مقالات

د.محمد حبش- التحديات التي تواجه تيار التنوير 28/4/2006

على هامش مؤتمر المنتدى الدولي للوسطية في عمان

منذ أطلق تيار التنوير صيحته التاريخية التي أذن بها الكواكبي وجمال الدين الأفغاني والمنطقة تعيش على صدى خطاب التجديد تبشيراً ورفضا وقبولاً ورداً، وفي هذا السياق يمكن إدراج أكثر من ثمانين بالمائة مما يكتب في الشأن الإسلامي منذ أكثر من مائة عام!!
ويمكن إجمال التحديات التي تواجه تيار الوسطية من خلال وجهين اثنين:
التحدي الداخلي: وهو نوعان، التيارات الأصولية، والنظم الشمولية.
التحدي الخارجي: ويظهر في شقين: المشروع الصهيوني والعولمة المادية.
ولأن معظم جوانب هذه التحديات قد تمت الكتابة فيها فإنني أختار أن أتحدث عن التحدي الداخلي.
قام السلاطين عادة بحل المشكل الديني من خلال استدعاء العمامة الرسمية التي تكون عادة في خدمة السلطان وهواه والتي تبصر رغائبه أكثر مما يبصرها هو نفسه، وهو مشهد رأيناه في سلوك ابن أبي دؤاد حول المأمون والمعتصم والواثق، ورأيناه فيما بعد حول سلاطين الدولة العلية العثمانية على هيئة أبي الهدى الصيادي، وهؤلاء يوفرون للسلطان في العادة الغطاء الديني التقليدي الذي يحتاجه السلطان ويدركون تماماً المنطقة الحمراء التي يحظر عليهم الاقتراب منها ومن البدهي أنها تشمل نشر الوعي بحقوق الناس في العدالة والحرية والمساواة والديمقراطية، وهي أفكار لا تروق بكل تأكيد للنظام الشمولي وقد قاومها بضراوة حين أخبرته بمصارعه وطبائعه، بحيث يمكنك قراءة القصة كاملة في كفاح رائد التنوير في العصر الحديث عبد الرحمن الكواكبي.

أما التحدي الثاني الذي يظهر أمام تيار الوسطية والاعتدال فهو في الواقع التيارات الماضوية التي تعيش في لحظة محددة من التاريخ، وتعتبر أن أي توجه للتنوير هو عدوان على قرار الشريعة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.
وهنا لا بد من القول بأن الأصولية مصطلح غربي، وقد اكتسب دلالة سلبية لأنه يطالب الواقع بالاحتكام إلى الماضي، الذي تحددت أصوله بنصوص سماوية غيبية يتعين التزامها ولا يصح تجاوزها، وهو تعبير دقيق حين يراد به الانحشار في زاوية محددة من التاريخ والاحتكام إليه، وهنا أود القول بأنني لا أعترض أبداً على العودة إلى عصر النبوة ولكنني أعترض على الفهم التقليدي للالتزام بتلك اللحظة التاريخية، بمعنى منع العقل من المبادرة والاختيار والاكتفاء بقواعد توليتارية شمولية يوتوبية على صيغة: قف على ما وقف عليه الأولون فإنهم عن علم وقفوا، ولو كان خيراً لهدوا إليه، وما ترك الوحي للعقل من عناء، والفهم الظاهري لعبارة كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

