مقالات

د.محمد حبش- الضريبة والزكاة … 3/4/2009

على هامش مشروع قانون صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي

كانت المؤسستان واحدة في عصر النبوة، والنبي الكريم لم يتحدث عن شيء آخر غير الزكاة، وكانت الزكاة تؤخذ اختياراً أو جبراً ثم تصرف في مصارف الزكاة المعروفة إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله.
وكما هو واضح من الآية فإن مصارف الزكاة واسعة وكبيرة وهي تشمل الإنفاق على الفقراء والمساكين كما تشمل رواتب الموظفين (العاملين عليها) وتشمل الإنفاق في تعزيز الموقف السياسي للدولة (المؤلفة قلوبهم) وتشمل إعتاق العبيد وتالياً مشاريع تمكين المرأة والطفل والمسن وتحقيق المساواة بين رقاب المواطنين (وفي الرقاب) وتشمل عمليات إنقاذ المؤسسات المالية المنهارة (والغارمين) وتشمل الإنفاق العسكري في تأسيس الجيوش والمؤسسات الأمنية والتسلح (وفي سبيل الله) كما تشمل رعاية المواطنين في الخارج وتأمين سلامتهم ورعاية السياحة والاهتمام بها (وابن السبيل).‏
بالطبع هذه مسؤوليات مباشرة للدولة وقد لا يكون خطر ببالنا يوماً أننا مسؤولون عن هذه الجوانب أو أن مال الزكاة يجب أن ينفق فيها، وأنها مسؤولية المجتمع قبل أن تكون مسؤولية الدولة.‏
ومع أن سائر شعائر الإسلام تؤدى طوعاً، ولا إكراه في الدين ولكن الزكاة وحدها لم تتوقف عند هذا الحد وأدركت الأمة أنه لا بد من جباية الزكاة من الناس طوعاً أو كرها، ولم يتردد الصديق رضي الله عنه في الحسم والحزم في مواجهة أولئك الذين منعوا أداء الزكاة ولم يعتبر الأمر مجرد صدقة طوعية يؤديها المسلم بينه وبين ربه، لقد رأى في منع الزكاة تهديداً حقيقياً للدولة برمتها، وقال بجرأة ووضوح والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم عليها!‏
في البداية انتبه الفقهاء إلى الغموض في المسألتين فابتكروا اصطلاح تسمية الخراج والزكاة، وتم تحديد الخراج بأنه عائد الدولة من أموال الناس، وتم تحديد الزكاة بأنه عائد الفقير منها.‏
بالجملة يمكن القول اليوم إن الضريبة هي ما تفرضه الدولة على مال الأفراد مما يعود لمنافعهم وفائدتهم بشكل مباشر، أما الصدقة فإنها مال تجبيه الأمة لمصلحة الفقراء والمساكين والمحرومين وهو بكل تأكيد يعود في المآل على الناس بالفائدة ولكنه لا يحقق فائدة مباشرة للمكلفين.‏
ولكن دعني أعترف لك بأن النظام المالي في سوريا لا زال قاصراً عن المواءمة بين النظام الضريبي ونظام الزكاة وهناك ريبة متبادلة بين المؤسستين تحول دون تحقيق أهدافهما.‏
وزارة المالية معنية اليوم بجباية الضرائب وهي تقوم في سبيل ذلك بابتكار عجائب وسائل التحصيل، وتفرض لهذه الغاية ضرائب مبتكرة ومبتدعة: ضريبة الرفاهية والدخل المقطوع والنظافة والعمل الشعبي والبيئة إلى غير ذلك من وسائل تحتاج في كل يوم إلى فقه جديد لابتكارها واكتشافها، ولكن لا تبدو وزارة المالية معنية بالمرة بمسألة الزكاة في مواردها ومصادرها وبالتالي في مطارحها أيضا.ً‏
العلاقة بين الضريبة والزكاة صورة للانقسام الذي نعانيه كل يوم ونمارس فيه عن عمد تبديد طاقاتنا الاجتماعية في سبيل غير مفهوم.‏
فالنظام الضريبي لا يزال ينظر إلى الزكاة على أنها نمط بدائي من استجداء الإحسان وأن الناس لن تؤدي ما عليها من الواجبات عن طريق المواعظ وأنه لا بد من سيف الدولة لاستخراج حق الفقراء من جيوب الأغنياء وبالتالي حق الدولة في جمع مواردها للتنمية والبناء.‏
ومع أن الزكاة تؤدي مباشرة كثيراً من أهداف الدولة ولكن النظام الضريبي ظل لا يعترف بالدور الحيوي للزكاة ولم يفلح إلى اليوم في وضع منهج يعتبر فيه الإنفاق في الزكاة أداء ضريبياً، وظل يتجاهل الأمر بالكلية.‏
ومع أن مصارف الضرائب يقع كثير منها في دائرة الواجب الشرعي من بناء الطرق والجسور والمدارس والمشافي وغير ذلك مما تقوم به الدولة فإن النظام الضريبي لم يفلح أن يجعل نفسه محبباً للناس، وارتبط من حيث يريد أو لا يريد بنظام المكوس والغصب الذي كان يتغلب فيه الظلمة لتحصيل اموال الناس بغير حق وأكلها بالباطل.‏
