مقالات

د.محمد حبش- النص الديني وتأويلات الحاخام بوش 23/5/2008

Image default

ليست هذه أول مرة يتم فيها تسخير النص الديني من أحل مصالح سياسية ، وبوش ليس أول المتاجرين بالنص الديني ولن يكون آخرهم، فهذا الرجل الراحل بيقين من البيت الأبيض يقدم موعظة الجبل الأخيرة قرب الهيكل في ذكرى قيام دولة إسرائيل، وهناك يغمض عينيه بخشوع مستسلماً لأمر الرب وهو يرتل وصاياه في العهد القديم، للكفاح من أجل تأمين أرض الميعاد لشعب الله المختار، وتوفير الأتقياء من الفرسان والمحاربين في العالم المتحضر من أجل مجد إسرائيل.

قد يكون مفهوماً أن يسعى بوش لاسترضاء الصهاينة وخطب ودهم وهو في طريقه إلى البيت الأبيض، ذلك أن أحداً لا يجهل النفوذ الأمريكي القوي للوبي الصهيوني في أمريكا، وبهذا المعنى فإن الرؤساء الأمريكيين بدون استثناء يعرفون المعادلة، وهو قدر من المراوغة السياسية يستوي فيه اليوم ماكين وأوباما وكلينتون وكذلك كل الذين سبقوا من قبل للدخول في حلبة المنافسة أو خرجوا منها.
ولكن ما لا يمكن قراءته سياسياً هو أن يعمد الرئيس الأمريكي إلى هذا الهوان وهو في طريقه للرحيل، ومن شأن الرايح أن يكتر المنايح، وهنا فإن علينا أن نبحث عن أسباب غير سياسية، وهنا بكل مرارة أقول إن الأسباب التي تدفعه لإظهار هذا الحماس المحموم لدولة إسرائيل هي أسباب دينية لاهوتية أكثر منها أسباب سياسية مصالحية!!
وأنا هنا معني بجانب واحد من هذه المعادلة الملعونة وهو أثر التأويل في تشويه النص الديني، وهو سعي لئيم تم استثماره وتوظيفه تاريخياً ضد كل القيم التي بشر بها الأنبياء.
الإسلام والمسيحية واليهودية أديان سماوية تشتمل على قيم كريمة وشريفة، ولكن التأويل السياسي للنص الديني قام بتشويه قيم هذه الأديان وتم تاريخياً تشويه اليهودية بالفكر الصهيوني، وتشويه المسيحية بالأطماع الصليبية، وتشويه الإسلام بالسلوك الإرهابي.

عمد بوش في خطابه الأخير كحاخام محترف إلى قراءة نصوص التوراة قراءة صهيونية مطلقة واختار النصوص التي أوردها العهد القديم عن وعد الله لإبراهيم بأن تكون له أرض إسرائيل ولأبنائه وتمام النص كما أوردها بوش:
لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات، أعطي لك ولنسلك من بعدك ارض غربتك كل ارض كنعان ملكاً ابدياً.
وبدون أن نتطرق لسلامة النص وإثبات صلته بمن نسب إليه، فإن الأمر يمكن فهمه لو صحت النوايا بتأويل يسير على أنه وعد من الله لإبراهيم في وقت كان يسكن هذه الأرض أبناء إبراهيم، بل إن المنطقة كانت قبل النكبة وخلال أكثر من 3600 عام مسكونة للإبراهيميين، وكان كل من في المنطقة ينتسب إلى إبراهيم، من أحد فرعيه الرئيسيين إسحق أو اسماعيل، وهذا الأمر ينطبق على الأرض من النهر الكبير إلى البحر، ولا زال كل الناس الذين يعيشون من الفرات إلى عريش مصر من عرب وأكراد وأرمن يقولون إن جدهم إبراهيم، وهذا الحقيقة لم تنتهك إلا بعد النكبة حين وصلت أفواج اليهود من العالم، وهم كما تقول سحنة وجوههم لا علاقة لهم لا بإبراهيم ولا إسحق (وربما بآدم أيضاً)، وهم خزريون وبولونيون وفلاشة وأرجنتيون وغير ذلك من شتات الأمم.