يستند الفهم الأصولي إلى عمومات شديدة الصرامة ثم يجللها سرمدياً بدثار الغيب بحيث تستحيل مناقشتها أو الخوض في تأويل ظاهرها أو تخصيص عامها أو تقييد مطلقها أو حتى تنقيح مناطها، بحيث تصبح كليات شرعية لا تحتمل النقاش ومن السهولة بمكان إذن إلقاء الآخر المختلف خارج هذه الدائرة، حتى يتعين رفضه وانتباذه، وحين يبدأ العقل مشواره المعرفي فإنه يواجه بصرامة: قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات والأرض، قل أأنتم أعلم أم الله؟ مع أن الله سبحانه هو من أمرنا بإعمال العقل والتفكر في الأرض والتدبر، وعادة ما يطالبون العقل بالكف عن (الشغب) على أساس أن الأصل في أحكامه الضلالة وأن الإنسان هنا من أجل أن يمضي وراء خيارات حسمت منذ أربعة عشر قرناً وليس له فيها من دور إلا التسليم والطاعة: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ويتم الحديث عن إلغاء دور المبادرة الإنسانية والاكتفاء بما تخيره له الأولون على أساس أنه إرادة الوحي، وهنا يقوم الكهنوت بالحديث باسم الرب ويستخدم باستمرار نص القرآن الكريم: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً، كما لو كان هذا القضاء النبوي في جيب الكهنوت يخرجه في الزمان والمكان الذي يريد.
وبالوسع أن نضيف أكثر من مائة نص كلها في وجوب السمع والطاعة، وهو الأمر الذي تم اختزاله فيما بعد على شكل نصوص مطلقة منع فيها التأويل والتخصيص والتقييد، وأصبح أي إعمال للعقل في المسألة التشريعية نوعاً من العدوان على النص الحكيم، وهو ما أدى إلى تجنب كثير من الحكماء الدخول إلى تلك المنطقة الحمراء واجتنابها بالكلية.
إنني في الواقع لا أعترض أبداً على أي من هذه النصوص المعصومة، وبالتالي لا أعترض على العودة إلى فهم النبوة لهذه الحقائق ولكنني أعترض على السياق الذي وضعت فيه ممنوعة من التأويل والتخصيص والتقييد، ولا أجد في معرض الجدل هذا أفضل من أذكر بالمقابل طائفة من النصوص القرآنية والنبوية التي أمرت باستعمال العقل إلى الغاية ودعت إلى تغير الأحكام بتغير الأزمان ولكنها عوملت من التيار إياه بالتقييد والتخصيص والتأويل الذي يصرفها عن أن تكون قواعد فكرية للحوار والمعرفة، وهي نصوص يتوجها قول الله سبحانه: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، وللأسف فإن عدداً من الكتاب المحدثين راحوا ينبشون أقوالاً متعددة تذهب إلى أن هذا النص منسوخ بآية السيف، وأن لا سبيل للحرية الفكرية في الإسلام بعد أن حسمت فيها قواطع السيوف، مع أن جمهور الفقهاء والمفسرين على أن هذه الآية محكمة غير منسوخة.
وحين تقرأ هنا: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فمن البدهي أن تتذكر أن نصرة العدل والقيام بالإحسان في الأرض هي مقاصد الإسلام وكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور أو من الرحمة إلى العسف فهي ليست من الإسلام في شيء.
أما السنة النبوية الشريفة فقد جاءت واضحة في إتاحة أكبر أفق للعقل والتجربة الإنسانية واحترام خبرات الإنسان وكفاحه: أنتم أعلم بأمور دنياكم ، وفي رواية أخرى قال r إذا أمرتكم بالأمر من أمور دينكم فهو مني وأنا قلته وإن أمرتكم بالشيء من أمر دنياكم فإنما أظن ظناً، وأرسل علي بن أبي طالب في مهمة في عصر النبوة تتصل بتنفيذ حد شرعي، ولكن علي بن أبي طالب رأى من الوقائع ما لم يكن قد انتبه إليه النبي الكريم، وحين عاد أدراجه قال: يا رسول الله أحدنا ترسله في الأمر أيكون كالسكة المحماة (الآلة التي تنفذ بدون تفكير) أم إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب؟؟ وكان جواب النبوة هنا واضحاً: لا ، بل إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب!!
إن استعراض منهج النبي الكريم في عصر الرسالة في وعيه بما هو ثابت وما هو متحول يجعلنا نقف مشدوهين أمام الإرادة العجيبة في التطور والتحديث التي ظهرت في عصر الرسالة ففي إطار القرآن الكريم الذي هو المقدس الأول تم نسخ عشرين آية على الأقل خلال عشر سنوات من عمر الرسالة، وعدد مماثل من السنن النبوية، وفي هذا المنسوخ أحكام تتصل بالحدود والحكام والعبادات والمعاملات وسائر فروع التشريع، بل إن مسألة القبلة التي هي أوضح ملامح الشريعة ورموزها قد نسخت مرتين على الأقل فمضى الأمر في أول عصر الرسالة إلى استقبال الكعبة ثم بيت المقدس بعد فترة ثم عاد الأمر باستقبال الكعبة: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره.
إن ما نتطلع إلى تأكيده هنا هو أن خيار إعمال العقل هو الخيار الذي لا نهضة للأمة إلا به، وأنه حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، والإسلام عدل كله ونور هديه، وهو وحدة جامعة ورحمة واسعة، فأيما مسألة خرجت من العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى العذاب ومن الوحدة إلى الفرقة فليست من الإٍسلام في شيء وعلينا أن نواجه هذا التحريف الذي يوجه إلى الأمة في قضاياها الكبرى.
إن التحدي الأكبر أمام تيارات التنوير يتمثل في منح العقل والفكر والتجربة الإنسانية الدور الفاعل للتعامل الحياة في ضياء السنن الإلهية التي أخبر بها القرآن الكريم: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.

Related posts

الإمارات في المريخ

drmohammad

ماكرون وأردوغان – الصراع في ثوب العقيدة

drmohammad

د.محمد حبش- ماذا يفعل السوريون في أمريكا 2/6/2006

drmohammad

Leave a Comment