Uncategorized

ميلادٌ مجيد… قراءة في لاهوت الإيمان

ميلاد مجيد لكل المؤمنين بالسيد المسيح رسول العالمين للخير والمحبة.
ومع أن اللحظة للبشارة والمحبة، وتبادل التهنئة والفرح، ولكن من المؤسف أنك لن تستطيع التهرب من المترصدين الذين وظفوا أنفسهم حراساً في معبد الكراهية والذين يخوضون غمار المعارك الفسبوكية بانتظام لتحذير أبناء كل دين من مودة أي دين آخر، فإن الله خلق الناس متباغضين متحاربين وأعداء متشاكسين، وإن أي جسر نبنيه للتواصل بين الشعوب باتوا يعتبرونه عدواناً على التوحيد والملة.

وقد كتبت طويلاً في الرد على هذه التصورات البائسة التي تتناقض للغاية مع وجودنا الإنساني والاجتماعي، وتهدد التواصل والتسامح بين الناس، وقدمت في كتابي إخاء الأديان مائة برهان من الكتاب والسنة وعمل الأئمة على فضل المبادرة إلى الإخاء والتهنئة والمحبة بين المسلمين وبقية الأديان وأن ذلك يقع على رأس مقاصد الشريعة الكبرى في الإسلام، وهو أصل دعا إليه القرآن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾ ، وقول النبي الكريم: أَحبُّ العمل عند الله بذل السلام للعالم، وقول الله تعالى الذي يتسع لكافة الخلق: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

وأود في هذه المناسبة أن أتحدث خاصة عن وجه التسامح والمحبة الخاص الموجه نحو المسيحيين في الأرض على قواعد الملة الإسلامية.

فقد أمرتنا الشريعة بالإيمان بسائر الأنبياء والمرسلين، فنحن نؤمن بإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وداود وسليمان على أنهم أنبياء الله ورسله، ولكن يجب القول إن إيماننا بالسيد المسيح يزيد حبتي سكر، فنحن نؤمن به كالأنبياء نبياً من الله، ورسولاً من الله، ونزيد أننا نؤمن به أيضاً كلمة الله، ونؤمن به روح الله، كما يؤمن المسلمون عموماً ان السيد المسيح رفع مكرماً إلى الله وأنه لا زال حياً وأنه ينزل في آخر الزمان إماماً عدلاً مكرماً فيجتمع تحت رايته كل المؤمنين في الأرض.

لا مبالغة فيما نرويه عن مستوى المحبة واليقين بين المسلم والمسيحي في العالم، فالمسلم مأمور أن يعظم السيد المسيح وأمه العذراء والروح القدس الذي جاءها بالبشارة، وقد خصصت لهذا المعنى سورة كبيرة في القرآن الكريم وهي سورة آل عمران، وآل عمران هم أسرة السيد المسيح عليه السلام، وفي السورة تفاصيل دقيقة عن ولادة السيدة البتول مريم، وولادة السيد المسيح لعليه السلام، كما خصصت سورة أخرى في القرآن الكريم باسم سورة مريم، وهي مكرسة بالكامل للتعريف بمجد السيد المسيح وأمه، وتبجيله بأعلى قدر من الاحترام والتقدير والإجلال.

ولا أعلم بعد هذا التكريم حداً يمكن تقديمه للاعتراف بطهارة السيدة العذراء وابنها المقدس، ويكاد المسلمون يتفقون مع المسيحيين في كل التفاصيل العظيمة التي وردت في الكتاب في مجد السيد المسيح وفضله ونوره.

وربما تقتضي الدقة التاريخية أن نشير إلى نقطتين اثنتين اختلفت فيهما المسيحية عن الإسلام، الأولى في الإشارة إلى كلامه في المهد عليه السلام فهذه الإشارة وردت في المصادر الإسلامية ولم تشر إليها المصادر المسيحية، وهي بالطبع زيادة تكريم وتعظيم، والثانية وجود يوسف النجار خطيب السيدة الطاهرة مريم عليها السلام حيث وردت أخبار يوسف النجار في المصادر المسيحية ولم ترد في المصادر الإسلامية.

