Uncategorized

الإسلام والحضارة الحديثة منهجان اثنان…. وغاية واحدة

نشرت في بناة المستقبل عدد 2 نوفمبر 2013
حين نخاطب بناة المستقبل من الجيل الجديد الذي سيخرج لتوه من الكارثة التي سببها الاستبداد والقهر المستمر فإن علينا أن ندرك أننا نواجه جيلاً جديداً طافحاً بالأمل والرجاء، وهو يبحث عن موقعه بين الأمم.
خلال نصف قرن من حكم الاستبداد تم الترويج لثقافة الكراهية والقطيعة بين السوري وبين العالم، وقد تواطأ على تقرير هذا الضلال الثقافي اللئيم كل من الخطاب السياسي والخطاب الوعظي في خدمة الاستبداد، حيث كان كل منهما يسهم في تصوير العالم كله بعبعاً مفترساً يتآمر على سوريا وعلى الأمة العربية، وأن علينا إذا ما أردنا بناء النهوض العربي أن نصطدم بكل ما في العالم من حضارات وثقافات، لأنها جميعاً صنيعة الامبريالية والصهيونية والماسونية، وأن نتناول المعرفة والثقافة غضة طرية كما يكتبها لنا كتاب القومية المقدود على مقاس المستبد، والمبرأ من شبهة التبعية لأمريكا وبريطانيا، وهكذا فقد قام حكم البعث خلال خمسين عاماً وببرنامج مقصود بزرع حالة رعاب وقطيعة بين العرب وبين الحضارة الإنسانية، وخاصة في نمطها الغربي الذي قرر حكامنا ومشايخنا أنه يعيش في جاهلية عمياء، وأنه بكل منجزه الحضاري والإنساني والاجتماعي، وبكل ما حققه من تكنولوجيا وتقنيات واكتشافات ليس إلا مؤامرة على سوريا الصمود والممانعة والمقاومة!!
وهكذا فإن أساطير المؤامرة المدمرة حالت دون انفتاح حقيقي على العالم، وتم إلباسها عباءة دينية وسياسية، وأساءت أبلغ إساءة لعلاقة الإنسان العربي بالعلم وبشكل خاص بالعالم الغربي المتحضر.
ولكن هذه الأساطير في الواقع مناقضة تماماً لروح الإسلام، الذي جاء برسالة التعارف والتكامل مع العالم، وأعلن أن يتواصل مع الحضارات والديانات السابقة، وأعلنت الشريعة الإسلامية أنها جاءت لتستكمل ما أنجزه الأنبياء الكرام من معالم الحق والعدالة والإنصاف، فأفادت من النبوات السابقة ومن تجارب الأمم الأولى ودعت المسلم أن يلتمس الحكمة والفائدة في كل تراث الأمم وفي هذا المعنى يقول الرسول الكريم: الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها.
وهذا بالضبط ما تم إنجازه خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية حيث أفاد المسلمون فائدة كبرى من تعاليم أهل الكتاب ومن حكمة اليونان كما أفادوا من حضارات مصر وبلاد الرافدين والقوانين الرومانية حتى اعتبر الفقهاء جانباً من هذه الحكمة والمعرفة مصدراً من مصادر الشريعة تحت عنوان: شرع من قبلنا، وكذلك ما شرحوه وطوروه من أعمال القدماء كتشريع حمورابي ومدونة جوستنيان وآراء أهل المدينة الفاضلة، وحين قاموا بإطلاق حضارتهم فإنهم قاموا بترجمة معارف الأمم بكل احترام، وكانت دار الخلافة في بغداد تكافئ المترجمين الذين ينقلون علوم اليونان والرومان والهند إلى اللغة العربية بوزن الكتاب ذهباً، وقد كشف ذلك بوضوح عن معنى التكامل بين الإسلام وبين شرائع الأمم الأخرى.
كما تشارك في تدوين الحضارة الإسلامية وإطلاقها علماء وخبراء مسلمون ومسيحيون يهود وصابئة، وكان لكل منهم مساهماتهم الأكيد في سائر حقول المعرفة من طب وهندسة وتشريع وقانون وكيمياء وفلك وغيرها من أشكال المعارف والإدارة كما وصل عدد كبير من هؤلاء إلى مواقع مهمة في الإدارة والسياسة في إشارة جلية إلى روح التكامل بين الإسلام والحضارات الأخرى.
