مقالات

رمضان.. هل صيامنا صحيح؟

من المؤسف ان هذا العنوان سيأخذك إلى الجدل الموسمي الذي تعودناه حول ثبوت الهلال واختلاف المطالع، والفتوى في صوم أهل الشام وأهل العراق!!!

أو ربما يأخذك إلى سؤال النسيء الرمضاني أوقطرة العين وقطرة الأنف وصوم الحائض وغيرها من طقوس الاختلاف الموسمية….

ولكن هذا الجدل البائس من وجهة نظري لا يتعلق من قريب ولا من بعيد برسالة الصوم في الوقوف مع الفقراء والبائسين، وللأسف فقد صمنا مئات الرمضانات ولازال الفقراء يزدادون فقراً والأغنياء يزدادون بطراً، مع أن الجميع يراقب هلال الصوم وهلال الفطر ويتحرى الخيط الأبيض والخيط الأسود لتصحيح صومه.

ولا أدري ماذا سيتقبل الله من صيامنا ونحن نقرأ الجوع في عيون البائسين في سوريا بلد الخيرات والكرم والجود وقد باتت تعيش أسوأ أيام تاريخها فقراً ومجاعة، ولا يمكن لمقال مهما كان بليغاً أن يعبر عن المأساة بأكثر من الصور الرهيبة لعيون الأطفال وعنائهم وبكائهم في الدياسبورا السورية الرهيبة.

لا يهدف هذا المقال إلى تبادل النواح، ولا التشاكي والتلاطم، ولكنه يحاول ان يطرح بضعة أفكار ربما تجد سبيلاً ليقراه االناس في رمضان أقوالاً لا أفعالاً…


في حديث رائع للرسول الكريم قال: أربعون خصلة اعلاهن منيحة العنز ما من مؤمن يعمل بواحدة منهن إلا أدخله الله بها الجنة….

ومنيحة العنز لون بسيط من المعروف، وهو أن تكون لك عنزة، فتعيرها لفقير او محتاج أياماً يرعاها ويحلبها، ثم يعيدها إليك…

ولم يبين الرسول الكريم ما هي الخصال الأربعون الأقل من هذا والتي تدخلك الجنة.. وقد حاول الصحابة ان يحصوها وقال ابن عباس: لقد حاولنا أن نحصي الأربعين خصلة وما بلغنا أكثر من خمس عشرة خصلة.

وقناعتي أن العدد غير مراد، ولكن المطلوب هو دعوة الناس لابتكار الخير، أن تقوم باقتراح فكرة والعمل على تحقيقها ليصل اجرها للناس.

هذه محاولة لابتكار أنواع من المعروف والخير يمكن لكل منا أن يسابق إليها، وبشكل خاص لمساعدة المنكوبين في الداخل السوري وكل السوريين منكوبون، في دولة يعيش تسعون بالمائة من أبنائها تحت خط الفقر ويواجه أربعون بالمائة من سكانها خطر الجوع وفق قرارات الأمم المتحدة.

لقد قام الصائمون في الماضي ببناء المساجد والمدارس الدينية ومراكز تحفيظ القرآن ولكننا أصبحنا في عصر آخر، وباتت لقمة في بطن جائع أولى من بناء جامع، وبات الخير مطالباً بالبصيرة، وعلى هدي الحديث الشريف فإن أفضل الصيام اليوم هو الإحسان في الناس: أفران مجانية… بيض مجاني… بطاطا – أرز – زيت – بنصف الثمن، بربع الثمن، بدون ثمن، يقدم للفقراء في متاجر محددة.

هي في الجوهر مسؤولية الصائم القادر، وهي لا تكلفك أكثر من اتصالك بشخص تثق به في الداخل ليقوم بالاتفاق مع فرن في حي فقير او متجر في حي فقير ليوفر الطعام للفقراء، عبر خطة من عون وإحسان، وهذا هو الصوم الحقيقي المقبول عند الله.