ويبقى الجدل حول صلب المسيح عليه السلام فالرؤيتان مختلفتان، ولكن المسلمين والمسيحيين متفقون على أن المسيح واجه ظلماً كبيراً واضطهاداً مريراً، وأن عناية الله تدخلت لإنصاف هذا الرسول العظيم، فيرى المسيحيون أن إرادة الله اقتضت صلبه ليكون فداء للبشر ورمزاً للتضحية فيما يرى المسلمون أن عناية الله تدخلت وحققت سلامته ونجاته من الصلب حيث أن الله تعالى ختم على بصر الحاكم الروماني بيلاطس، وشبه له يهوذا الإسخريوطي في مكان المسيح فصلب يهوذا وهو يظنه المسيح، فيما رفع السيد المسيح إلى السماء، في معجزة إلهية تزيد المسيح تعظيماً وقدراً. 

ولكن الخلاف بين الروايتين لا ينبغي أن يقود إلى أي شقاق، ويمكن بثقة الاعتماد على التبجيل المؤكد لدى الديانتين الكريميتين للسيد المسيح، وترك الجدل في التفاصيل للبحوث الأنثروبولوجية واللاهوتية تناقش التراث بعيداً عن الواقع المجتمعي.

ولكن حتى يكون الحوار مثمراً فلا بد ان نقف على أكثر النصوص جدلاً وإثارة للتساؤل وهي الآيتان في سورة المائدة: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، والآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ومع أن هذه الصحيفة ليست مخصصة لجدل اللاهوت ولكن لا بأس ان نقدم الجواب الاجتماعي الضروري في مواجهة الفهم السلفي المتشدد الذي يرى هذه الآية كافية لنسف أي حوار أو محبة، وهو ما يبني فيه التيار المتشدد نظرته حول وجوب البغض في الله بين المسلمين والمشركين.

أما التأويل الذي يراه أصدقاؤنا من رجال الديانة المسيحية فهو أن الآيات تخص طائفة منذثرة كانت في عصر النبوة وآمنت بالآلهة الثلاثة، وهم يرون هذا الاعتقاد فشلاً مناقضاً لروح المسيحية في التوحيد، وأن المسيحيين  في طوائفهم الثلاثة الكبرى متفقون أن الله واحد وأنه لا شريك له، وأن تعدد الصفات للخالق لا يعني تعدد الذات، وأن إيمان المسلمين بالأسماء التسعة والتسعين لله لا يعني أنهم غير موحدين، بل مؤمنون بالذات الإلهية التي تتخذ صفات متعددة، وكان صديقنا جورج جبور يفرح إذا بدأنا حديثنا بسم الله الرحمن الرحيم، يث يرى ذلك قراءة لله الواحد في أوصافه الثلاثة: الله والرحمن والرحيم!

وأياً كانت قوة الإقناع في نص كهذا فأنا أعتقد أنه على المستوى الاجتماعي كاف لإعذار المخالف، والقبول بتأويله لتأمين شرط المحبة والمودة، وهو أمر لا علاقة له أبداً بالحساب في الدار الآخرة حيث يتولى ذلك الله الذي يعلم ما في السرائر.

وذات مرة استقبلت القسيس الشهيد فادي الخوري، قسيس قطنا الرائع، في برنامجي على إذاعة القدس، فاختار أن يبدأ اللقاء على الهواء بتلاوة الآية: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.

من المؤسف ان أصوات المحبة والاعتدال هذه لا يتم تسليط الضوء عليها، فيما يحظى دعاة الكراهية والبغضاء بالنصيب الأوفى من التغطية الإعلامية، حيث لا تزال الإثارة والانفعال أهم في الرسالة الإعلامية من العقل والحق.

وبالعودة إلى إيمان المسلم بالمسيح المقدس، فإن السؤال التقليدي الذي نواجهه هنا: هل يبادل المسيحيون التحية والمحبة بما يناسبها ويقابلها؟ أم هو الحب من طرف واحد؟

بالطبع لا يمكن أن ننتظر في النصوص المسيحية المقدسة نصاً عن الرسول الكريم، فالإنجيل سابق لعصر للنبوة بستة قرون، ولكن الإيمان المسيحي قدم نماذج كثيرة من الاعتراف بالإسلام وإجلال مقاصده الرسالية بدءاً من ورقة بن نوفل وملك الحبشة النجاشي والمقوقس وسفرنيوس بطرك بيت المقدس أيام عمر الذي حظي بالعهدة العمرية من يد الفاروق عمر بن الخطاب.

