مقالات

المغضوب عليهم والضالون

أثار مقالي الأسبوع الماضي تساؤلاً كبيراً حول سورة الفاتحة، حيث أشار عدد من السائلين إننا نمارس الانتقائية ونقوم بماكياج واضح في التفسير لنظهر صورة جميلة للتسامح الديني ولكننا نتجاهل التساؤلات الكبيرة التي تنسف منطق التسامح كله.

ولست أجهل أننا نكتب في صحيفة عامة وليس في حلقة فقهية، ولكن الأمر هنا لا يتصل باللاهوت بل يتصل مباشرة بشروط المجتمع المتعافي ومواجهة منابع التطرف.

والاعتراض بالطبع كان أننا ذكرنا وجوهاً عديدة لفكرة الرحمة والحب والسلام في سورة الفاتحة ولكن تجاهلنا أن السورة نفسها تلعن دينين كبيرين هما اليهود والنصارى حيث اليهود هم المغضوب عليهم والنصارى هم المسيحيون!

ولك أن تتصور الهدف التربوي البائس الذي يحمله تصور أسود كهذا في نفوس جيل من الناشئة يفتحون عيونهم على الدنيا وهم مأمورون أن يبغضوا نصف سكان الكوكب بنص مباشر!! فيما تتولى نصوص أخرى رسم الصورة السوداء المقيتة لباقي الناس!!

فهل نحن أمام نص متناقض ينسف آخره اوله، وهل نقوم بعملية تجميل زائفة لواقع غير جميل؟

لا نحتاج إلى أي تكلف لنؤكد أن الفاتحة التي يحفظها كل مسلم وربما كل مسيحي في بلادنا أيضاً ليس فيها كلمة اليهود ولا كلمة النصارى، بل فيها ذم لوصف سيء يمكن أن يقع على المسلم السيء والمسيحي السيء واليهودي السيء، فمن الذي جعل الكلمة مختصة بهذه الأمم؟ وكيف تسرب ذلك إلى الوعي الجمعي حتى بات كثير منا يعتقده أمراً محسوماً؟

النص المذكور أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن المسيحيين هم الضالون على الرغم من اشتهاره وانتشاره هو حديث منكر ساقط لم يروه أحد من أصحاب الصحاح وقد أعرض عنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود فيما أورده أحمد عن رجل مجهول من بلقين لا يعرف اسمه ولا يعرف أحد عنه شيئا!!

وأورده آخرون من رواية سماك بن حرب عن عباد بن حبيش وهو رجل متهم يعرف اسمه ولا يعرف له مولد ولا وفاة!!

ولكن هذه الروايات الهالكة الساقطة التي تتناقض مع روح القرآن في التسامح والرحمة، وينكرها أكبر المحدثين، تتبناها منابر كثيرة ومؤسسات كبيرة في العالم الإسلامي منها مثلاً مجمع المدينة المنورة لطباعة المصحف الشريف حيث قامت بذكر ذلك صراحة في شرح الآية وبشكل خاص في ترجمتها للغة الإنكليزية واللغات الأخرى حيث حنَّطت مدلول الآية في أتباع دين بعينهم دون الاكتراث بمنطق القرآن الكريم الذي صرح عشرات المرات بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن كل نفس بما كسبت رهينة، وأن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون.

وتكمن الفضيحة هنا في أن هذه النسخ هي الأكثر انتشاراً في العالم، ومهما كتبت في تصحيح ذلك فلن تستطيع إقناع الأفراد والمؤسسات التي تسلمت ثلاثمائة مليون نسخة مطبوعة منه بأكثر من 72 لغة في العالم وهي ممهورة بأكثر الأختام قوة ونفوذاً في العالم الإسلامي، ومعظمها وزع (لوجه الله) وهي تنص صراحة أن الضالين هم أتباع عيسى والمغضوب عليهم هم أتباع موسى!!.

