرغ لشأنها وتربية أبنائها.

وكانت المرأة إذا تأيمت أو طلقت تمكث في عدتها فيأخذ الرجال بعد العدة بالحصى حتى إذا انقضت عدتها تزاحم الرجال على بابها رجاء ثواب الله وتفريج هم المؤمنة ومساعدتها على عناء الحياة.

من المسؤول عن النظرة الاجتماعية القاسية التي تجبر المطلقة على الدخول قسراً إلى قاعة انتظار الموت الكئيبة، والمجللة بالحزن، دون أن تكون لديها الفرصة لاستئناف حياتها وآمالها من جديد.

يحاول قانون صندوق النفقة أن يقف إلى جوار المرأة في محنتها القاسية، يجتهد أن يقول لها: خفق قلبك المعذب له في تشريعاتنا صدى، وله في موازنة الدولة نصيب، من أجل أن تبقى البسمة على شقتيك وتستأنفي كفاحك في هذه الحياة الطويلة.

Related posts

المحكمة الأوروبية- حق الإنسان في التمرد على الحرب الظالمة

drmohammad

د.محمد حبش- حكاية المحاريب الخمسة 22/8/2008

drmohammad

د. محمد حبش- من دمشق إلى البابا…… مسلمون ومسيحيون 22/9/2006

drmohammad

Leave a Comment