مقالات

د.محمد حبش- الفن رسالة من أجل الحياة 17/7/2007

Image default

قراءة في رسالة فن النشيد الإسلامي

منذ فجر الإسلام سجلت عدسة التاريخ أول مشروع فني في دولة الإسلام يسهم في جعل الحياة أجمل وأعذب ، كان ذلك بالضبط في أول يوم في التاريخ الإسلامي عندما وقفت فتيات موهوبات من بني النجار بالمدينة المنورة وبأيديهن الآلات الموسيقية المتوفرة من الدف والمزهر وبدأن يغنين الأغنية الخالدة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع، وكان ذلك بحضور النبي الكريم وإقراره وفرحه، وكانت هذه الأغنية الجميلة إيذاناً بإطلاق رسالة من الفن النظيف في خدمة الحياة، واشتراك المرأة في خدمة هذا اللون من الفن الذي يجعل الحياة أكثر طهراً ونبلاً.
ولم يكن النبي الكريم يبخل بترشيد هذا اللون من الفن وتهذيبه، وعلى الرغم من معارضة بعض الصحابة الكرام لغناء النساء فقد ظل الرسول الكريم هادئاً حبيباً، وقال لمن نهى عن الغناء: دعهما تغنيان فإنها أيام عيد وفرح، وحين ذهبت إحدى المغنيات إلى المبالغة بمديح الرسول الكريم وقالت: وفينا نبي يعلم ما في غد، قطع النبي الكريم غناءها بلطف وقال لها: لا يعلم الغيب إلا الله ، دعي هذا وقولي ما كنت تقولين.

كانت هذه الإشارات التي رواها الإمام البخاري في اثني عشر موضعاً في الصحيح كافية لإطلاق روح فنية عالية الإشراق اشتهرت بها على وجه الخصوص المدينة المنورة التي ظلت تحتضن الفن الإسلامي طيلة عهد التابعين الكرام وصولاً إلى عهد الأئمة الفقهاء.
ولكن النشيد الديني اليوم افتقد كثيراً من بهجة رسالته، وفرضت عليه القيود الشديدة التي لم تفرض على النشيد في عصر الرسالة، وتحول النشيد الديني في كثير من الأحيان إلى ترانيم يؤديها المؤذنون بعيداً عن التأثير المباشر الذي يطلبه الحكماء من الفن، وانحشر الإنشاد لعهد طويل في إطار مجالس الصلاة على النبي وتحدد جمهوره سلفاً بالفريق الملتزم بهذه المجالس وتكرست غربته يوماً بعد يوم عن باحة الحياة لأولئك الذين ينتظرونه زاداً للروح وترجماناً للأشواق ومعياراً للأذواق.

أبو الجود السرميني اسم سوري يتردد على ألسنة السوريين وبشكل خاص في أفراح الموالد النبوية في دمشق وحلب فإن الحفلات التي يحييها يقصدها جمهور خاص من المؤمنين برسالة الفن الملتزم والكلمة الطيبة، وهو يمثل ظاهرة متميزة في جعل النشيد الديني رسالة ومدرسة وليس محض ترويح عن النفس، وارتواء للعاطفة.
ومع أن اختصاص الرجل في الحقل الفني ولكنني سعيد أن أروي لك إسهامه في معالجة المشكلة التي ألهبت العلاقة بين الشرق والغرب وهو ما بات يعرف باسم أزمة الرسوم المسيئة للرسول، حين دعي مع فريقه ليقول شيئاً في الدنمرك بعد أزمة طاحنة عمت العالم الإسلامي وخلفت عشرات القتلى من المسلمين الغاضبين بأيدي شرطة الشغب في البلاد الإسلامية المختلفة.
من وجهة نظري فإن الغضب العنيف الذي تعامل به المسلمون مع الخطيئة الدانمركية كان غضباً غير بصير وقد تسبب في جعل المجتمع الدنمركي بوجه من الوجوه يصطف وراء الأعمال العدائية على الرغم من أنه لا يحمل هذا الروح ، ولكننا عن عمد وتصميم دفعنا الجمهور الغربي دفعاً إلى الخندق المعادي للقيم الإسلامية واعتبرنا الغرب بحكوماته وشعوبه وبرلماناته وجامعاته ومصانعه ومدارسه وسياساته ودكاكينه وحوانيته وشواطئه وأرصقته مسؤولاً بالكامل عما جرى من إساءات، مع أننا في دين ينص صراحة أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن كل نفس بما كسبت رهينة.

