مقالات

د.محمد حبش- رصاص الفتنة…قراءة فقهية في أحكام الجهاد والصيال 22/6/2007

أشعر بالحرج وأنا أفتح ملفاً فقهياً حول أحكام الاقتتال الداخلي فأنا لا أجهل أنه في ساعات الفوضى والاقتتال الداخلي فإن أحداً على الإطلاق لا يهتم بالترجيح بين الأدلة أو النظر في مآلاتها ومراميها ، فقد نطق الرصاص فما يباح كلام ، وجرى القصاص فما يتاح ملام.

ولكن لا بد للمؤمن الذي يراقب ما يجري في أرض الرباط ، أن يبحث عن دليل شرعي ليحدد موقعه من صراع مجنون كهذا.
الأصل الذي يرسم واجب المسلم في القتن هو قوله صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، وأمام نص صريح صادم كهذا لا يحتمل أي تأويل، ثارت سلسلة من التساؤلات الكبيرة ، وتناوب الأصحاب على استيضاح الأمر من الرسول نفسه، وقال قائلهم: يا رسول الله هذا القاتل فماذا ذنب المقتول؟؟؟ والجواب النبوي لم يتأخر عن البيان وكشف النبي الكريم: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه!!
وهكذا فقد وقفت الشريعة موقفاً صارماً قاسياً في رفض الاقتتال الداخلي، واستخدمت أقسى عبارة تهديد ووعيد في حق المنغمسين في القتال الداخلي: الوعيد بجهنم للقاتل والمقتول جميعاً، وكان ينبغي لأمة تؤمن بربانية مصدر التشريع أن يصعقها هول الوعيد هذا فتكسر السيوف حال الفتن، وتعتزل الناس!!
ليس التكليف بترك السيف في الفتن أمراً سهلاً بل هو بكل تأكيد أقسى من الأمر بامتشاق السيف يوم المعركة، أو قل إن شئت إن الأمرين في الشدة والعناء سواء، ولكن علينا أن نتذكر أن الشريعة التي أمرت بسل السيف يوم الجهاد أمرت بكسر السيف يوم الفتنة، وقد جاءت بيانات النبي الكريم واضحة صريحة في ذلك، حين جاء حذيفة بن اليمان يسأل النبي الكريم عن موقف المؤمن أيام الفتن، وتماماً كأنما كان يسأله عن الواقع الفلسطيني اليوم، عن نزاع فتح وحماس، كأنما كان يسأله عن فتح أم الشهداء وعن حماس رمز المقاومة…
قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنّا كنا في جاهلية وشر، فأكرمنا الله بمبعثك فهدانا إلى هذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك.
والأمر هنا صريح وواضح في وجوب اعتزال الفتنة كلها مهما بدا لك هذا الخيار مرهقاً بالأوهام فإن الأمر الذي لا شك فيه أن المسلم مأمور بالهرب من الفتن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن.
إن الخروج من مستنقع الفتنة وإن بدا مطلباً سلبياً ولكنه في العمق أكثر من إيجابي، وهو يكشف لك عن إرادة واضحة للرسول الأعظم لحقن الدماء مهما كانت المبررات والأهداف، ولو كان ذلك على حساب الكرامة الشخصية للأفراد وهو الأمر الذي اقتحمه البيان القرآني إلى الغاية بالتعبير الصريح: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين!!
ولكن دليلين آخرين ينهضان مقابل هذا الدليل الجلي ويؤدي كل منهما إلى الارتباك في منهج التصرف وقت الفتن، الأول: هو قول الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.
والآخر قوله: من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد، وواضح أن الأمر هنا يشتمل على دعوة للدفاع عن النفس في مواجهة الباغي، ولو أدى ذلك إلى إراقة الدماء!!
ويبدو لأول وهلة أن كلاً من النصين كاف لنسف مقولة المقاومة السلبية من أساسها ولإغراء الأمة باقتحام سبيل المقاومة المسلحة مع كل معتدي بدون تفريق بين الصديق والعدو!!
ولكن بالآلة الأصولية نفسها فإن علينا أن نقرر من هو الباغي؟ وكيف لنا أن نجزم أي الفريقين هو من أمر القرآن بقتاله على أساس أنه من البغاة، ولكن قراءة متأنية لنصوص الشريعة تجعلك تدرك أن الخطاب هنا موجه للأمة بمجموعها عندما تكون موحدة ولها إمام انعقدت بيعته بوجه صحيح وليس له معارض، فهاهنا فإن الأمر القرآني موجه إلى القيادة التي حظيت ببيعة تامة لا نزاع فيها، وأصبح لها مؤسسة قضائية تحظى باحترام الجميع، وفي الآية نفسها النص الصريح بذلك وهو قوله تعالى: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتُّم، ومقتضى ذلك أن النبي الكريم بوصفه قائداً إجماعياً للأمة هو من يحدد البغاة ويأمر بقتالهم، وهنا نفترض بأن الدولة موحدة مستقرة فوقع نزاع بين قبيلتين أو قريتين أو حزبين أو حركتين فهاهنا يتعين على قيادة الأمة التي حظيت بالإجماع أن تبدأ بالصلح بين المتقاتلين فإن أبت إحداهما فتقاتل التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل.