والأشد سوءاً أن يكون ذلك في ترجمة نص الفاتحة لأن من شأن المترجم أن ينقل بأمانة وليس من حقه أن يضيف على النص أدنى زيادة مهما كان مقتنعاً بها، ولن يكون ذلك على الإطلاق في خدمة المعرفة ولا في خدمة الحقيقة، ولست أدري كيف يسوغ تفويض لجنة متعصبة مغلقة التفكير بإقحام رؤاها الخاصة على هامش القرآن الكريم ثم اعتماد ذلك كتفسير رسمي لنص القرآن الكريم ينشر باثنتين وسبعين لغة حول العالم؟!

في العربية: غير المغضوب عليهم ولا الضالين

لكن في الإنكليزية:

Not those upon whom is the anger, nor the astray, He was neither a Jew nor a Christian!!

وللأمانة فقد حذف المجمع مؤخراً هذه الترجمة البائسة بناء على احتجاجنا، ولكنها ما زالت على هامش السورة بوضوح في نفس الصفحة بالانكليزية! بل إنها لا زالت في المتن على الصفحة الخاصة لتقي الدين الهلالي صاحب الترجمة المعتمدة للمجمع!!

في القرآن الكريم لا يوجد حكم كلاني توصف به أمة من الأمم، وتكرر في القرآن الكريم لفظ: ثم يتولى فريق منهم، وإن منهم لفريقاً، ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، وهكذا تتكرر صيغة التبعيض لأن القرآن يرفض منطق الحكم الكلاني على الأمم والشعوب بدعوى أخطاء الآباء والأجداد.

الجواب في نظري في القرآن الكريم في كلمتين اثنتين لا تحتاجان إلى لفظ ثالث: ليسوا سواءاً.

القرآن الكريم كان واضحاً غاية الوضوح عندما تحدث عن فساد طائفة من اليهود والنصارى من أهل الكتاب وبعد أن عدد خطاياهم وما قاموا به من قتل الأنبياء والمرسلين وبؤس جرائمهم ولكنه بعد ذلك نهى عن التعميم بشدة وقال بوضوح: ليسوا سواءاً… من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، وبعد أن أثنى على الصالحين منهم أطيب الثناء نص صراحة بقوله: وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين.

كيف يمكن إذن أن يكون في القرآن حكم يصف أمة بحالها إلى آخر الدهر بالضلال مع أن القرآن نفسه ينص مرتين بصريح العبارة: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وينص بصريح العبارة أن من أوفى بعهده واتقى (من أهل الكتاب) فإن الله يحب المتقين.

وردت كلمة الضلال في القرآن الكريم بصيغ متعددة 29 مرة، وفي كثير من المرات كانت خطاباً للمسلمين من أتباع النبي الكريم : (ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) فهل يسوغ القول بأن الأمة كلها ضالة بدلالة هذا؟؟  بل إن القرآن استعمل هذا اللفظ في وصف حال النبي الأكرم قبل أن يبدأ الرسالة بقوله: (ووجدك ضالاً فهدى) فهل يسوغ القول إن هذا وصف قرآني سرمدي للرسول؟؟

أما لفظة الغضب فقد وردت 22 مرة تنص على غضب الله على القاتل والزاني والزانية والمنافق والمتولي من الزحف من المسلمين وغيرهم.

الضالون لم يعرفوا الحق أصلاً أما المغضوب عليهم فقد عرفوه وأصروا على استدباره، وبقراءة بسيطة يمكنك أن تكتشف أن كلاً من الآفتين موجودتان في سائر الشعوب، بين المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين والشنتويين والطاويين والشامانيين والهندوك والزرادشتيين والعلمانيين والأصوليين والاشتراكيين والليبراليين ويخلق ما لا تعلمون.

نعاني بالفعل من انتشار التطرف، ونستغرب كيف يحمل شباب من الجيل الجديد ثقافات سوداء مريضة ضد البشرية، توفر لهم الطريق إلى التطرف، ولكن هل نملك الشجاعة للإشارة بوضوح إلى المؤسسات الكبرى التي تتورط من حيث تريد أولا تريد بنشر هذه الثقافة البائسة.

Related posts

الإسلام الشعبي

drmohammad

في مأساة غزة

drmohammad

حول تجسيد صور النبي والصحابة في الأفلام

drmohammad