ولا نحتاج لشطارة حتى ندرك أن كثيراً من المنابر لا ترى في هذه الضرائب إلا أداة بغي تؤخذ بغير حق وتصرف في غير وجه، الأمر الذي يربك بكل تأكيد جامعيها ومنفقيها ويحول دون أداء الضريبة وظيفتها الاجتماعية على الوجه الأمثل.‏
وقد اكتسبت الضريبة هذه السمعة السوء من خلال ربطها بالمكوس التي جاءت الأحاديث بذمها والإشارة إلى غضب الله من جامعيها، وأن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة صاحب المكوس!‏
ولكن المكوس التي نهت عنها الشريعة ليست بكل تأكيد هذا النوع من الجياية الضريبية! إنها في الواقع الأموال التي كان يفرضها الظلمة وقطاع الطرق على العابرين بغير وجه، تشبه القرصنة التي يفرضها اليوم قراصنة محترفون على السفن عند شواطئ الصومال الداشرة، وهو لا يمت بصلة للمال الضريبي الذي تجمعه الدولة من الناس وتنفقه في المصالح العامة.‏
يدرك الغربيون رسالة الضريبة ويتفهمون أنها ركن التكافل الاجتماعي ولذلك فإنهم يحترمون المؤسسة الضريبية، وقد استقر في العقل الاجتماعي لديهم أن الضرائب مسؤولية اجتماعية وأصبح التهرب من الضرائب ليس محض مخالفة قانونية بل صار في الواقع عملاً شائناً لا أخلاقياً ينبذه الناس ويصنف صاحبه لصاً قليل التربية وفاقداً للضمير.‏
إن التداخل الواقع اليوم في مطارح الضريبة ومطارح الزكاة مسألة تتطلب الحسم والتوضيح ، حيث تقوم الضرائب اليوم بالإنفاق على أبواب حقيقية من مصارف الزكاة كالجهاد في سبيل الله عن طريق تجهيز الجيوش والأمن والسهر على استقرار الأوطان، كما تقوم ببناء المشافي والمدارس وهذا كله من مصارف الزكاة المتفق عليها، ومع ذلك فإن الضريبة لم تستطع أن تحظى باحترام اجتماعي، وظلت في نظر المجتمع وسائل حكومية لتحصيل أكبر قدر من مال الناس.‏
أما المؤمن الراغب في أداء زكاته عن بصيرة ويقين فإنه ظل يقول لقد دفعت زكاتي مكا أمر الله، وما يطالبنا به هؤلاء الظلمة من جباة الضرائب ما هو إلا ابتزاز جديد، وغلط وشطط، وتكمن الحكمة في أن أتهرب منه وأسدد التزاماتي الشرعية وليس في المال حق سوى الزكاة، وأما ما فاض عنها فهو أداء بغير حق.‏
فإلى متى يبقى هذا التنازع في المطارح والمصارف بين أداء الزكاة وتسديد الضرائب.‏
متى سيدرك الخطيب على منبره أن الأوطان لا تبنى بالخطاب الإنشائي، وأن الزكاة لا تتعارض مع النظام الضريبي، وأن الضريبة والزكاة يكمل أحدهما الآخر؟‏
ومتى سيدرك فلاسفة الاقتصاد السوري أن الزكاة حزء من التنمية وأن من حق من أنفق الزكاة بوجه حق أن يشطب من ضرائبه بقدر ذلك، وهو منطق معروف تماماً في النظم الضريبية الحديثية حيث يمنح المكلفون هامشاً غير قليل لدفع بعض التزاماتهم الضريبية في وجوه من الخير يثقون بها وتعترف بها الدولة؟‏
ومتى سيقوم النظام الضريبي بالاعتراف بأن ما تقوم به الجمعيات الخيرية هو جزء مباشر من التزامات الدولة وأن الواقع يتقضي منح الناس حق التصرف بجزء من ضرائبهم في مصارف الزكاة المعلومة وعبر جهات يثقون بها ويدعمونها؟‏
هل سيقوم القانون الجديد الذي نأمل أن يتم إنجازه تحت عنوان صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي بالإجابة على هذا السؤال؟ وهل سيجد المواطن السبيل لدفع التزاماته الشرعية وهو مطمئن بأنها ستصرف فيما أمر به الله تعالى من المصارف الثمانية؟‏
المشروع بعهدة الهيئة السورية لشؤون الأسرة وقد طرحته بكفاءة واقتدار بين يدي نخبة مختارة بعناية من رجال القانون والشريعة والاقتصاد وهو يناقش اليوم بجدية وشجاعة استعداداً لدخوله مطبخ التشريع.‏
* عضو مجلس الشعب‏

Related posts

الدكتور محمد حبش- الفرقان الصريح بين سياسة بوش ورسالة المسيح 18/11/2006

drmohammad

المواطنة والمساواة مطالب أمريكية أم هدي نبوي؟

drmohammad

د. محمد الحبش- يوم ودعت دمشق آخر الكبار .. صادق حبنكة … رجل الإشراق والأذواق 9/11/2007

drmohammad

Leave a Comment