مقالات

عزة الميلاء

ولو شئت لقلت هي أم كلثوم الصحابة، وهي أشهر مغنية في صدر الإسلام الأول.

وليس هذا المقال مخصصاً للجدل في إباحة الغناء والمعازف بل هو للتشجيع على ذلك، والتأكيد على منزلة الفن في الإسلام، وفض الاشتباك الموهوم بين الوسط الديني والوسط الفني، ومواجهة روح التسخيف والريب التي تسود بين الوسط الديني والوسط الفني، والبحث عن المشترك الأخلاقي والتربوي بين مدرسة الفن ومدرسة الرواية.

أما استماع النبي صلى الله عليه وسلم للمغنيات فقد فصله الإمامان البخاري ومسلم في الصحيح، وتولى بيان إباحة الغناء ومشروعية المعازف عدد من أكبر أعلام الإسلام وأبرزهم الإمام الغزالي في كتابه آداب السماع والوجد، والإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه المحلى وكتابه طوق الحمامة في الإلف والإيلاف، وكذلك الموصلي والنابلسي والشوكاني والسيوطي وابن القيسراني وآخرون كثير، وقد حث ابن حزم اهل المواهب أن يغنوا بما أنعم الله به عليهم، فلا يوجد نعمة في الدنيا كنعمة الصوت الجميل، والأداء النبيل، وهي النعمة المقصودة بقول الله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث.

كانت عزة الميلاء أشهر المغنيات في عصر الصحابة، وقد كانت مولاة لأروى بنت كريز أم عثمان بن عفان، وقيل بل كانت مولاة لحسان بن ثابت.

وكانت عزة تتقن الغناء إتقاناً فريداً، وكان لها صوت جهوري عذب يأخذ بالألباب، وكان السادة من السلف والصحابة يبادرون بالاستماع إلى غنائها ودعوة الناس إلى مجالسها، وكانت تقيم مجلسها في الغناء في المدينة المنورة كل أول شهر، فتغني الجديد والبديع من كلام العرب، وكانت تأمر الناس إذا أتوا بأحسن الثياب واجوده، فإذا ما دخلوا ألزمتهم الجلوس بأدب وانتظام، وتتولى فتياتها ترتيب منازل الناس ومجالسهم، وكان الناس يجلسون في حضرتها كأن على رؤوسهم الطير وكان لها مساعد يسمى عون يحمل بيده عصا طويلة فمن تحدث أو تلفت في مجلسها كان عون يشير إليه بالعصا وربما نقر رأسه بها حتى يضمن جو الاستماع والإصغاء والوقار.

وكان أكثر غنائها انتشاراً وعذوبة هو ما تغنيه من كلام حسان بن ثابت شاعر الرسول، وكان ابنه عبد الرحمن يتخير لها رائع شعر أبيها، وقد كان اختيارها وأداؤها أشبه بالسحر، وكان حسان يذهب عن نفسه ويأخذه البكاء عند سماع شعره بصوت عزة الميلاء، وكانت عزة تجيد فن العزف وفن الصمت وتعرف تماماً أين يقع مكان العزف في أوتار القلوب، وأين تقع نعمة الصمت وهيبته وجلاله في الفن الأصيل.

كانت من أحسن النساء ضربا بعود، مطبوعة على الغناء، لا يعييها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغنّى أغانى القيان القدماء مثل شيرين وزرياب وخولة والرّباب وسلمى ورائقة، وقال الزبيري: وجدت مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزّة قالوا: لله درّها! ما كان أحسن غناءها، وأطلّ صوتها، وأندى حلقها، وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهى، وأجمل وجهها، وأظرف لسانها، وأقرب مجلسها، وأكرم خلقها، وأسخى نفسها، وأحسن مساعدتها!

وأما أبرز من كان يغشى مجالس عزة الميلاء فهم جماعة من خيار الصحابة الكرام وفيهم حسان بن ثابت شاعر الرسول، والنعمان بن بشير وخارجة بن زيد وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وعبد الله بن جعفر بن ابي طالب أعظم الأجواد بالمدينة، كما روى الشوكاني استماع المغنيات عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وهما أكثر فقهاء الصحابة ورعاً وتقوى وخوفاً من الله.

لم تشهد عزة عصر الرسالة ولم يسمعها الرسول الكريم، ولكنه استمع إلى حمامة وأنجشة، وحمامة مغنية كانت تحيي أفراح أهل المدينة، وكان معها مغنيتان زينب وأرنب، وقد أورد ابن حجر في قتح الباري بشرح صحيح البخاري اسم اثنتين من المغنيات المشهورات في المدينة وهما حمامة وزينب، أما أنجشة كما ورد في صحيح البخاري فهو مغنٍ معروف كان يصحب رسول الله في أسفاره ويغني حتى تبكي من غنائه العذارى وكان رسول الله يقول رويدك يا انجشه رفقاً بالقوارير.

وأكتفي برواية حديث واحد نقله ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري أن عائشة أرادت زفاف امرأة من الأنصار، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة أرسلي إلى أرنب (وهي مغنية بالمدينة) تغنيهم، وفي رواية أن اسمها جميلة، وقد ذكَّرها الرسول الكريم ببعض الغناء فقال قولي: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم، ولولا الحبة السمراء لم تسمن عذاريكم.

