مقالات

البيت الأبيض – موعظة الخير والشر

البيت الأبيض – موعظة الخير والشر

ليس هذا المقال تحليلاً سياسياً بل هو قراءة أخلاقية وحضارية لما أفرزته الأيام الأخيرة لحقبة ترمب، وموقفي كمؤمن بالغايات النبيلة للوجود الإنساني والواقع المضطرب الذي تشهده أقوى دولة في العالم.

تم تصنيف عصر ترمب بأنه عصر ما بعد العولمة، والرجل واضح وصريح، وفي يومه الول وقع قراراً إدارياً بمنع شعوب ستة دول فقيرة من دخول أمريكا، وأعلن مراراً أنه غير معني بمستقبل الكوكب والشعوب المقيمة فيه، وأنه لا فائدة ولا ضرورة لقيام أمريكا بنمذجة العالم وفق القيم الديمقراطية، فالشعوب أدرى بحالها، وهم بالنسبة لنا سوق وبزنس، ولا نريد ان نكون شرطي العالم، وفي هذا السياق فقد انسحب من اتفاقية باريس للتغير المناخي، وكذلك من منظمة اليونسكو وهي أهم منظمة للثقافة والعلوم، وأغلق حدوده مع كثير من البلاد الإسلامية ورفع جداراً اسمنتياً مع المكسيك، وفرق فيه بين المرء وزوجه وبين الأخ وأخيه، وانسحب من منظمة الصحة العالمية، وأعلن عشرين مرة سحب قواته من سوريا وأفغانستان والعراق، ووضع مزيداً من القيود على الأقليات والمهاجرين، وصرح انهم غير مرحب بهم في بلد له هوية أمريكية واحدة والباقي ضيوف مؤقتون، وأعلن أن واجبه هو فقط رفاهية الأمريكيين وازدهارهم، وكان يقدم في كل خطاباته بكل استفزاز أرقام الدولارات التي نجح في سحبها من السعودية والصين والكويت واستفزازاته الكيدية بالأمة الصينية الهائلة وذلك لأهداف تجارية ومالية بحتة ولا يكتم برامجه نحو المزيد وأنه لن ينفق دولاراً خارج أمريكا.

ونظر إليه من زاويتين مختلفتين، فقد رآه الماديون سياقاً طبيعياً للتاريخ وأن الإنسان ليس ذاتاً خيرة طبعها الإيثار بل إن السياق الديالكتيكي الأصم للكون هو الارتداد نحو الأنانية والأثرة وان المكان الصحيح للإنسان هو أنا … ومن بعدي ما يطلع الحشيش!

فيما نظر إليه المثاليون حالة ردة خاطئة تسير بعكس حركة التاريخ، وأن السياق الطبيعي للتاريخ هو التصاعد الحلزوني نحو الإيثار والتعاون والتضامن والإخاء، وأن الإنسان كائن اجتماعي يألف ويؤلف، ويحب ويحب، وشأن الشعوب الحية أنها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى!

من جانبي كنت أراقب الانتخابات الأمريكية من هذه القراءة الفلسفية، فأنا مؤمن للغاية بهذه الرؤية المثالية، وكنت أتساءل هل نبني رؤيتنا في الإخاء الإنساني على أوهام، وهل الحضارة الحديثة بالفعل حضارة بلا قلب، وهل سيدفع الناس أصواتهم مرة أخرى لمن يوقظ فيهم غرائز الأنانية ويصرخ بغضب ضد الفقراء والضعفاء والمهاجرين؟

كانت النتائج في الواقع صادمة حتى لأكثر المحللين السياسيين احتياطاً وبراغماتية وتدويراً للزوايا، فقد صوت الناس للمشروع الأكثر أخلاقية وإنسانية، وأعلن بايدن بوضوح أنه سيفتح في اليوم الأول لتوليه السلطة حدود أمريكا أمام القائمة السوداء التي أعلنها ترمب بلاداً سوداء ممنوعة في اليوم الأول لحكمه، وأنه سيعود إلى التعاون الدولي في منظمة البيئة ومنظمة الصحة العالمية واليونسكو وغيرها من الجهود الدولية التي اعتبرها ترمب بزنساً غير مفيد لأمريكا على الرغم من دورها الإنساني العظيم.

لست مطبلاً لبايدن ولا مزمراً لترمب، وليس لي في أمريكا ناقة ولا جمل، ولا غرين كارد ولا آب تاكس، ولكنني أقف على مرصد الإنسانية بحبور وأقول إن العالم يتجه ليكون أكثر إنسانية، وأن الفائض الحضاري ينتج فائضاً أخلاقياً، وان العالم خلق من أجل نهاية سعيدة.