وقد عبر النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن رسالته هذه بقوله: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها إلا موضع لبنة فكان الناس إذا مروا بتلك الدار يقولون ما أحسن هذه الدار لولا موضع اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين.
ويكشف هذا الموقف بوضوح أن الشريعة الإسلامية ليست نشوزاً عن خيارات الأمم السابقة ولا اللاحقة فيما كانت تسعى فيه من خير، وقد أشار القرآن الكريم بوضوح في أربعة عشر موضعاً إلى طبيعة هذه الرسالة القرآنية الكريمة بقوله تعالى: مصدقاً لما بين يديه، إن هذه العبارة تكشف بجلاء أن رسالة النبي الكريم تتكامل مع ما أنجزته من قبل النبوات السابقة وتتواصل مع ما يأتي من بعد في الحكمة اللاحقة، وهي رسالة تواصل واستكمال.
ومن هنا فإن طبيعة التواصل بين ما جاء به الإسلام وما قدمته الشرائع الأخرى يتمثل في التكامل والتواصل والترافد، وليس من الصواب وصفه بأنه فكر منفصل عن الزمان والمكان والعالم، وأن دور البشر فيه لا يتعدى التنفيذ الحرفي، وأنه مناقض لكل ما أنتجته الحضارات الإنسانية، وفي تأكيد هذا المعنى تتم المقارنة لإثبات التناقض بين شرائع الأرض وشرائع السماء، إن مثل هذا الوصف النرجسي للشريعة الإسلامية يسيء إليها من حيث يظن البعض أنهم يبالغون في تقديسها.
وفي سبيل توضيح هذه الحقيقة فإن المفكرين الإسلاميين في العالم كله اعترضوا أشد الاعتراض على وصف ما يجري في العالم بأنه صراع الحضارات، ولمواجهة هذا الموقف الانقسامي أجمعت الدول الإسلامية على اختيار موقف مناهض للصدام والنزاع وعبرت عنه دول منظمة المؤتمر الإسلامي بإطلاق مشروع حوار الحضارات لعام 2001 وقد تم تسمية ذلك العام رسمياً عبر الأمم المتحدة بأنه عام حوار الحضارات.
وفي استطراد فلسفي فإنني أسجل هنا اعتراضي على مصطلح الحضارات وقناعتي أن هناك في العالم حضارة واحدة هي الحضارة الإنسانية وهي التي اشترك في بنائها كل دعاة الخير والعمل والعطاء عبر التاريخ من أنبياء وحكماء وقادة سياسيين ورجال حقوق وتشريع.
إن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست منتجاً أوروبياً أو أمريكياً، إنها في العمق حصيلة الكفاح الإنساني الطويل خلال التاريخ ساهم فيه ملايين المناضلين من سائر الأمم، يقاومون الاستبداد والقهر والظلم، من ثورة العبيد في روما بقيادة سبارتاكوس إلى تعاليم فلاسفة اليونان إلى حكمة الأنبياء وشرائعهم الكريمة إلى كفاح القادة التاريخيين للعدالة والمساواة عبر الثورات الإنسانية الشريفة والجهود العلمية التي توفر على بذلها آلاف الحكماء حتى توصل الإنسان في هذا العصر إلى تحديد معالم العدالة وكرامة الإنسان عبر المواثيق الدولية التي تم إقرارها في هيئة الأمم المتحدة.
ونحن نعتقد أن سير الأنبياء الكرام كانت ملهمة للأحرار من رجال الكفاح الإنساني الذين ناضلوا طويلاً من أجل تحقيق آمال الإنسان الكبرى في الحرية والعدالة والكرامة.
ونعتقد أيضاً أن أئمة الهدى في الإسلام شاركوا في الكفاح الإنساني للتحرر كل في موقعه وتاريخ نضاله، ولا يصعب تلمس أثر الخلفاء العادلين الراشدين كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز وألب أرسلان ونور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم من القادة الإسلاميين الذي أسسوا للعدالة الاجتماعية وقواعد الإنصاف في العلاقات الدولية.