ومع أن المقال ليس معنياً برواية الأسانيد ولكن لا بأس أن تعلم أن غناء حمامة بين يدي النبي الكريم قد ورد في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي في سبعة وثلاثين رواية، وحين تضع كلمة (تغنيان) في كتب الحديث في الموسوعة الشاملة فسيسرد لك 215 موضعاً تكررت فيها رواية هذا الحديث، وهذا حجم يقطع الشك بأن رسول الله كان ينظر إلى الغناء والموسيقا بوجه يختلف تماماً عما ينظر إليه مشايخنا اليوم بشكل جذري.

وأما عزة الميلاء فقد أرخ لها علماء الطبقات في التاريخ الإسلامي، وستجد كل ما نقلناه عنها في كتب السلف منهم وأبرزهم ابن عساكر وإسحق الموصلي وياقوت الرومي والتنوخي البصري ونحو أربعين آخرين من المؤرخين وأعلام الرواية.

وكانت المدينة المنورة قد انحسرت عن دورها السياسي بعد انتقال العاصمة إلى الكوفة ثم دمشق، وبذلك فقد انصرف المجتمع في المدينة المنورة إلى العلم والفن، فظهر فيها مجلس الفقهاء السبعة، وازدهر الفقه والرواية، كما ازدهر الغناء والفن وظهرت المغنية جميلة وتلامذتها معبد وابن عائشة وحَبابة وسلامة وعقيلة العقيقية والشمسيتان خُليدة ورُبيحة، وظهرت سيرين وهي جارية لحسان بن ثابت، وطرية وزرنب ورائقة وخولة والرباب وسلمى وعزة بنت جميل وعطرد وكنجك المغنية، وطويس وهو مولى أروى بنت كريز أم عثمان بن عفان.

غير أن أبرز مغنيات المدينة ثلاثة: سلامة القس وجميلة وعزة الميلاء، وبوسعنا القول دون أي مبالغة بأن المغنيات تجاوزن المئات في ذلك العصر الذهبي للفن في المدينة المنورة.

إن المدهش أن ازدهار الفن والرواية في المدينة كان شائعاً وفاشياً في تلك المرحلة، ولم ينقل في خبر معتبر أن المساجد والمسارح كانت في صراع، وأن المتقين كانوا يكفرون أهل الفن، ولا ان أهل الفن كانوا يحقرون أهل الرواية، فقد كان المزاج العام يذهب إلى احترام الرواية واحترام الفن، ومن الطبيعي تماماً أن تجد الفقيه هنا وهنا، وأن تكون المغنية في مجلس الرواية، وحين حجت عزة الميلاء سارت في ركب فيه نحو عشرين فناناً من التابعين، وشهدت مكة المكرمة إلى جانب ابن سريج مغني مكة أعذب أصوات المناجاة القادمة من المدينة وكان موعد الفن الراقي النبيل في ظلال البيت الحرام.

هذا الصراع الذي نتوهمه اليوم ليس حقيقياً بل هو نتيجة تصورنا الإطلاقي للتاريخ بعيداً عن طبيعة الإنسان وروحه، وبعيداً عن هدي القرآن الكريم في حث الإنسان على التمتع بما خلق الله من مسرات، قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق.

سيكون ذلك صادماً لكثير منا، فقد تعودنا أن نتحدث عن جيل الصحابة بوصفه جماعة من الراهبين الناسكين الذين خرجوا من الدنيا وانصرفوا إلى الآخرة، وربما يزيد بعضنا في وصفهم أنهم رهبان في الليل وفرسان محاربون في النهار، وفي الحالتين فإننا نخرجهم عن طبيعة الإنسان الذي وصفه القرآن الكريم بأنه الهلوع والجزوع والمنوع، وأنه الذي يفرح للفرح ويحزن للحزن ويأسى للأسى، وتهزه الأوتار وتطربه الأشعار، وهي تطهر ما جبله الله عليه من الحنين والشوق.

إننا نمارس الفهم المتجهم للإنسان ونصر على أن نحرم على شبابنا وفتياتنا زينة الله ومتعة الفن، ونعلن الحرب الضارية باستمرار ضد زهرة الدنيا ومتعتها الجميلة بوصفها رجساً من الشيطان، وتذهب أوهامنا إلى أن السلف الصالح كان يشبهنا في هذه النزعات البائسة العابسة، مع أننا نروي بكل الأسانيد موقف الرسول الكريم الغاضب من رهبنة بعض الصحابة حين صعد على المنبر فقال ما بال أقوام يقول أحدهم إنني أصوم ولا أفطر ويقول الآخر أقوم فلا انام ويقول الثالث لا آكل اللحم ولا أتزوج النساء، ألا إن أتقاكم وأخشاكم لله أنا، وإني لأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء ومن رغب عن سنتي فليس مني، وروحوا القلوب ساعة فساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت.

Related posts

د.محمد حبش- المرأة بين عفاف الشرق وتحرر الغرب 11/5/2007

drmohammad

د.محمد حبش- المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي سبتمبر 2014

drmohammad

د. محمد حبش- محمد في ضمير العالم 14/4/2006

drmohammad