ولكن هذا الخير المأمول لن يكون مجدياً ما لم تقم الدولة نفسها بالدعوة إليه، واستقطاب المحسنين من أبناء البلد المغتربين للإسهام في رفع العناء السوري وعذاباته.

هي دعوة لكل مسؤول في سوريا بعيداً عن الخطاب السياسي وبعيداً عن تبادل الاتهام، فهناك الآن شعب جائع تقول الحكومة إنها عاجزة عن تقديم العون له، ويقول داعمو النظام من إيرانيين وروس نحن جاهزون لتقديم خدمة السلاح فقط!! وليس لدينا أي فائض في الغذاء والدواء.

إننا مختلفون حتى العظم مع هذا النظام في مواقفه السياسية، ولكنني لا أشارك القول بانه يقصد تجويع الناس، ولا يمكن تصور كوادر الدولة السورية محض وحوش ضارية، بل هم سوريون يحاولون فعل شيء، ولكنهم محكومون بنظام مخابراتي قام باستعداء العالم، وقطع عن شعبه مداخل الاستثمار ونوافذ العون، وبات يرى العالم كله مؤامرة كونية على صموده، وبات يرى في كل سوري يفكر في عون الناس أجيراً لجهة استعمارية امبريالية، وهي أوهام وظنون ظالمة كلفت البلد سنين الحرب والضياع التي نعانيها.

الدولة مطالبة أن تفتح الباب للخير القادم من خارج سوريا فالناس في عافية في الخارج ويستطيعون أن يقدموا الخير ولا يمنعهم من ذلك قانون قيصر ولا قانون كسرى فقوانين الحصار كلها لا تشمل الغذاء ولا الدواء، وإنما يمنعهم من ذلك قبضة المخابرات وحواجز التعفيش والتخوين والفروع الأمنية الساهرة.

لقد نجحت الدول المتقدمة في دعم الخير الاجتماعي عبر توفير كل ما يريده المتبرع، وأهم ما وفرته هو حق إدارته الحرة للمشروع الخيري والوقفي وكف يد الدولة عن التدخل في قرارات الإحسان وحق المتبرع أن يمنحها له ولولده من بعده هي في دائرة الوقف المشروع ومن خلال ذلك سمعنا بالتبرعات المليارية التي قدمها الأثرياء، وقد ازدادوا ثراء ولم تنقص ثرواتهم حيث بقي المال المرصود للخير في إدارتهم وتصرفهم وتصرف أبنائهم، واقتصر دور الدولة على المال الخيري ورصد عوائده في طريقها إلى الفقراء ومنع عودتها إلى جيوب الأغنياء.

التعاون مع الإحسان واستقبال الخير الوافد لم يعد ممكناً في شرط النظام التقليدي من تقديم الطلب الشروط والدراسة الأمنية وراي شعبة الحزب، ولا بتطبيق البطاقة الذكية المربوطة بالمخابرات وأجهزة الأمن والتي تمارس بيروقراطية قميئة برداء من ديجتال ولا تمنح أي طمأنية او ثقة للمغترب الراغب في دعم الخير في وطنه.

هل سيصدق هذا النظام أن السوريين شعب واحد، وأن حرص أغنيائهم على فقرائهم ليس مؤامرة يجب أن تطاردها المخابرات وتتهم المحسنين فيها بالأجندات والارتهانات، بل هو عمل وطني وخيري حقيقي يجب أن تبادر الدولة إلى خدمته وتسهيل دربه، ومنح المساهمين فيه الأوسمة والتكريم ولو كانوا من أشد أعداء هذا النظام ومن خصومه السياسيين.

Related posts

الإعدام… أوقفوا ثقافة الموت

drmohammad

د.محمد حبش- حوار فنلندا: من احتكار الخلاص إلى احتكار الحياة 8/12/2006

drmohammad

د.محمد حبش-صلاة من أجل القمة…28/3/2008

drmohammad