ومع أن التاريخ حافل بالرائعين من المفكرين المسيحيين الذين أنصفوا الإسلام، ولكن يجب الإشارة إلى آخرين كانوا يمارسون الكراهية والبغضاء ولا يمكننا أن ننسى أن الحروب الصليبية التي استمرت مائتي عام كانت في الواقع نتيجة روح الكراهية التي بثها البابا أربان الثاني وبطرس الناسك ورجال الكهنوت القساة، وباختصار فإنه توفرت في كل فترة من التاريخ تيارات تسامح وتيارات كراهية، وهذا هو شكل العالم منذ فجر الاريخ إلى آخر الدهر.

ولكن هذا الواقع تغير تماماً في عصر القرية الكونية، وبات صوت التسامح أقوى بكثير من صوت الكراهية، وبدءاً من عام 1965 فقد طرأ على الخطاب المسيحي تطور جوهري حيث قرر الفاتيكان وهو أعلى سلطة مسيحية في العالم الاعتراف بوضوح بالدين الإسلامي سبيلاً للإيمان وهو إعلان بالغ الأهمية من الفاتيكان يؤكد فيه أن المؤمنين من أتباع الأمم الأخرى مشمولون بخطة الخلاص الإلهي، بغض النظر عن إيمانهم بصلب المسيح وفدائه.

وتم اقتراح النص بموافقة (2151) من رجال الدين واعتراض خمسة أعضاء؛ ووردت الإشارة الثانية في فصل «نوسترا آيتات» أي «علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية»، وقد أقِرّت في تشرين الأول من العام (1965م) بموافقة (1763) واعتراض (242) من رجال الدين.

والنص بطوله موجود على الصفحة الرسمية للفاتيكان، وهذا نص العبارة فقرة (16):  «… بيد أن تدبير الخلاص يشمل أولئك الذين يؤمنون بالخالق أيضاً، وأوّلهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرّحمن الرّحيم، الذي يحكم بين النّاس في اليوم الآخر…»

وانتهت إلى صيغة، تقول ما يلي: «تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين أيضاً، الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرّحمن القدير بارئ السّماء والأرض، ومكلّم النّاس. ويسعون بقصارى ما أوتوا لمراعاة أحكام الله، وإن خفيت مقاصده، كما سلّم له إبراهيم الذي يفخر الدّين الإسلامي بالانتساب إليه. وإن كانوا لا يقرّون بيسوع إلهاً فإنهم يجلّونه نبيّاً، ويكرمون أمّه العذراء مريم، مبتهلين إليها أحياناً بإيمان. فضلاً عن ترقّبهم يوم الدّين، الذي يجازي فيه الله جميع النّاس حين يبعثون. ويعبدون الله بأداء الصّلاة والصّدقة والصّوم. ولئن نشبت عبر الزّمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجْمَع يحرّضهم سوياً على التغاضي عن ذلك، والعمل بإخلاص وصدق لغرض التّفاهم، وأن يحموا ويعزّزوا معاً العدالة الاجتماعية، والقيم الرّوحية، والسّلام والحرّية، من أجل جميع النّاس».

وإذ أروي نصوص المحبة والتسامح فأنا لا أجهل أبداً نصوص الكراهية، وتاريخ الحروب الدينية الماحقة التي طبعت العلاقات بين الإسلام والميسحية بطابع دموي عنيف بدءاً من حركة الفتوح الأموية والعباسية إلى اندلاع الحروب الصليبية إلى محاكم التفتيش المقيتة ففي التاريخ صراعات دينية مخزية جللت بالعار كل ما نرويه عن التسامح والمحبة، ولكنها على كل حال مسألة اختيار وانتقاء الرجل قطعة من عقله، وليس أمامنا خيار إلا الحتيار من هذا التراث المائج.

سيختار الكهنوت كالعادة نصوص الشقاق، وسيخوضون الحروب الضارية للدفاع عن التوحيد، ولكنني أعتقد أن القادة الاجتماعيين مأمورون أن يبحثوا عن المشترك بين الناس وبناء الجسور، وهي حقيقة عبر عنها العالم الفيزيائي الشهير نيوتن بسطر واحد:

إن الإنسان بنى كثيراً من الجدران وقليلاً من الجسور.

Related posts

د.محمد حبش-ومن دخل مسجداً أو كنيسة فهو آمن… 7/8/2016

drmohammad

المهاجر

drmohammad

د.محمد حبش- البابا يغسل أقدام اللاجئين…27/3/2016

drmohammad