ومن حقنا كذلك أن نشير إلى جهود كبيرة بذلها علماء الإسلام أيضاً لبناء علاقات إنسانية في الإطار الحقوقي أكثر عدالة ومساواة، ونشير هنا إلى جهود الماوردي والفراء، ونشير إلى عدد منهم في العصر الحديث كالأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم من علماء الإسلام الذين دونوا كتبهم في الأحكام السلطانية والعلاقات الدولية ووجوب إنصاف الناس وتحقيق كرامتهم وتأمين العدالة الاجتماعية.
ويتضمن الاعتقاد الإسلامي الإقرار بحقيقة اعتقاديه قاطعة وهي أن الخلق جميعاً عيال الله، وأن الروح التي فيهم هي نفحة من الله نفسه، وأن كل مولود يولد على الفطرة، ومقتضى ذلك أنهم مأمورون أن يبحثوا عن المشترك الإنساني في تحرير قيم العدالة والمساواة، والبحث عن التواصل والتكامل بين نصوص الوحي وبين هدايات العقل وتجارب الإنسان.
وقد أصدر علماء الشريعة الإسلامية عشرات الأعمال العلمية المتخصصة التي كرست لتأكيد الصلة بين الدين والعلم، وتعزيز المعنى الإنساني للإسلام رسالة رحمة ومحبة وخير ترتكز في جوهرها على الجانب الإنساني، وتسعى إلى تحقيق التكامل بين جهود الشرفاء من سائر الأمم في سبيل الخير الإنساني، وهي جهود كبيرة اشتهر بها عبر التاريخ أئمة مسلمون كبار أمثال الفيلسوف الفارابي وابن شينا ابن رشد والشيخ ابن عربي وعبد القادر الجيلاني وجلال الدين الرومي وغيرهم من الفلاسفة الإنسانيين الذين تحدثوا عن إخاء الإنسان للإنسان، ووجوب البحث عن الخير في فطرة ابن آدم، وبالتالي وجوب تطوير ثقافة القانون الجنائي لتنسجم مع مبدأ الإصلاح الإنساني وليس الانتقام، وقد ترجمت أعمالهم ودراساتهم للغات الحية في العالم.
ولذلك فإنه من الطبيعي أن تتقارب شرائع السماء مع ما تم إقراره في المحافل الإنسانية الدولية من أحكام وقوانين تهدف لتحقيق كرامة الإنسان وحمايته من الظلم والاستبداد والدكتاتورية والدعوة إلى تعزيز الديمقراطية والحريات في العالم.
لقد أن الأوان أن يخرج السوريون من قمقم الاستبداد الذي ألغى عن عمد قدرة الإنسان السوري على المبادرة، وحريته في بناء حاضره ومستقبله، وحقه في التواصل مع المنجز الحضاري الإنساني ثم قام بكل غطرسة وقهر بتحديد شكل حياته، واختار له أصدقاءه وأعداءه، واحتكر شهادات الفهم والوطنية ووزعها على من أدى له فروض الولاء، وتخلى عن هذا العالم المتحضر بما فيه من قيم إنسانية واجتماعية، على أساس أننا في غنى عن كل هذه الضلالات، وأن البعث العظيم يشتمل على نبأ الأولين وخبر الآخرين.
وآن الأوان أن ندرك أن الإسلام والحضارة الحديثة ليسا على طرفي نقيض، لا في قوانين التكنولوجيا ولا في قوانين الاجتماع، ولا في المنجز الديمقراطي ولا في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وعلى الرغم من بعض الملاحظات في نمط الحياة الغربية ولكن يبقى الخيار الحضاري الغربي أقرب إلى هدى الإسلام بألف مرة من العقل الاستبدادي الغاشم الذي صادر الحريات وأطلق الرصاص على الهاتفين من أجل الكرامة.

Related posts

الدكتورمحمد حبش-دوما….. معجزة الثبات.مدينة أحمد بن حنبل

drmohammad

د. محمد حبش: ترانس ايريا – مؤتمر جامعة روستوك

drmohammad

الفقهاء الراشدون.الدكتور محمد حبش 30/07/2016

drmohammad

Leave a Comment