مقالات

د.محمد حبش- الزواج المدني… سراب الحلول المستوردة 28/11/2008

تشتد الصيحات المطالبة بالزواج المدني وهي صيحات تهدف إلى تحرير عقد الزواج من سلطة رجل الدين وإعادتها إلى سلطة الرجل والمرأة اللذين لهما دون سواهما الحق برسم طبيعة العلاقة أو تقرير استمرار الحياة الزوجية أو فسخها.
هكذا ترتسم الصورة حادة قاسية لتحدد العلاقة بين الزواج الشرعي والزواج المدني، في إثنية صارمة لا تسمح بأدنى تداخل بين الإلهي والبشري، وتفرض على الناس سؤالاً مباشراً: هل تريد دين الله أم دين الإنسان!!
فهل الصورة في الواقع هكذا؟ وهل الحل السحري لمشاكل الزواج والطلاق يكمن في تطبيق نظام مدني للزواج لا يعترف بسلطة الدين أو القانون؟

نشأ تعبير الزواج المدني بعيداً عن البيئة العربية والإسلامية، وهو مشكلة غربية في الأساس جاءت في إطار قيام المجتمع العلماني الراغب في منع تدخل الدين في الحياة وقصره على شؤون الآخرة والغيب.
أما في الفقه الإسلامي فالزواج مدني بطبعه، ولا يشترط في عقد النكاح حضور رجل الدين ولا إكليله ولا مباركته، وإنما يتم عقد النكاح بموافقة الطرفين ورضاهما، وتترتب عليه آثاره الشرعية المعروفة.
وعقود النكاح في الإسلام تتمتع بمرونة جيدة إذا نحن أخذنا بالاعتبار القاعدة التي تبناها الفقه الحنبلي وفق الدلالة الظاهرة للحديث الشريف إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج، ووفق هذه القاعدة فإن قدرة الزوجين على اشتراط ما شاءا في عقد النكاح ممكنة ومتوافرة بما في ذلك اشتراطها أن لا يتزوج عليها واشتراطه أن لا ينفق عليها، واشتراطهما أن يكون اللقاء مرة في اليوم أو الشهر أو العام أو غير ذلك، وهذه الشروط تقترب كثيراً من صيغ الزواج المدني التي يطالب بها دعاة الحقوق المدنية.

ومن الناحية الدستورية فإن الزواج المطبق في سوريا هو في الواقع زواج مدني، فهو ينظم بنصوص دستورية تلتزم الآلية الدستورية التي تطبق في سائر القوانين في سوريا شكلاً وموضوعاً، حيث يتم اقتراحه عبر خطاب من الحكومة لمجلس الشعب أو عبر مقترح يتقدم به عشرة أعضاء من أعضاء المجلس، ومن ثم تبت في دستوريته لجنة الشؤون التشريعية والدستورية ويحال بعد ذلك إلى لجنة الموضوع ويعرض على المجلس لتتم مناقشته ومن ثم التصويت عليه طبقاً للآلية التي يتبعها المجلس في سائر التشريعات والقوانين، وتتم مراجعته وتعديله طبقاً للأصول الدستورية، وتتأكد هنا مراعاة المادة الرابعة في الدستور على أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي في التشريع، من دون أن يعني ذلك أن المشرعين ملزمون أن يطبقوا أحكام الفقه الإسلامي، وإن كان من المؤكد أن غالبية النواب في سائر الأدوار التشريعية لم تكن لترغب على الإطلاق بمخالفة صريح النص القرآني أو السنة الكريمة.

وهكذا فإن موقع قانون الأحوال الشخصية كناظم نهائي لأحكام الزواج والطلاق لم يتم اكتسابه بناء على قرار ديني، وإنما هو تطبيق للأصول الدستورية في مجتمع غالبية أفراده محافظون، وفي برلمان غالبية أعضائه محافظون.

وهكذا فإن أحكام الزواج والطلاق في سوريا هي أحكام مدنية تم تشريعها وفق الأصول الدستورية المتبعة، ولا سلطة فيها لأحد خارج سلطة القانون.