كانت مفاجأة أن يطل على الجمهور الدنمركي بدعوة من الدنمركيين منشد إسلامي يعتبر حكماً صوت المحافظين في حقل الفن الإسلامي الملتزم، ولا نحتاج لأدنى تكلف لنتذكر أن صوت الرجل كان في الواقع نشيد الحركة الإسلامية على اختلاف أطيافها وألوانها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وكانت الروح الحماسية التي يتطلبها شباب العمل الإسلامي لا توجد إلا عند أبو الجود، وهكذا فأعتقد أن كل من علم بمغادرة أبو الجود إلى الدنمرك توقع أن يقدم للغربيين خطاباً غاضباً يحطم أوهام الجاهلية على منطق فابسط السيف وانشر النطع لا تغادر فوق ظهرها أموياً!!
ولكن الموقف كان في إطار آخر فبعد الصرخات الغاضبة التي تطالب الغرب بالاعتذار كان أبو الجود يقدم نشيده المتميز في قاعة الفن الدنمركي في كوبنهاغن: بعنوان صريح : أعتذر إليك أيا غرب!!
أعتقد أن صورة كهذه تقدمها حنجرة دافئة ووجه مبتسم ولحن رقيق أكثر أثراً في نفوس الغربيين، وأكثر فائدة في الدفاع عن النبي الكريم من عشرات الوجوه الغاضبة التي كانت تصرخ من داخل الأكياس السوداء المنقوبة عند العيون وتهدد بالانتقام والثأر وبالتالي تضرم النار بالسفارات الدنماركية وما جاورها من سفارات ومحلات ودكاكين وعابرين من عباد الله.
وفي قصيدة من نحو عشرة أبيات اختار أبو الجود أن يقدم اعتذاره للمجتمع الغربي لأننا لم نتمكن من إيصال الرسالة إليه كما ينبغي أن تكون، ولأن صورة الإسلام المشوهة هي في الواقع نتيجة تقصيرنا في تقديم أنفسنا للعالم، والانسحاب من ساحة التعريف بالحضارة العربية والإسلامية لصالح القوى المتطرفة التي رسمت صورة الإسلام من خلال موقفها العدواني ضد الآخر أياً كان هذا الآخر.

لقد أوصل الفن الإسلامي رسالة واضحة وهي أن المسلم ليس مشروع حرب ضد العالم، بل هو رفيد مشارك في صناعة الحياة بالعلم والمعرفة كما بالكلمة والفن والحكمة.
يمكن للفن أن يكون أكثر من متعة وتسلية، ويستطيع الإنشاد الديني بالذات أن يوجه رسائل قوية للعالم عن الحضارة الإسلامية التي تؤمن بالحب والحياة والجمال، وحين يطوف رجل مثل حمزة شكور مع جوقته في عواصم العالم الغربي يقدم لوحات مضيئة للفن الإسلامي، وهي تزداد تأثيراً حين تكون تشارك مع جوقة الفرح للأب الياس زحلاوي وترسم على منصات العالم صورة سوريا في المحبة والإخاء.

إن دخول الموسيقى إلى فن الإنشاد الديني أصبح ضرورة يحتمها التنافس على اجتذاب مسامع الجيل، وهي من الجانب الشرعي مسألة اشتد حولها الجدل في الماضي ولكن لا ينبغي أن نتردد اليوم في الاستفادة مما كتبه الإمام الجليل ابن حزم الأندلسي في نحو خمسين صفحة من كتابه العلمي المحكم إحكام الأحكام وفيها أكد أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة دل على أن الموسيقى المتاحة في زمن النبوة قد تم استخدامها بالكامل أمام النبي الكريم وبتشجيع منه مما يقطع الجدل حول تأصيلها الشرعي، ومع أن مذهب ابن حزم في الموسيقى لم يقطع الجدل ولكنه على كل حال قطع الوهم بحصول الإجماع على تحرم الموسيقى كما يتردد اليوم.

أود أن أسجل هنا احترامي للفريق الذي يسهر على تطوير النشيد الديني ومنحه خبرات العصر ووسائله، ليغدو رفيداً حقيقياً في بناء الحياة، ويطلقه من عقال الترانيم الأوبرالية ليغدو رسالة حب وفرح وجمال، يستجلب أعذب ما في الدنيا من أصوات، ويعزف على الوتر الصادح والناي الحكيم والكمان الضاحك لتقفز الكلمة الطيبة إلى القلوب والأفئدة وتقطع الطريق على موسيقى الصخب الماجن المعجون بالإثم والفحشاء.

الإسلام أنجز إصلاحاً هائلاً على صعيد الفن ورسالة الكلمة، ولعل أقرب الأمثلة أن نتذكر الكلمة الشائعة: أعذب الشعر أكذبه، ولكن هذا الوهم تتبدد تماماً عندما أطلق النبي الكريم برنامجه الإصلاحي وهو ما اختصره فيما بعد حسان بن ثابت بقوله:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه على المحافل إن كيساً وإن حمقاً
وإن أشعر بيت أنت قائلــــــــه بيت يقال إذا أنشدتــــــــه صدقا

Related posts

ردة ولا أبو بكر لها

drmohammad

د.محمد حبش- التنوير في مواجهة التكفير 4/11/2006

drmohammad

د.محمد حبش- في سبيل الله والمستضعفين في الأرض

drmohammad

Leave a Comment