مقالات

د.محمد حبش- سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين

قراءة فقهية ليوم المرور العالمي

الرابع من أيار يوم المرور العالمي، وهو اختيار الأمم المتحدة من أجل توفير طرقات آمنة، ومساعدة شرطي المرور على أداء رسالته في مساعدة الناس على السير بأمان وانتظام، ولكن ما عسانا نكتب عن هذا اليوم من خلفية إسلامية؟
يبدو الحديث عن المرور من أفق الفقه الإسلامي سمجاً للبعض ولا يخلو من تكلف ولكنني أصارحك بأنني لا أراه كذلك وأشعر بأن المرور بما هو نمط سلوكي فإن الإسلام لا بد أن يقول فيه كلمته.
ما هو الفقه الإسلامي؟ إنه ديوان العقل المؤمن في فترة صعود حضاري، وهو سجل لكل ما أبدعه المفكرون والباحثون والإداريون والفقهاء في التاريخ الإسلامي لشكل الحياة، وهو يستضيء بنور القرآن الكريم والسنة المطهرة ولكنه لا يتوقف عند حدود النص بل ينطلق في فضاء العقل فيما سكت عنه النص، ولا يقعد عن الاجتهاد حتى فيما ورد فيه النص.
ولست أقصد بالطبع هنا أن تكون وصايا الرسول الأكرم في شأن الطريق هي المواد القانونية الملزمة للناس في الانتقال والحركة والسير بقدر ما أقصد إلى تقديم تجربة ذات بال قام بها النبي الكريم من أجل جعل حركة الناس أكثر أمناً وسلامة وبالتالي من أحل إطلاق رسالة العقل في الاستنارة بهذه التجارب الرائدة لبناء نظام طرقي حديث يحقق مقاصد الشريعة في التواصل بين الشعوب وتحقق الأمن والسلامة فيها.
ولا أشك أبداً أن النبي الكريم كان يتطلع إلى نظام طرقي فريد آمن، حيث كان الأمن مادة مفقودة في جزيرة العرب وكان الناس يعيشون في الخوف ثمانية أشهر وتمضي الليالي ولا يدرون عدتها ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم، وعلى الرغم من مشهد الخوف هذا فقد تطلع الرسول الكريم إلى نظام طرقي آمن اعتبره من مقاصد رسالته، وحين كان الناس يبيتون في الحديد من الخوف قال الرسول الكريم لعدي بن حاتم: يا عدي لعله يزهدك في الإسلام ما تراه من أمرنا وأننا لا نبيت إلا في الحديد، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تمشي الظعينة الآمنة من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها، ولا أكتمك أنني لا أفهم هذا النص في ضباب الخوارق والمعجزات، على أساس أن ملائكة بيض على خيول بلق كانت تجوب أرض الجزيرة لتوفير الأمن، وأن الأفاعي ستعانق الحمائم، وأن من مس امرأة مسافرة بسوء فإنه سيتقاذفه الجن الأزرق والعفاريت الحمر، وتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق!! بل إنني أفهم ذلك في ضياء السنن، وحدود المسؤولية والواجب، وأفهمه على مستوى القرن السابع الميلادي على أنه خانات طرقية وعسس جوالة ودواب مراقبة ورعاية صحية متوافرة، ودوريات أمن متنقلة، وحدود رادعة تقام بالعدل، وهو ما قامت به الخلافة الراشدة إلى حد بعيد، وأفهمه على مستوى هذا العصر بأنه مسؤولية الدولة في توفير شاشات مراقبة فورية الكترونية في السيارات، ومحطات استراحة مجهزة بالكمبيوترات ، وشاشات رادار حديثة في التبلوهات، وسيارات إسعاف ومرور متنقلة، وإشارات واضحة وطرق معبدة وجسور صحيحة وعقد حكيمة، وحواجز إسمنتية ويافطات فوسفورية، ومسامير عاكسة وأعمدة إنارة، وسيارات وسفن وطائرات مراقبة فنياً، ومرافء ومطارات حديثة آمنة، خاضعة لنظم الأياتا الضامنة وغير ذلك من سبل الأمان، فبهده الأساليب يمكن اليوم للظعينة الآمنة أن تتحرك من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها!!
وبعيداً عن طرق السفر الدولية كانت وصايا النبي الأكرم تتكرر في شأن الطريق المحلي: إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله مجالسنا ما لنا فيها من بد، قال فإن لم يكن لكم بد منها فأعطوا الطريق حقه، قالوا وما حق الطريق؟ قال غض البصر وكف الأذى وإفشاء السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي حديث آخر الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله محمد رسول الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
وإماطة الأذى عن الطريق الذي هو شعبة من شعب الإيمان لا تقتصر أيضاً على كنس الطريق وركل الحجارة فيه، بل تتطلب بكل أمانة توفير الطريق الآمن من الأخطار والمطبات والمصائب، وتوقير الجسور والأنفاق الضرورية لمسير آمن، والبحث عن سبل لتخفيف الزحام والاختناقات المرورية، وتأمين ممرات سلسة وآمنة، وبالتالي إماطة الأذى عن الطريق سواء كان هذا الأذى حفراً أو مطبات أو مسالك للحيوانات أو صخوراً تهاوت من الجبال.
