مقالات

د.محمد حبش- يوم الشهداء الجهاد على أعواد المشانق 5/5/2006

ِكتبت مراراً عن يوم الشهداء الكبير ومع ذلك فلم أجد سبيلاً لمقاومة القلم هذه المرة أيضاً في رغبته للحديث بالإكبار والثناء عن شهداء أيار.

واضح أن السبب وراء ذلك كله هو إحساسي بنبالة المقصد الذي كان يسعى له أولئك الأحرار وهم يخطون خطواتهم الواثقة على درج المشانق ويقولون للعالم إننا نريد لأوطاننا الحرية والكرامة والسعادة، وإذ كانت أبصارهم تشخص في ساعة الموت كانوا في ضمير الناس في رحاب قول الله سبحانه: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون.
هناك على المشانق التقوا وكانوا شيوخاً وعلمانيين ومسلمين ومسيحيين، ولكن رسالتهم واحدة وهي تخليص الأرض من المستعمر والدفع باتجاه الحرية والكرامة ودرء الظلم عن المستضعفين من العرب الرافضين لمشروع التتريك الظالم.
ولكنهم عانوا ما نعانيه من تقاذف الريب حين يطرح التساؤل المحير عادة: هل أنت تجاهد في سبيل الله أم في سبيل الوطن؟
ولا شك أن طرح السؤال بهذه الصيغة يحملك مباشرة للاختيار الأول حيث لا يعدل بالجهاد في سبيل الله شيء، ولكن لماذا نفترض الحتم في اختيار السؤال هذا وماذا عن المشاعر المشروعة التي يندفع فيها كل من يبذل الغالي والرخيص في سبيل الوطن وفي سبيل الله.
وعادة ما يتناول المتشددون هذا الأمر على أنه مسألة اعتقادية لا يصح التردد فيها، وتسمع هنا وهناك عبارة (هو في النار)!! لكل من أضاف الوطن أو الخير هدفاً آخر في جهاده مع الله سبحانه!! وهو حكم لئيم بكل تأكيد حيث ينصب الناقد نفسه هنا وكيلاً حصرياً لمدارج الجنة ومزالق النار، ويزج هنا وهناك من تنطبق عليهم شروطه ورغائبه.
مع أنني حفظت القرآن صغيراً ولكنني مدين بالجواب عن هذا التساؤل إلى فضيلة الدكتور الشيخ مصطفى البغا حين اختار حل هذا الإشكال من خلال تلاوة آية واحدة في القرآن وهي قوله تعالى: ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين في الأرض، وهي تقرير واضح بالنص أن الجهاد من أجل رفع المظالم عن المستضعفين في الأرض هو أيضاً في سبيل الله، ومحل رضاه، وهو ما شرحه بوضوح النبي الأكرم بقوله: من قتل دون نفسه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد.

نعم إنهم شهداء الحرية علقوا على مشانقهم مسلمين ومسيحيين من أجل مجد سوريا والعرب والذي هو بكل تأكيد مجد حقيقي للإسلام، ولا أشك أبداً أن مشروع جمال باشا السفاح كان ماضياً في تتريك الشام لولا هذه العمائم الطاهرة التي اختارت أن تكون المرجة الطاهرة هي الوعد الذي يرحلون من خلاله إلى السماء وأن يقولوا للأحرار من بعدهم هذا هو درب الخلود.