ولا ينبغي أن نبالغ في الرؤية الحدية، فالتياران المتنافسان ليسا متناقضين، ولا يمكننا القول إن الأول تيار الأخلاق والثاني تيار الأنانية، بل إن علينا الإنصاف ففي برنامج كل من الحزبين المتنافسين برامج اجتماعية وإغاثية وإنسانية، ولكن المسالة هي مسالة أولويات وإعلانات، حيث يحتفظ الديمقراطيون بخطاب أخلاقي إنساني، فيما يستخدم الجمهوريون خطاباً مالياً أنانياً صارماً، وتكون البرامج الإنسانية والأخلاقية في مستوى متراجع نسبياً.

وفي السياق إياه فإن الخطاب الأناني الذي التزمه ترمب تجاوز على حد بعيد برامج الحزب الجمهوري التقليدية، وبدأ النواب الجمهوريون يتململون من قيادة تصر على سلوك أناني وترفض تداول السلطات، وفي لحظة ضمير صوّت عشرة من نواب الجمهوريين لجهة تأييد عزل ترمب، وأعلن نائب الرئيس نفسه رفضه للتمادي في هذه السياسات، وفي النهاية وجد ترمب نفسه معزولاً لا يؤيده في هذا المسعى المتهور إلا أبشع المنظمات المتطرفة من نوع براودبويز وذوات القرون والأجنحة الذين قدموا استعراضاً عملياً بالحضارة التي ينوون قيامها في أرض الحريات والديمقراطية.

كانت مفاجأة للناس بمن فيهم أعضاء الحزب الجمهوري نفسه، أن الرجل يحمل رؤية ثورية طاحنة لكل قيم أمريكا وأنه يتحلى بمزاج شرقأوسطي واضح، وبدا كمن لا يعبؤ بقيم الحرية والعدالة، وأظهر أنانية غير متوقعة في التمسك برؤيته الذاتية رغم أن المحاكم الأمريكية رفضت عن قوس واحدة 152 دعوى قضائية أقامها ترمب للطعن في النتائج.

ولعل من سعد التاريخ أن هذا الرئيس الغاضب لم يكن في عاصمة شرق أوسطية، إذن لوجد من يراسله من قادة الجيش والكتائب بالشعارالمعروف بالروح بالدم نفديك يا رمز الحرية والقوة والاستقلال، ويا شوكة في حلق أعداء الوطن، ونحن معك في تيار المقاومة، وسنقاتل خلفك حتى آخر قطرة دم في أمريكا!!

ولكن المفاجأة أن الرجل الذي ملأ الدنيا صياحاً وتحدياً، وأحب الناس فيه صراحته وجرأته وأسلوبه المباشر، أدركوا اللحظة الفارقة التي يكون فيها المرء في امتحان أمام مبادئه، وأظهرت الأحداث أن المبادئ تنتصر، والتفت فلم يجد حوله أحداً، حتى أقرب الناس إليه توقفوا في لحظة مفارقة، وتحولوا إلى القيم الحضارية الراسخة في الديمقراطية والعدالة والحرية.

لست بصدد تقديم تحليل سياسي فانا أرحم قرائي من معاناتهم في سوق التحليل السياسي الذي بات أكثر الأسواق ازدحاماً وصخباً، ولكنني معني بالكشف عن حقيقة إيمانية أعتبرها في غاية الوضوح وهي أن الله خلق العالم من أجل نهاية سعيدة وأن عالم الله يتجه في ديالكتيك صاعد، وأن آخره خير من أوله، ومستقبله أحسن من ماضيه، وان مشروع الله الجميل في الحريات والمساواة والعدالة قادم، وأن الشعب الأمريكي ليس إلا السياق إياه الذي اختاره الله للشعوب الناجحة، من إعلاء كرامة الإنسان وسيادة القانون.

إن شعار (بالله نثق) الذي اختار الآباء المؤسسون أن يسطروه على الدولار الأمريكي لا يمكن أن يكون له معنى إلا إذا قام الحكماء الأمريكيون بدورهم الأخلاقي والإنساني في دعم الشعوب الضعيفة، واستقبال المهاجرين الهاربين من الظلم، ودعمهم في كل مكان في الأرض، وكذلك دعم المنظمات الإنسانية والبيئية التي هي أنبل ما أنجزته هيئة الأمم المتحدة للشعوب البائسة.

Related posts

د.محمد حبش- الإسلام والغرب…. المشترك بين رسالات السماء 29/5/2009

drmohammad

الدكتور محمد حبش- المواطنة في الإسلام 2004

drmohammad

د.محمد حبش- ميلاد رسول الله…6/3/2009

drmohammad