وفي القرآن الكريم من رعاية الطريق أدب كريم فقد أمر المسافر أن يدعو بدعاء السفر في منطلق دربه: فيقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
ولكن رعاية الطريق في الإسلام لم تقتصر عند حدود الدعاء والموعظة والنصيحة بل تحولت إلى آفاق أخرى ترعاها مؤسسات اجتماعية حقيقية تتولى رعايتها والإشراف عليها بحيث تؤسس لانتقال آمن بين المدائن والقرى، ومع انطلاق الحضارة العربية والإسلامية فإن رعاية الطريق انطلقت لتأخذ بعداً آخر فقد دخل ابن السبيل في مصارف الزكاة وهو الرجل ينقطع زاده في الطريق وينقلب إلى المدائن بلا مال ولا زاد فيصبح إيواؤه وغياثه من أبر مصارف الزكاة، وبسبب من ذلك فقد تطورت مرافق الطريق في الإسلام، وأصبحت الخانات في الطرق من أهم معالم السرى في البلاد الإسلامية، وفي بلاد الشام على سبيل المثال تنتشر هذه الخانات على طول طرق السفر ، حيث يبنى في كل مرحلة خان يأوي إليه المسافر (المرحلة اصطلاح فقهي لما يقطعه المسافر على دابته في يوم وليلة أي نحو أربعين كيلومتراً) فيجد طعامه وشرابه من مال الزكاة، فعلى طريق القدس مثلاً تجد خان الشيح ثم خان ثديم في سعسع ثم خان أرنبة ثم خان الأحمر، وكثرت الخانات على درب القدس لأنه طريق الحجاج والمعتمرين، وعلى طريق الأردن تجد خان دنون وخان الصنمين وعلى طريق حمص تجد خان العروس وخان قارة وعلى طريق بغداد نجد خان عياش، وفي هذه الخانات كان المسافر يجد الطعام والشراب والزاد، وحاجة الدابة التي ترد الماء والسقيا لتستأنف المسير.
وهذا السلوك الحضاري القرآني كان محل ثناء من الله سبحانه في سورة سبأ إذ يقول: وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين، فجعل توفر المحطات والخانات في السفر نعمة تستوجب الثناء من الله تعالى وظاهر أن الآية واضحة في الثناء على من يحيي ذلك الأدب القرآني الكريم، وأن ثناء الله تعالى ورد على بناء المحطات على طريق السفر وكذلك على توفر الأمن للمسافر على الطرقات، وهو يؤسس لمسؤولية حقيقية على المجتمع لترتيب الأمن في الليل والنهار في طريق السفر، وهو لا يعني بالطبع مجرد الدعاء والصلاة والضراعة بل هو يفترض قيام الأمة بتوفير سبل السلامة على طرق السفر من محطات استراحة ومحطات وقود ووسائل اتصال ومراكز إسعاف وكاسحات جليد ورافعات طوارئ وسيارات إطفاء ولا أشك أن لو مضت الحضارة الإسلامية على خيارها المأمول لكانت محطات المسافرين في البلاد الإسلامية تضارع أرقى المحطات التي نراها في السفر بين المدن الكبرى في العالم من الاتصالات والأنترنت والاستراحة والاستجمام والتسوق.
وكذلك فإنه اعتبر أن قلة المحطات على طريق السفر، وعدم توفر وسائل الإسعاف والإغاثة إساءة ومعصية لما يترتب عليه من أخطار، وهو بالتالي مسؤولية الدولة وإذا قصرت فيها فإنها تستنزل الغضب الإلهي: فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور.
ومن الأحكام الشرعية التي تتعلق بالمرور ما قرره فقهاء مجمع الفقه الإسلامي اعتبار من يتسبب في قتل إنسان قاتلاً إذا كانت سرعة السيارة في المدينة أكثر من مائة كيلومتر، وفي طرق السفر أكثر من مائة وأربعين كيلومتراً، ولا شك أن الحكم بذلك يشتمل على رادع حقيقي للسائقين الذين لا يبالون بأرواح الناس، وهذا الأمر من النظام العام ويجوز لولي الأمر أن يفرض على الناس ما يراه من أحكام رادعة من أجل أن يكف الأذى الذي يتسبب به القادة المتهورون في سياراتهم.
ولا نحتاج لكبير جهد لندرك أن نظم المرور الحديثة اليوم من الإشارات الضوئية وحزام الأمان وجهاز الإطفاء والفواصل الطرقية وبالونات الهواء هي تطبيقات حقيقية لوصايا الرسول الكريم في الأمن الطرقي ووجوب حماية النفس والروح والمال، ولا شك أن التفريط بذلك يعتبر معصية لله سواء كان من الأفراد أو من الدولة.
ويقع نظام السير وكل ما طرأ عليه من تحسينات وتطوير في دائرة قول الله تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور

Related posts

د.محمد حبش- قراءة في فتح مكة يوم السلام العالمي 19/9/2008

drmohammad

د.محمد حبش- الترشح للمناصب العامة في الإسلام 27/4/2007

drmohammad

د.محمد حبش- جهاد من أجل استقلال سوريا..من مؤتة إلى اليرموك إلى ميسلون18/4/2008

drmohammad

Leave a Comment