من المؤكد أن هناك مطالبات بتعديل قانون الأحوال الشخصية وهي مطالب محقة، فقانون الأحوال الشخصية ليس نصاً مقدساً معصوماً، بل هو في النهاية صناعة بشرية، ولكن يجب أن تتوفر الأغلبية البرلمانية لمطالب كهذه، وهنا فمن البدهي أن التغييرات التي طرأت في بعض التشريعات الغربية كتشريع تعدد الأزواج أو الشذوذ أو السحاق غير واردة على الإطلاق في بلد كسوريا والسبب الدستوري في رفض هذه المطالب ليس لأن هناك قراراً دينياً يمنع من ذلك، بل لأن الأمر ببساطة لا يمكن تأمينه عبر أغلبية نيابية في بلادنا.
وبدهي أنه ليس في سوريا من يطالب بتعديلات كهذه على الإطلاق، ولكن بكل تأكيد فإن هناك مطالبات أخرى من أبرزها السماح بالتزاوج بين أبناء دينين ومنع تعدد الزوجات، وهذه مطالب حقيقية لمواطنين كثير في سوريا ولكن ينطبق عليها الأمر نفسه وهو وجوب تأمين أغلبية برلمانية لهكذا مطالب وليس سراً أن يقال إن هذا غير ممكن في المستوى المنظور، ولكن ما يجب الاعتراف به هو أن عدم إمكان ذلك لا يعني أن الزواج في بلادنا هو ديني ثيوقراطي بل إن الأصول البرلمانية هي التي تحتم هذه النتيجة.
لقد عملنا في مركز الدراسات الإسلامية على محاربة تعدد الزوجات بالدافع الشهواني، وأكدنا أن التعدد استثناء من الأصل ويجب أن تحكمه قواعد العدالة، وإن من حق المرأة أن تشترط صراحة في عقدها أنها لا ترضى بالتعدد الأمر الذي يفترض معاقبة الزوج الذي يقدم على التعدد، بل إننا ذهبنا إلى أن هذا الشرط منصوص عليه ضمناً في كل عقود الزواج اعتباراً بواقع الحال، وأن التحلل من هذا الشرط يجب أن يكون بموافقة طرفي العقد لا بإرادة واحد دون الآخر، وهذا موقف ثابت، نملك عليه المؤيدات الشرعية الوافرة وقد جمعت طرفاً منها في كتابي المرأة بين الشريعة والحياة.
ولكن مطالبنا هذه لا تزال أيضاً قاصرة عن الدخول إلى عتبة التشريع ليس لأن هناك قراراً دينياً يمنع من ذلك، بل لأننا ببساطة لا نملك أغلبية برلمانية مقتنعة بهذا التوجه، وأنا أعتقد أن هذا المطلب قد يكون وارداً في مرحلة قادمة حين يزداد تأثير التيار التنويري في البلد.
والأمر نفسه من الناحية الدستورية أيضاً فيما يتصل بالتزاوج بين أبناء الديانتين، فمن المعلوم أن الفقه الإسلامي يجيز زواج المسلم من غير المسلمة من أهل الكتاب، وهناك اجتهادات متعددة في بقاء المرأة على عصمة زوجها إذا أسلمت ولو بقي الزوج على دينه، وقد حرر هذه المسألة الأستاذ القرضاوي في دراسة طويلة، وتبقى مسألة واحدة وهي الزواج المبتدئ بين مسيحي ومسلمة.
تم تقديم عدة حلول براغماتية في هذا الشأن وصرح سماحة المفتي الشيخ أحمد حسون أن ذلك يمكن أن يتم ببساطة إذا أعلن الزوج إيمانه واحترامه ومحبته لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا التصريح لن يكتسب قوة تشريعية بدون مشروع قانون، وذلك يؤكد ما أوردناه من قبل وهو أن الزواج في سوريا مدني وليس دينياً، وربما لو كان دينياً لأمكن لهذه الفتوى أن تكون كافية لعلاج المسألة، والحال غير ذلك، وهو على كل حال يعالج المسألة جزئياً لا كلياً.
وأعتقد أن الحل هنا متعذر ليس لمجرد أن النص الديني يمنع من ذلك وإنما لأن الأغلبية البرلمانية لهكذا مطلب غير موجودة في المرحلة الحالية.

والخلاصة إن الفقه الإسلامي ليس اجتهادات تكتب في السماء وتفرض على أهل الأرض، إنه في الواقع تجليات الحاجة الاجتماعية كما انطبعت في ضمير الفقهاء المحترمين مستهدية بضياء الشريعة ونور الوحي، أو قل إن شئت إنها ديوان العقل الإسلامي في فترة صعود حضاري.
ليست المشكلة في الفقه ولا في القانون بل المشكلة في التربية، القوانين في بلادنا تلتزم أدق معايير الجودة، ويتم تشريعها بحيدة تامة، على الأقل في قضايا الأحوال الشخصية، وتدخل الدولة ينحصر في المسائل السياسية الأساسية، فيما يبقى التشريع في حقل الأحوال الشخصية خاضعاً بشكل مباشر لإرادة الأكثرية من الناس.
ومع أن المجتمع في غالبيته محافظ، ومع أن القانون لم يخالف الشريعة في شيء، ولكن لا أحد يزعم أن مشاكل الزواج والطلاق قد تم علاجها، وأن الأسرة في بلادنا تعيش حياة المدينة الفاضلة، وأعتقد أن الحال هو هو سواء كان التشريع دينياً أو مدنياً فالمسألة مسألة تربية في المقام الأول.
إن القصر العدلي ممتلئ حتى الثمالة بنزاعات الأحوال الشخصية، يكفي للتأكيد على ذلك تقوير الدرج الرخامي في مدخل القصر العدلي من شدة تزاحم الداخلين والخارجين، حتى إنني اقترحت ذات مرة أن يتم اشتثمار الطابق الأرضي في قصر العدل تجارياً عملاً بالوصية التجارية الذهبية: ابتغوا الرزق عند تزاحم الأقدام!!

Related posts

د. محمد حبش- خطوة باتجاه التكامل بين الإسلام والديمقراطية7/1/2006

drmohammad

معشوق الخزنوي – إمام الشهداء

drmohammad

د محمد حبش- الجهاد وحوار الحضارات 2003

drmohammad

Leave a Comment