Uncategorized

في وهم المؤامرة

حتى يغيروا ما بأنفسهم

الإسلاموفوبيا هو ظاهرة الخوف من الإسلام والرعاب منه، وهي ظاهرة تنامت في الغرب بشكل كبير بعد قيام تنظيم القاعدة وتوابعه بضرب عدد من العواصم العالمية تحت عنوان الجهاد الإسلامي، الأمر الذي أشعل في المجتمعات الغربية مشاعر عدائية متنامية ضد الإسلام والمسلمين، وفي غمار ذلك تنامت فكرة المؤامرة لدى التيارات النازية والمتطرفة في أوروبا وأمريكا، وفي عصر ترامب مثلاً بات شعور الكراهية والعداء للمسلمين واضحاً في سلوك الجمهوريين بشكل خاص، وانتشر بشكل مخيف التفكير الترامبي الذي يرى في العالم الإسلامي كله مشروع عدو مرعب للحضارة الغربية.

ومن المؤكد أن مواجهة الكراهية مطلب وطني في كل دولة تنشد الاستقرار، وهو ما تقوم به الحكومات الإسلامية وغير الإسلامية، وفي الأسبوع الماضي أنجزت الحكومة الأمريكية خطوتين مهمتين، في مكافحة الإسلاموفوبيا، حيث تم بناء على ترشيح الرئيس بايدن انتخاب رشاد حسين وهو شاب مسلم مفوضاً من الحكومة الأمريكية كأول سفير مسلم متجول للحريات الدينية في العالم، كما تم التصويت في الكونغرس على إنشاء مكتب خاص في وزارة الخارجية الأمريكية لمكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم، ومنع التنمر ضد المسلمين.

وتجدر الإشارة أيضاً أن الأم المتحدة قد عينت العام الماضي أول مفوض خاص لمكافحة الإسلاموفوبيا في العالم، وتم اختيار يوم 15 آذار اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا وذلك في ذكرى الجريمة البشعة التي قام بها مجرم نيوزيلندي حيث قتل عشرات من المصلين في مسجدين اثنين بالعاصمة النيوزيلندية.

بالطبع لن يرى أصدقاؤنا الغاضبون في هذا التطورات إلا مؤامرات جديدة وذراً للرماد في العيون، وعمليات استعمارية جديدة تقدم السم في العسل.

فيما سيراها آخرون دليلاً جديداً على أن العالم يتحول نحو الدين الصحيح وأن الإسلام قادم وأن أمريكا بدأت التحول نحو الإسلام.

وبالطبع فلا أعتقد ان هذه المبادرات تحمل شيئاً من ذلك، ولا أعتقد أنها ستخرج الزير من البير ولن تغير وجه العالم ولكنها من وجهة نظري واردة في سياق طبيعي تقوم بها باستمرار الدول الديمقراطية التي تلزم قوانينها الحكومة بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، وهي  نشاط عادي مما تقوم به الأمم في أداء واجبها الأخلاقي والقانوني، وفي إغلاق الأبواب الخطيرة التي تهدد أمنها القومي، حيث تكون الحكومة ملزمة بمكافحة كل خطاب الكراهية حماية لأمنها الوطني الذي تهدده بشكل جدي ثقافة الكراهية والانتقام.

ولا شك ان هذه الخطوات جاءت بعد جهود نبيلة قام بها مسلمون ناجحون في الحكومة الأمريكية لتعزيز موقع المسلمين في العالم، وبالتالي للدفاع عن كرامة المسلمين ونبيهم وقرآنهم، وقناعتي أن هذه الخطوات أبرك بألف مرة من المظاهرات الغاضبة التي تنطلق في العالم الإسلامي، تحت عناوين شتى تتبنى الدفاع عن الإسلام، ويجد فيها شبابنا الغاضب فرصة للتنفيس عن الكبت والقهر الذي يعانونه ويمارسون فيه الهواية البائسة التي باتت متجذرة وعفوية في شعوب الشرق الأوسط المقهورة، حيث يجدون الفرصة المناسبة لشتم الأمريكان والروس وحكام العرب والعجم والشعوب الغنية والشركات الكبرى وربما تحطيم ما يجدونه في طريقهم من شركات وهيئات وفق مونولوج: يلعن كل شيء!

نعم يمكننا أن نجني بالحكمة ما لا يجنى بالقوة، وإن الله ينجز بالرفق ما لا ينجز بالعنف، وإن علينا أن نقرا بدقة شكل العالم الجديد، وسطوة القانون في الدول المتحضرة حيث لا أحد فوق القانون، وحيث تحكم القيم النبيلة سلوك الدول المتحضرة ويمتنع على السياسي مهما كان عنصره أو دينه أو لونه أن يتنمر على الآخرين.