شهداء أيار كانوا في جهادهم الكبير يرسمون مستقبل الأمة العربية وبدمائهم خطوا تاريخ بعث عربي وإسلامي في المنطقة، ولولاهم لكان علينا اليوم ان نؤذن بالتركية ونلبس البشناق ونترافع إلى حضرة القائمقام وسلامات أفندم، وستجد أن الفتاوى ستكون جاهزة إذا شاءت إرادة السلطان أو العسكر إطلاق إرادة التتريك في أرض العرب.
شهداء أيار كانوا قافلة مباركة من أبطال الحرية، انطلقت صيحتهم من مكة في وجه الأستانة، وقاد كفاحهم أهل بيت النبوة في وجه طغاة الإنكشارية من أحفاد أرطغرل، ولا سواء، وعلى المشانق علق السفاح عمامتين طاهرتين لا يجوز أن ننساهما أبداً الشيخ عبد الحميد الزهراوي والشيخ أحمد طبارة، ومن حق هاتين العمامتين اليوم أن تكونا في متحف دمشق الوطني شاهد عدل على أن رجال الدين كانوا أيضاً يحسون معاناة شعوبهم وأنهم ليسوا أولئك الذين يعيشون امتيازاتهم وترفهم على حساب الشعوب، وكذلك للتأكيد على أن الخلاص من العثمانيين لم يكن رغبة التيارات المتفرنجة التي تلهث للحاق بالمشروع الغربي، بل كانت رغبة الشرفاء الذين رأوا في سلوك سلاطين بني عثمان انحرافاً واضحاً عن منهج النبوة في إقامة العدل والمساواة بين الناس.
إن من المرارة بمكان أن بعض مراكز الثقافة في البلاد العربية لا تزال تشيع همساً مريباً حول أبطال أيار، على أساس أنهم ما كانوا يقاتلون في سبيل الله، وأن جهادهم كان من أجل حظوظ وطنية واجتماعية، وكأن سبيل الله التي يدعو إليها القرآن هي شيء مختلف عن العدل والخير والنور الذي ينشده الشرفاء !
إن الجهاد في سبيل الله ليس هدفه حماية الله، فالله عزيز قهار، بل حماية الأمة والدفاع عن الوطن، تماماً كما يفهم كل عاقل من قوله تعالى واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول فليس قصد الآية أن يجمع المال ويرسل إلى السماء ليقع في يد الخالق، أو يرسل إلى قبر النبي  ليقع في يده، بل إن إنفاقه في الفقراء والمساكين وذوي الحاجة هو معنى بذله في سبيل الله ورسوله.
إنه ليس من العسير الوعي بذلك كله، ولكن المؤسف والمر أنه لا يزال يتحكم بالوعي الديني في عدد من مراكز التأثير عقليات جامدة لا تزال ترى في الحسين سيد الشهداء محض خارج على الإمام الشرعي (الصالح) يزيد !! ، وفي الثائر الكبير عبد الله بن الزبير محض شاق للطاعة ومفارق للجماعة، ومعارض للإمام الشرعي (الحجاج) !! وهو الرجل الذي قال عنه عمر بن عبد العزيز: والله يا بني أمية لو جاءت الأمم بذنوبها يوم القيامة وجئتم بالحجاج لغلبتم سائر الأمم!!
بالطبع لا نستطيع أن تتحدث عن مفاسد الحكم العثماني في عهده الأخير من دون أن نشيد بموقف مشرف للسلطان عبد الحميد الذي حاول أن يرمم ما آلت إليه فضائح الدولة العثمانية، ولكن هل يصلح العطار ما أفسد الدهر، ومع ذلك فقد ذكره التاريخ باحترام يوم رفض أن يبيع دينه وقدسه بقناطير الذهب التي دفعها إليه هرتزل واختار أن يقول بملء فيه لا للمشروع الصهيوني في المنطقة، واختار أن يطرد من قصره تجار الرشا والحرام لتبقى القدس الشريفة طاهرة نقية، مدينة الله والصلاة.

تحية لشهداء السادس من أيار مرتين مرة لفدائهم وبسالتهم وجهادهم، ومرة ضد الإنكار اللئيم الذي واجهتهم به ثقافة الظلام عندما قالت لا مكان لهم بين الشهداء، لأنهم ناضلوا من أجل قوميتهم وأوطانهم وليس من أجل أديانهم!!! وكأن الجهاد في سبيل الله محض كفاح يبذل فيه الإنسان الروح من أجل خدمة الرب!! والله غني عن العالمين.

من شهداء أيار
الشيخ عبد الحميد الزهراوي والشيخ أحمد طبارة

Related posts

د. محمد الحبش- لبنان أرض الإيمان… بين التاريخ والحاضر 25/8/2006

drmohammad

د. محمد حبش- الطريق إلى تنوير العقل الإسلامي .. من أين نبدأ…? 11/4/2008

drmohammad

د.محمد حبش- كيوتو… صخب في مؤتمر الأديان العالمي في اليابان 1/9/2006

drmohammad

Leave a Comment