وهكذا فلا يمكن على الإطلاق إعمال هذا النص في ظروف الانقسام والفتنة حين لا يكون للأمة رأس واحد محل إجماع الكافة، وهنا بالضبط أجاب النبي الكريم على سؤال حذيفة حين قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال تعتزل تلك الفرق كلها، فليس لمن لم يحظ بإجماع الأمة أن يكون حكماً في تحديد الباغي من الفريقين، وهنا نستأنس بموقف الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص الذي اعتزل الفتن كلها على الرغم من أن الباغي كان محدداً بما يشبه النص، حين قال الرسول الكريم لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، ومع ذلك فإن سعداً لم ير الجهة المرجعية التي يمكنها تطبيق نص كهذا فاختار اعتزال الكل وكان أكثر الصحابة حكمة ونجاحاً وتوفيقاً.
أما النص الآخر في أن من قتل دون ماله أو عرضه فهو شهيد فهو ما درسه الفقهاء الكرام تحت عنوان: دفع الصائل والصائل هو المعتدي الذي يبلغ فناء دارك ويهم بالاعتداء عليك فهنا يشرع لك الدفاع عن نفسك، ولكن هذا الدفاع مقيد أيضاً بأدلة الشرع، فهو أولاً خاص بمهاجمة الصائل نفسه، وهو من يتحرك مباشرة للاعتداء عليك، والتعبير بالصائل دقيق وضروري ولا يجوز أن يشمل أكثر من الصائل نفسه فلا يجوز هنا قتال أهل الصائل أو فصيل الصائل أو شريك الصائل أو حزب الصائل، ولا حتى الآمر بالصيال، وذلك لأن دفع الصائل استثناء من الأًصل وضرورة ينبغي أن تقدر بقدرها، ولا يجوز التزيد عليها.
وزيادة على ذلك فإن الفقهاء نصوا هنا على عدد من الأحكام لضبط سلوك الأفراد، لأن دفع الصائل استثناء من الأصل فالأصل أن الدولة هي من يقيم الأحكام والعقاب، ولكن هنا جاز للأفراد ذلك ضرورة، لأن الصائل قد يبلغ مراده من الضحية قبل أن يصل الغوث من الدولة، فيجب التقيد بشروط صارمة في ذلك ومنها أن الصائل إذا أمكن دفع شره بالصياح والاستغاثة لم يجز ضربه بالعصا وإن أمكن دفعه بالعصا لم يجز ضربه بالسلاح وإن رده ضربه في رجليه لم يجز ضرب رأسه، وهذه كلها يقدرها المدافع الذي يتعرض للاعتداء!!
ومع ذلك كله فلنتأمل في معنى ثناء النبي الأكرم على الشهيد المقتول وعدم ثناءه على المدافع القاتل، مع أنه معذور ولا حرج عليه، ولكن رسول الله ذكر المقتول هنا الذي يموت في دفاعه عن عرضه وماله ودينه!!
وهكذا فإن أحكام دفع الصائل لا يجوز أبداً أن تكون تبريراً لما يحصل اليوم من الترصد والاغتيال والثأر والانتقام على أساس أنه رد للصائل، وهي الدعوى التي يستخدمها اليوم بالتساوي طرفا النزاع من المتورطين في القتال الداخلي الفلسطيني.
أعتقد أنه بعد تحرير هذه المسائل في الشريعة لم يعد من حق أحد أن يقول في تبرير الفتنة الطاحنة المجنونة إنها حق شرعي في الدفاع عن النفس يبيح له الترصد والاغتيال والثأر لمخالفيه مهما زين ذلك بأعذار ظالمة أو فاجرة.
لا يوجد كلمة يحتاج الشعب الفلسطيني أن نكررها على مسامعه في هذه الأيام الرديئة، في غزة ورفح وخان يونس أولى من وصية الرسول الكريم، وهي الكلمة التي يجب أن تقع في مسامع الملثمين بالأقنعة السود في سامراء وبعقوبة وتل عفر والأعظمية والكاظمية والنجف، لا شيء أولى من قراءة الوعيد الشديد الذي نص عليه رسول الله: القاتل والمقتول في النار!!

Related posts

الماضي المقدس والمستقبل المقدس

drmohammad

د.محمد حبش- دمشق والقدس… أرض التين والزيتون…توأمة روحية وتاريخية 4/2006

drmohammad

د.محمد حبش- عزيزتي اليزابيث 24/6/2007

drmohammad

Leave a Comment