ولكن أشعر بالحرج أن أصارحك أن البيت الأبيض وفريق الإدارة الأمريكية الذين يتخذون أكثر القرارات خطورة على مستوى العالم تحكمهم أوهام توراتية لاهوتية بقدر غير قليل، وربما كان روجيه غارودي أشد المفكرين جرأة في توضيح هذه الحقيقة في كتابه الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني، ولو أنه كتب من جديد لكان عنوان كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولا يكتم هؤلاء رؤيتهم أن إبراهيم الذي هو أبو المنطقة تورط في جريمة الزنا بجاريته هاجر، ومنها كان إسماعيل ونسل العرب وإن الرب لم يرض عن إبراهيم ويغفر له خطيئته إلا بعد أن ألقى بجاريته التي أغوته وولدها (اللقيط) في برية فاران، وأخرجها من الأرض المقدسة التي هي لنسل إبراهيم (الشرعي) ونسل إبراهيم محصور بالأولاد الشرعيين من سارة، ولا يشمل أولاد هاجر الذين هم في العقل التوراتي اللاهوتي باختصار (أولاد حرام)!!
كم هو مريع أن تقدم هذه القراءة الإجرامية وتنسبها للرب، وقد كنت شخصياً أستنكر أن يكون هذا الفهم موجوداً في أي من كنائس العالم، أو لدى أي من العقلاء، ولكنني قمت شخصياً بأكثر من حوار مع قساوسة من المعمدانية الجنوبية في أمريكا التي ينتمي إليها بوش، وفوجئت أو قل ذهلت حين رأيت أنهم لا يترددون في شرح هذه الرؤية وتبريرها على أساس أنه لا نسل شرعياً لإبراهيم إلا من سارة، وأما الآخرون فهم أولاد حرام!!
ببساطة أكثر إن حكاية أبناء الست وأبناء الجارية التي نظنها من تقاليع باب الحارة وليالي الصالحية هي في العمق الديباجة التي تحكم سلوك الإدارة الأمريكية تجاه شعوب الشرق الأوسط، وبالذات سكان الشام الشريف، وذا كانت لديك حول ذلك أي شكوك أو أوهام فيكفيك أن تقرأ نص الخطاب بوش الذي ألقاه يوم النكبة في الكنيست الصهيوني في تل أبيب، وبشر فيه بأن أبناء الست سيستوفون الأرض الموعودة، فيما سيذهب أبناء الجارية من حماس وحزب الله إلى الجحيم!!

التسلل عبر النصوص الدينية إلى الأطماع التوراتية سلوك قديم مارسه من قبل أشرار بني إسرائيل، وكان من السهولة بمكان أن يقوم عدد من هؤلاء بمحاولة التسلل عبر التأويل لجعل النص القرآني نفسه منادياً بالأحلام التوراتية، وعلى سبيل المثال فقد ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين، وكان من السهولة بمكان أن يتم تأويل النص القرآني على أنه اعتراف بالدم الأزرق للشعب المختار من بني إسرائيل وأنه أفضل خلق الله وأقدس شعوب الأرض، وذلك بدلالة ظاهر النص القرآني الكريم!
بل إن الثعلبي وهو أحد المفسرين الكبار نقل عن مجاهد إطلاق الآية والجزم بأن بني إسرائيل أفضل من جميع الأمم بمن فيهم أمة محمد!! ولم يتوقف عند هذا بل أورد نصين آخرين من القرآن الكريم في تأييد ذلك ففي سورة المائدة يقول موسى لقومه: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، وفيه ينقل عن مجاهد أن الأرض المقدسة التي كتبها الله لبني إسرائيل هي أرض الشام ونقل عن الطبري قوله لا يختلف أنها من الفرات إلى عريش مصر!!
وأما النص الثاني فهو قوله تعالى: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، ولا شك أن إطلاق معنى هذه الآية وفق الظاهر سيؤدي بكل تأكيد إلى القول بأن مصر نفسها من الأرض التي خصصها الله لبني إسرائيل.
ومثل هذا التأويل له شواهد كثير في الأحاديث والروايات عن بني إسرائيل.

ولكن علماء الحديث الشريف ضبطوهم متلبسين بالجرم المشهود وأفردوا في الرد عليهم وعلى أطماعهم دراسات موضوعية مطولة تحت عنوان الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، وكان مبضع الفقهاء حاداً في تبرئة الأمة من كيد اليهود، وتم إسقاط أسماء كثيرة من أحبار السلف الذين وصفوا بالعلم الغزير، ولكنهم فقدوا مصداقيتهم عندما انخرطوا في التأويل الإسرائيلي للنص القرآني أو النبوي ومن هؤلاء الضحاك بن مزاحم وكعب بن ماتع الحميري كعب الأحبار ووهب بن منبه , وقتادة بن دعامة السدوسي ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير والحسن البصري والضحاك والسدي ، بل إن مشرط النقد امتد إلى صحابة معروفين بكثرة الرواية ومنهم أبو هريرة وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمرو، وجزم أئمة علم الاصطلاح بأن هؤلاء الصحابة على الرغم من منزلتهم العلمية الكبيرة إذا رووا في مسائل الغيب فإنه لا يصح الرفع عنهم إلا إذا صرحوا بالسماع عن رسول الله لاحتمال أن يكون ذلك مما سمعوه من أهل الكتاب.

منذ أن تم ضم العهد القديم إلى العهد الجديد، وفسح للأشرار أن يقدموا تأويلاتهم للنصوص الدينية أصبح النص الديني نفسه تبريراً للإرهاب والبغي تحت عباءة الرب، وهذا الأمر كما أشرت تكرر في اليهودية والمسيحية والإسلام، وأرجو أن يكون هذا المقال مناشدة لأصحاب الضمائر من الديانات الثلاث للقيام بواجبهم العلمي والأخلاقي لفضح كل أشكال التأويل السياسي للنص الديني، وتبرئة الكتب المقدسة من وصمة التمهيد للبغي وتبرير الاحتلال والترويج لثقافة الشعب المختار والدم الأزرق الذي كان سبباً مباشراً في ثلاثة أرباع الحروب خلال التاريخ.

Related posts

د.محمد حبش- حوار في الدنمرك 24/10/2008

drmohammad

د.محمد حبش- عيد الحب …15/2/2008

drmohammad

د.محمد حبش-ويسألونك عن الأهلة 9/9/2007

drmohammad

Leave a Comment