إن فكرة المؤامرة باتت جزءاً أصيلاً من تفكير جيل كامل، وقد كرسها الاستبداد في الناس جيلاً بعد جيل، فهي أفضل الطرق للتهرب من الفشل في إدارة الدولة واستثمار مواردها، حيث نفشل مالياً لأن العالم يسرق خيراتنا، ونفشل سياسياً لأن العالم يتآمر علينا، ونفشل أخلاقياً لأن العالم يبث الفرقة والعنصرية فينا، وهكذا يبدو الاستبداد على الدوام بريئاً أبيض يهيم بحب الوطن ولكن المؤامرات المتتالية لا تترك له فرصة للتنفس ولا للتفكير، وبذلك يكون قادتنا الباسلون دوماً على صهوات الجياد من معركة إلى معركة في مواجهة التآمر العالمي، ومن الطبيعي أن تكون مدننا مدمرة وشعوبنا مشردة مهاجرة واقتصدنا في الحضيض فنحن ما زلنا نحارب المؤامرات!

لا أدري لماذا لا يتآمر العالم على الشعوب الناجحة، على نمور آسيان مثلاً الذين باتوا اقتصاداً يهدد الاقتصاد الأمريكي الجبار، وعلى دول الخليج التي باتت قبلة العالم الاقتصادية في إكسبو والمونديال ونيوم، على تركيا وهي تحقق نجاحاً لافتاً كل يوم، دون أن تتشكى من التىمر العالمي.

بدون شك فأنا لا أقصد أن هذه الدول تعيش عرس محبة ووئام مع الغرب، وأنها لا تعاني من الخصومات والمنافسات، بل هي تواجه ذلك كل يوم، ومن المنطقي أن أي نجاح أو تفوق سيواجه تنافساً حاداً في هذا العالم القائم على التنافس، ولكن التنافس سياق طبيعي وأخلاقي ولا ينبغي أن يدفعنا إلى كراهية العالم بل إلى الإعجاب ببسالة خصومنا وذكائهم في المنافسة وفي الوقت نفسه بتحسين طرق أدائنا وابتكار أدوات جديدة لنحافظ على مكاننا في السباق العالمي.

وحدنا في سوريا والعراق واليمن والدول الفاشلة من يشتكي تآمر العالم، ويبكي من الامبريالية والمؤامراة الكونية التي تشارك فيها دول الأرض لسرقة خيراتنا واستغلالنا، ويبدو كما لو أن هذه الدول التعيسة تقوم على تراب من ذهب، وأنهار من الياقوت، فيما تعيش الأمم الأخرى في صحارى مدقعة جائعة ظامئة لا ترتوي إلا بالسرقة من خيراتنا وذهبنا ومواردنا العظيمة.

وهكذا يتصور كثير من السوريين أن المصانع التي تبنى في اليابان وبريطانيا وأن الأبراج التي أنجزتها الصين في مدنها العملاقة وأن محطات الفضاء التي وصلت إلى المريخ وأن التكنولوجيا التي توفر السيارات والقطارات والطائرات بدون سائق قد سرقت كلها من التراث السوري والعراقي واليمني، ولولا الامبريالية لكنا الآن أقوى دول العالم اقتصاداً ورفاهية!

لا يمكن الخلاص من أي مرض إلا عند الاعتراف بوجود المرض، والمريض المكابر لا يتعافى، وحدهم أولئك الذين يؤمنون بأنهم مرضى ويذهبون إلى المشافي المتخصصة ويخضعون للفحروص والتحاليل ويؤمنون بالأطباء هم من يتخلصون من أمراضهم ويستأنفون الحياة من جديد.

هي ليست وهماً او مكابرة هي نصوص واضحة في القرآن الكريم فالله أخبر أن الإنسان مسؤول عن نفسه، ولا يحق له رمي شقائه على الآخرين: كل نفس بما كسبت رهينة، قل هو من عند أنفسكم، بما كسبت أيديكم، بما كسبت أيمانكم، وآدم اعترف بأن عناءه من نفسه وقال رب إني ظلمت نفسي، حتى إبليس أقر بأنه ذنب الإنسان وجهله وقال: فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، والقرآن قال: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

Related posts

الشامل في القراءات

drmohammad

د.محمد حبش-ساعات فاصلة… على حافة الحرب.. في سوريا

drmohammad

الإصلاح الديني.الدكتور محمد حبش.2016

drmohammad